تقف مع المصلين بعينٍ حمراء دامعة وقلبٍ مفجوع، تنكَبُّ على المعزّين تعانقهم وهي تسرد عليهم قصة الفاجعة والرحيل المفاجئ سردًا ذاهلًا متتابعًا كأنما الكلام يأبى على فمها أن يُغلق، يحاول ميزاب الدمع المصبوب أن يخفف لوعة المصيبة أو يلمّ شعث الصدمة ولكن بلا فائدة؛ فما أنكى أن تكتشف أن برودة الموت لا الشتاء هي من تسكن جسد صاحبك الذي مكثت ترعاه اثنين وعشرون عامًا، ما أنكى أن ترى يده تسقط من السرير بلا حراك ، ما أنكى أن يكون قبل ساعة فقط بحياته وعافيته ما به بأس أو بادرة مرض أو موت ثم فجأة تُهمده سكينة الموت، ما أنكى أن تكون أنت أول من تعلم أمره ثم تتصل بالجميع لتخبرهم، ما أقسى الفراق.. الفراق الأخير.. الأبدي بلا نذير أو إشارة!
مضت أيام العزاء ثقيلة تُحمل على القلوب كما يُحمل النعش على الأكتاف، تُشيّع الذكريات إلى مثواها الأخير.. ولا يبقى من يزورها ويستذكرها إلا أحباؤها المخلصون فقط.. ثم مضت فاطمة تحزم حقائبها استعدادًا للسفر الأخير.. مرّ شريط مكوثها الطويل هنا أمام عينيها ببطء وتتقاطر معه دموعها قطرةً قطرة، أمضت هنا اثنين وعشرون عامًا.. اثنين وعشرون عاما يشبّ فيها الوليد ويعترك فيها في دروب الحياة ويكبر.. اثنين وعشرون عاما يتزوج فيها أناس وربما أبناؤهم.. يموت فيها أحياءٌ ويرِمّون.. اثنين وعشرون عاما تنمو فيها البذور وتتباسق الغصون وتترسخ الجذور.. وقد ترسّخ جذرٌ من قلبها هنا!
في ٢٠٠٤ م وصلت السعودية .. كان من المصادفة أن اسمها أيضًا فاطمة كصاحبتها جدتي، حين أتت كان جدي وجدتي لا يزالان في بيت العائلة القديم الذي نشأ فيه أعمامي، في حيٍّ قديم يسكنه خليطٌ من البسطاء وبعض من حضَر عوائل الخرج والعوائل التي استوطنتها قادمة من مدن أخرى؛ إلا أنهم رغم اختلاف منابتهم كانت تجمعهم بساطة العيش والتلاحم والترابط الاجتماعي، حتى إن جدي وجدتي لم ينكروا كثيرًا من زمان صباهم وزمان كهولتهم حين كانوا في ذلك الحي لأن الزمن لم يتغير كثيرًا هناك، وكذلك الخادمة فاطمة؛ اندمجت بسرعة في ذلك المزاج الذي يلائم مزاجها المندناوي البسيط.. كان الأحفاد لا يزالون صغارًا يبلغ عمر أكبرهم ١٨ عاما، وبعضهم لم يولد بعد.. شهدتْ طفولتهم، تخرجهم، زواج بعضهم، ووفاة إحداهم رحمها الله ، كانت كجدتهم لأنها ظلّ جدتهم ، بل لقد عرفت من لهجة الجدة الحائلية كلمات لا يعرف أكثرها الأحفاد، بل لقد عرفت من تضاريس شمال المملكة وحائل وقراها أكثر مما يعرف الأحفاد وأبناء الوطن لأنها ذهبت مع الجدة إليها عشرات المرات، وكانت تحاول محاكاة ما تسمعه من عبارات ولهجة فيبدو الكلام على لسانها متكسرًا مستعربًا، إلا أنه قانون الحياة فيمن تعاشر وتصاحب؛ أن تتلبس ألفاظه وطريقته وهيئته، وقد كانت حتى في لباسها وأسلوبها في الحديث والتفكير والطباع تشبه الجدة كثيرًا؛ حدّ التندر والسخرية من البعض! كانت تقول : "لديّ أخوات اسم إحداهن منيرة والأخرى فوزية! "وكنت أستغرب هذين الاسمين لأنهما اسمان من قعر الثقافة العربية، فاسمها فاطمة ليس بمستغرب، لأنه اسمٌ إسلامي في المقام الأول، لكن منيرة وفوزية! وحين أرى طريقتها في الحديث وطباعها التي تشبه جدتي كثيرًا أقول: ماذا بقي يا فاطمة لتصبحي واحدة منا! خاصة مع منيرة وفوزية !
ثم انتقل جدي وجدتي إلى بيتٍ آخر جديد في حي حديث، وانتقلا بانتقالهما إلى أسلوبنا الحداثي الفرداني في الحياة؛ لا جيرة يألفانها ويتزاوران معها، ولا أصدقاؤهما القدامى من كبار السن موجودون في الجوار، الجيران مختلفون مزاجًا وعمرًا، ويا لسعادتهما إن عثرا على كبير سن في الجوار! حتى الأصدقاء القدامى أخذ يحجبهم الموت والمرض واحدًا تلو آخر.. ولولا زيارات أبنائهما اليومية لهما ووجودهما جوارهما ما اختارا على بيتهما وحيهما القديم بديلًا، ولأقضّتهما الوحدة والوحشة؛ حتى الخادمة فاطمة أظنها تبيّنت الفرق بين الحياتين، وبدا لي أنها أيضًا كبُرت وذبلت فجأة معهما.. وقد كانت تذهب مع جدتي كل سنة للشمال حيث أهل جدتي وإخوتها في حائل وقراها، وكانت جدتي تلهج دومًا بترابط أهل الشمال وتواصلهم الدائم وتزاورهم، وكنت أستشعر إزهار قلبها وبهجته كلما تواصلت معها في الهاتف وهي تخبرني عن أقاربها الذين يجتمعون عندها كل ليلة أو تخرج هي معهم، وكذلك الخادمة فاطمة كنت أستشعر سعادتها إذا ذهبت للشمال مع جدتي، حتى إن أهل الشمال ألفوها وأصبحوا ينظرون لها كرفيقة جدتي الدائمة، وصارت هي تحفظ أسماءهم وتقص من أخبارهم إذا سألناها عنهم ، بل إنها تتشارك مع جدتي أحيانًا في الحديث عنهم وعن أحوالهم، يكفيك أنها عرفت من لهجتهم ما لا نعرف.
وبالإضافة إلى مهام البيت كانت فاطمة ترعى جدتي وتجهز دواءها وإبر السكر الخاصة بها وتساعدها في الحركة والمشي أحيانا، وتبيت معها في المستشفى إذا احتاجت، كانت يدها اليمنى وصنوها الآخر.. تحسن ما تحسنه جدتي من طبخ وخياطة بالماكينة؛ فلم تورّث جدتي إتقانها الخياطة بالماكينة إلا لاثنتين : لابنتها، والخادمة فاطمة، وكانت تحب القطط بشغف كما تحبها جدتي، وتوليها عطفًا وإحسانًا بالطعام والمأوى كما تفعل جدتي، ولئن كانت تفعل ذلك ابتداء استجابة لأمر جدتي بالإحسان إليهن إلا أن طول الامتثال أثمر محبةً صادقة مخلصة كتلك التي يُكنّها قلب جدتي للقطط، كانت أمًّا لجدتي كما كانت جدتي أُمًّا لها؛ تعرف جدتي من أخبار أبنائها وعائلتها الكثير، ولكم قاسمتها جدتي هموم عائلتها بل بدا الهم واضحًا على قلب جدتي وملامحها بسبب ما يحدث لخادمتها أحيانًا من مشكلات في عائلتها،
أما عن علاقتها بباقي العائلة من الأعمام وأحفادهم؛ فقد كانوا لا يرونها خادمة فقط، بل مدبرة وكفردٍ من العائلة كذلك، أما الأحفاد فكانت تمازحهم وتحادثهم وهم يحادثونها كأن مقامها من مقام جدتهم وإن كان البعض يستغرب جرأتها معه أحيانا..
مضت السنوات وفاطمة وفاطمة ملتصقتان كالجسد وظله، والغصن وورقه، والحافر وحذوته، تقاسمتا الهم والغم، والمرض والسهر، والفرح والبهجة، والمكان والزمان، والوجدان والفقدان..
وفي يوم الثلاثاء : السادس من رجب لعام ١٤٤٧ هـ.. كانت الخادمة فاطمة قسيمةً للجدة فاطمة في الوداع الأخير، هي لديارها في الدنيا، والأخرى لدارها في الآخرة.. صلّت الجدة الفجر بعد ليلة زارها فيها أبناؤها وشربوا عندها القهوة ككل ليلة، ونامت بعدهم وما بها بأس، ولما صلّت الصبح رقدت قليلًا على سريرها كعادتها؛ فمرّت بها عرضًا الخادمة فاطمة، فلما رأتها قالت : "ماما.. التحفي جيدًا، الجوّ بارد.. " فلما رأتها لم ترد.. ظنّت أنها مستغرقة في نومها ، فرفعت الغطاء لتلحفها، وأمسكت بيدها فأثارها برودتها.. أفلتتها فتدلّت من السرير بلا حراك ..لمست الجسم والرقبة فتوجّست من اختفاء النبض فيها، وهزّتها ولكن بلا مجيب، ففزعت واتصلت فورًا بأعمامي، اتصلوا بالإسعاف ونُقلت إلى المستشفى، وهناك حاولوا إنعاشها فنجحوا مرتين، وفي الثالثة استعصت عليهم الحياة وطارت بعيدًا وجثم على الجسد المُهمَد طائرُ الموت، وصدق الله :"فلولا إن كنتم غير مدينين، ترجعونها إن كنتم صادقين" ؛ وقعت الواقعة التي لم تنذِر، وحلّت الفاجعة التي لم تُختبَر.. بكت العيون وانفطرت القلوب، ولا يقول اللسان إلا ما يرضي ربّنا : إنا لله وإنا إليه راجعون .. وإنا على فراقك يا ماما فاطمة لمحزونون.. بكاها الأعمام والأحفاد، الإخوة والمعارف الكثيرون.. نخلات الخرج وجبال حائل، البيت الصغير وماكينة الخياطة والقدور والقطط، وانفطر قلبها حزنًا الخادمة فاطمة..تلك التي ما هي من الأبناء فيعذرونها، ولا كباقي الخدم فيستغربونها، لا هذا ولا ذاك.. هي القريبة البعيدة، الصاحبة والخادمة، المُتكلّفة المُتبسّطة، الغريبة المستوطنة.. قد كانت حاضرة معها ساعة الموت؛ ألا يكفيها ذلك قربًا وبُنوّة؟!
انفضّ جمع المصلّين، ومضت عمتي وزوجات الأبناء لاستقبال المعزين في مجلس العزاء، والخادمة فاطمة لا يزال الحزن يُقصيها عزلة ويكفّ شهيتها للطعام والشراب فلا تأكل إلا تحت إلحاح عمتي.. كانت المعزيات يتواردن ويصدرن عن المجلس من مختلف الجهات؛ من جهة القرابات، أو جهة المعارف الواسعة التي تمتعت بها جدتي، أو من جهة الأبناء والأحفاد ومعارفهم وأصحابهم، دخلت المجلس ثلاث أخوات من جيرة جدتي القدامى واللاتي لم تزل على وصال معهن حتى وفاتها رحمها الله، فطلبت إحداهن حضور الخادمة فاطمة لتعزيتها في جدتي؛ كانت تعرف قربها من الراحلة رحمها الله، فلما دخلت فاطمة المجلس؛ انبثق الدمع صببًا من إحدى الحاضرات حين رأتها؛ كانت هذه الحاضرة قبل لحظات تجلس بصمتٍ لا تبكي حتى دخلت علينا فاطمة ففاضت دموعها؛ كأنها كانت بعض إرث الراحلة وذكرًى عزيزة خلّفتها، كان مشهد دخول فاطمة وهي مطأطئة رأسها ذابلة الملامح وبكاء تلك المرأة واحدًا من أقسى مشاهد العزاء الحزينة.
حين انتهت أيام العزاء وشرع الأعمام بجمع متاع الراحلة وتوفية ما نقص وتبقى من شؤونها؛ سألت عمتي فاطمةَ:
-"هل ستبقين هنا أم تسافرين للفلبين؟!"
بادرتها الجواب :
-"سأسافر للفلبين سفرًا نهائيًا!"
كان جوابًا متوقعًا وغير متوقع، لقد كبرت فاطمة وأثقلها السِنّ، ولكن الحاجة باقية، والفقرُ مذمّة في الديار، والغربة مُسلِية مُغنِية.. لم يصدم عمتي جوابها، فقد كانت ترغب بذلك منذ مدة ولكن رجاء عمتي وجدتي رحمها الله لها بالبقاء يغيّر رأيها، جمع أعمامي لها مبلغًا كبيرًا زيادةً عن راتبها وأعطوه لها إكرامًا لجدتي ووفاءً لها.
عادة المرء أن يفرح عند الإياب لوطنه بعد سنوات من الغربة.. إلا فاطمة ظلّ قلبها منقبضًا ضيّقًا لم يتغيّر عن حاله كثيرًا في أيام العزاء، باتت في بيتنا بعض الليالي قبل سفرها وظنّت أمي أنها ستفرح بذلك لوجودها مع صديقتها خادمتنا الفلبينية؛ إلا أن خادمتنا كانت فرحة أكثر منها! أما هي فكأنها لا تبتسم إلا مجاملة!
وحان اليوم الأخير.. حزمت حقائبها ووقفت تعانقنا وتودعنا بدموع ولسانٍ لا يكاد يُبين، تنظر إلينا ولسان حالها يقول:
"أكاد أكون منكم، اسمي من أرضكم، واسم أبي وأخواتي كذلك.. ديني دينكم، ولساني يتشبث بلسانكم أكثر مما يفعل أبناء جلدتكم؛ وإن كان مستعجمًا! يكاد يصبح أبناؤكم أبنائي، وأيامكم أيامي، وأفراحكم أفراحي، وأحزانكم أحزاني.. ثم لا أصبح بعد ذلك منكم!
نعم سأعود إلى الفلبين لأكمل فيها ما تبقى من عمري.. وطني الأم؛ مهما علَت الأغصان وتطاولت لا يُنسى الوطن، فالجذور لا تعرف إلا تربتها، ولا تتقن النمو إلا فيها! إلا أنني بعد هذا العمر المتطاول أظن أني سأشعر بالغربة كثيرًا هناك، في السعودية وطنٌ غريب، وفي الفلبين غربةُ وطن! يا لحظي المقسوم بين وطنين، أو بين غربتين!"
في ذلك اليوم حين رحلَتْ فاطمة رأيت في المنام أني صغيرة أركض في فناء بيت جدي -رحمه الله- القديم ؛ وفي نهاية الفناء ظهرت الخادمة فاطمة تلاعبني وتحاول المساك بي، أفلتُّ يدها وأنا أضحك ومضيت أركض في الفناء الطويل .. ثم اختفت لم أعُد أرها! لقد كان ذلك الحُلم ذكرى من الطفولة سافرت إليّ في المنام، استيقظت وأنا أقول في نفسي: لقد كانت فاطمة موجودةً منذ ذلك الحين! منذ درجتُ في الصِبا !والآن .. تضمحلُ فاطمة كما اضمحل بابا زيد وماما فاطمة، ويضمحل بيتهما ومتاعهما، كأنما يتخطف الموت كل ذكرى..


