‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءة وكتب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءة وكتب. إظهار كافة الرسائل

السبت، 21 نوفمبر 2020

شيء من دقّة النظر عند علماء الأثر

 أن تسمع بالأمر شيء، وأن تنظر إليه وتُقلّبه وتتفحصه شيءٌ آخر! كنتُ أسمع عن إبداع علماء علم الحديث وجهودهم المبهرة في حفظ سنة النبي -صلى الله عليه وسلّم-، ولكن حين درست طرفًا من هذا الأمر في شرح نخبة الفكر لابن حجر للشيخ عمر المقبل حفظه الله صدّقَ القلبُ النظر وتثَبّت اليقين! قومٌ تدرّعوا بالحيطة والحذر في الطرائق وتسّلقوا بها الإسنادَ، ولم يخلعوها حتى في الطرائق الآمنة والأسانيد الساكنة، لأن سنة نبيهم دين.. ووحيٌ يُمسّكه الله المتقين، فهو محفوظٌ في حرزٍ أمين؛ فحتى الكذب على الحيوان أمارة كذبٍ عندهم كما يقول بعض علمائهم، فهذا البخاري يترك الرواية عن أحد الرواة حين رآه مرةً يشير إلى حماره بالعلف ليقبل إليه فيركبه، فلما أقبل عنده لم يعطه العلف وركبه ومضى، فارتاب البخاري أنه إن لم يترك الكذب على الحمار فربما كذب على رسول الله! ويحرصون على سلامة النقل واجتماع أسباب الضبط ما أمكن؛ فعندهم أنه كلما قلّ عدد الرواة في إسناد كلما نقصت فرص الخطأ والغلط فيه، فيرجّحونه، والعكس صحيح؛ لأن الخبر كلما تناقله عدد أكبر من الناس كلما علِقتْ به من الزيادات والأوهام ما غيّر صيغته الأولى.. فكذلك حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي صيغ الأداء عندهم تُقدّم الرواية التي تبدأ بـ (سمعت، وحدّثني) على الرواية التي تبدأ بـ (أخبرني) أو العرض؛ لأن العرض قد ينعس الشيخ فيه أثناء قراءة تلميذه عليه من كتابه -كتاب الشيخ- فينسى الشيخ أو يذهل عن تصحيح خطأه إن وَرَد! أما السماع والتحديث فيتكلم الشيخ من حفظه مباشرة فيكون واعيًا لما يتفوه به. أما علم الجرح والتعديل فالعجب العُجاب والسحر العُباب! آية ما رأت مثلها العقول ولا طَرقَتها المناهج ولا حظيت بمثلها نُقُول الأمم وأخبارهم.. يضعون حياة الرواة وأخبارهم تحت مجهر المراقبة بشكلٍ لا يدع شكًّا لشاكّ بأن هذه المراقبة ما هي إلا إلهام الله وتوفيقه لهم ليحفظ سنة نبيه؛ فكتبوا مثلًا عن راوٍ أنه لقيَ الشيخ في جامع البصرة ولم يسمع منه مباشرة! أو أنه رآه ولم يسمع منه! وبذلك تقل فرص صحة روايته، وقَنَصوا عن الحسن البصري قوله:" حدّثنا ابن عبّاس" واستغربوه، لأن ابن عباس حين دخل البصرة لم يكن الحسن دخلها بعد، رغم أنهما متعاصران!، وأوَّلوا قول الحسن بأنه كقولك إذا زار مدينتك أميرٌ فلَقيَته جماعةٌ معينة من أهل مدينتك.. فأنت حين تحدّث الناس ستقول "زارنا الأمير" رغم أنه لم يزُرك في بيتك ولم تقابله، فانظر كيف تتبّع أهلُ الحديث أخبارَ الرواة وأسفارهم بل وحتى الأماكن والمساجد التي يذهبون إليها احتياطًا للسُنة، ومن دقائق تتبّعهم أنهم يعرفون أسماء إخوة وأخوات الراوي حتى يُعرف مَن المقصود بالضبط ومن أي أسرة هو بين الناس ولا يحصل اشتباه، فيعرفون حاله وضبطه وتقواه؛ كعبدالله وأخوه عبيد الله، ويُعرّفون الرواة بكُناهم وأسمائهم معًا حتى لا يحصل خلط بينهم وبين رواة آخرين إذا تشابهت أسماؤهم أو لغيرها من الأسباب، ويوجد في تفريقاتهم تفريق عنوانه (من اتفق اسمه مع اسم أبيه وجدّه) مثل : الحسن ابن الحسن ابن الحسن، حتى لا يتوهم متوهم أن هناك خطأ في الإسناد فيحكم عليه بضعفٍ، وكذلك أنهم  يعرفون درجات حفظ الراوي الواحد؛ فيسجّلون عنه مثلًا أن حفظه من صدره أضبط من كتابه، وكذلك دقّة تقسيمهم لدرجات الطعن في الرواة بالنسبة لضبطهم وحفظهم.. مما لو قرأها جاهل لاختلطت عليه درجةٌ بأخرى ولَمَا أدرك بنظره القاصر أن بينهما برزخٌ لا يبغيان؛ فما الفرق مثلًا بين فاحش الغلط وسيء الحفظ؟ أو بين المغفّل والواهم؟ علماء الحديث يضعون الفروق الدقيقة لهؤلاء فلا تعدو مرويات كل منهم قَدْرها؛ فالفاحش الغلط هو كثير الغلط، والسيء الحفظ هو كثير الغلط لكنه لا يصل لدرجة الفحش، والمغفل هو الذي لا يميز بين الأحاديث، والواهم هو الذي كان غلطه على سبيل التوهّم، ولكل منهم تعامل خاص في قبول مروياته أو ردّها.

هذا غيضٌ من غيضٌ من فيض وقليل من قليلٍ من كثير، ولولا أن يطول بي المقام أو يغمُض حديثي على الأفهام لبسطتُ المقال ولفصّلت في الكلام، ولكنه غورٌ بعيد لم أقف إلا على شَفَته ولم يُصبني إلا رذاذٌ من مائه، فما أنا إلا محظوظةٌ قد أُلقَيَت إليها شَذرةٌ من هذا العلم المُذهّب فراحت تُقلّبها بين الناس فَرِحةً ببريقها.. ورغم أنها شذرةٌ إلا أني شرقتٌ ببريقها .. فكيف لو حُزتُ المنجم كلّه؟ فيا عجبي ممن يطعن في البخاري أو غيره من رجال الحديث! هل قرأ من علم المصطلح أو الجرح والتعديل شيئًا؟ أم أنه قرأ وعاند وقال كما قال الأولون: سُكّرت أبصارنا بل نحن قومٌ مسحورون؟! عجبي.. يقبلون آثارا ومرويات عن فلاسفة وعلماء مرّ على وفاتهم مئات أو آلاف الأعوام، ولا يقبلون من العدول الثقات علماء الإسلام!!

أُتي بزنديق لهارون الرشيد كان يضع الأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فلما قدّمه الرشيد للمحاكمة ولساحة العدالة ليصلب وتضرب عنقه، قال: لا يهُم هذا لقد وضعت فيكم أحاديث تحلل الحرام وتحرم الحلال، فقال له الرشيد: يا زنديق تعيش لها الجهابذة تنخلها نخلاً: عبد الله بن المبارك وأمثاله. وإذا كان بين هؤلاء المشككين وبين ديننا وثقافتنا حجابًا وكان هواهم ومزاجهم غربيًا فليقرؤوا ما قاله المستشرقون ورجال الغرب المنصفون عن علم الجرح والتعديل؛ فهذا المستشرق البريطاني ديفيد صمويل مرجليوث يقول: "ليفخر المسلمون بعلم حديثهم"، والمستشرق الألماني أشبره نكر يقول: "إن الدنيا لم تر ولن تر أمة مثل المسلمين؛ لقد درسوا بسبب علم الرجل الذي أوجدوه -بحسب زعمه- حياة نصف مليون رجل! " وهذا المؤرخ اللبناني المسيحي أسد جبرائيل رستم يقول: "مما يذكر مع فريد الإعجاب المنهج الذي اهتدى إليه علماء الحديث منذ مئات السنين في نقل الأخبار"، ثم قال: "وإليك بعض ما نقلوه في كتبهم نورده بحذافيره اعترافًا بتدقيقهم العلمي وتنويهًا بفضلهم على التاريخ!" وغيرهم من المنصفين. (المصدر: الشيخ سعيد الكملي/ انقر هنا

لقد أقرّ ببراعة علم الحديث عندنا وبراعة منهجه ذوو العقول والأحلام من المشرق والمغرب.. فما بال بني جلدتنا لا يكادون يفقهون حديثًا؟! ولكن شأنهم كما قال الشاعر:

هل صحّ قولٌ من الحاكي فنقبله

أم كل ذاك أباطيلٌ وأسمارُ؟!

أما العقول فآلت أنه كذبٌ 

والعقلُ غرسٌ له بالصدق إثمارُ !

الأربعاء، 26 فبراير 2020

كتاب (المشوق إلى القراءة وطلب العلم - علي العمران) .. نظرات نقدية

كتاب غزيرُ العلم عظيم النفع والفائدة، حريّ بمن قرأه أن يكون بعده خيرًا مما قبله؛ بأخذ الكتاب بقوة، واستنهاز الدقائق والثواني، والقبض على الفائدة واللفتة وإيداعها الورق وضمّها في الذاكرة، وغير ذلك من المنافع.. جزى الله مؤلفه خير الجزاء على عمله ومجهوده.
لكن لا أدري.. أراني اليوم وفي نفسي حرج من دعوات التشديد في القراءة واعتسافها الزائد عن الحد! نعم لا ينكر عاقل أهمية القراءة وأنها قِوام الإنسانية والمجتمعات؛ لكن أن تُصوّر الكتب كحصنٍ قوي الحجارة سامق الجدران مُتعدد الأسوار مرتكزٍ على قمة جبل لا يحفظ الإنسان ويحميه إلا بقدر ما يُبعده ويعزله فهذا مما يخرج القراءة عن معناها ومقصودها الحقيقي والجوهري الذي يراد به التأثر والتفاعل مع الكون وما يحويه من حقائق وأسرار، وتأثير ذلك على الإنسان وعلى ما حوله، ومشاركته ذلك الأثر.. لا الانكماش والتقوقع؛ إن لم يفصح الكتاب عن هذا، فهذا على الأقل ما يشي به، إلا قليلًا منه! فمعلوم أن العلم في الإسلام لا نفع به إن لم يصحبه العمل، حتى عائشة -رضي الله عنها - حين وصفت خُلق النبي -صلى الله عليه وسلم - وقالت: "كان خلقه القرآن" فإنها وصفته بشيء علمي أو نظري رَكِبه العمل والتطبيق، إذ لا فائدة من علمك بالقرآن إن لم تعمل بما فيه، فوددتُ أن لو فصّل الشيخ علي العمران عن عمل هؤلاء العلماء بعلمهم وتقواهم وخشيتهم لله عز وجل، وعن أحوالهم في أهليهم ومع طلابهم وأصحابهم وخُلقهم وتعاملهم معهم، فكلنا يعرف مقولة أمّ الإمام مالك له حين كانت ترسله صغيرًا إلى شيخه فتقول: "اذهب إلى ربيعة فتعلّم من أدبه قبل علمه"، فالحديث مثلًا عن أمثال الحافظ البلقاسي -رحمه الله- الذي كان لا يُرى إلا مشتغلًا بالعلم أو التعليم ليله ونهاره حتى أنه كان يقرئ الطلاب وهو يأكل استغلالًا للدقائق والثواني، أو عن ابن عقيل الحنبلي الذي كان يأكل سفّ الكعك مع الماء بدلًا من الخبز لكي يكون أسرع في المضغ والبلع استنهازًا لوقته في العلم؛ لم لا يقابله مثلًا الحديث عن ثنايا يوم ابن تيمية وتنويعه في وقته وحياته ما بين عبادة واستغراق وتأمل في الكون وتصدق على الفقراء وجهادٍ للطغاة بالكلام وجهاد للعدو بالحُسام.. وغير ذلك! أنا لا أتهم البلقاسي ولا ابن عقيل ولا غيرهما في اقتصار يومهم دِقّه وجلّه على العلم المجرد فقط.. معاذ الله، فمثلهم لا يُتهم في دينه، فلا ريب أنهم يعملون بالعلم، أو أنهم ابتغوا بهذا العلم الذي صرفوا عليه ليلهم ونهارهم ونومهم وراحتهم وطعامهم وشرابهم أن يكون من أرجى أعمالهم التي تدخلهم الجنة بعد رحمة الله.. أحسبهم والله حسيبهم، ولكني أنقد الاحتفاء بفعلهم وذكره على سبيل التعظيم وكأنه مقياس العلم وحده، ومثل هذا المقياس ينطبق على سائر ما ورد في الكتاب من أمثلة؛ مما هو خارج عن قدرة الشخص العادي ومما يتفاوت فيه الناس! فحتى ابن الجهم الذي ذكره المؤلف بأنه كان يطرد النوم بالقراءة والنظر في الكتب واحتفى بصنيعه؛ ذكر في موضع آخر أن الحسن اللؤلؤي يقول عن نفسه أنه كان لا ينام إلا والكتاب على صدره، أي أن النوم كان يدهمه أثناء القراءة! هذا غير أن بعضهم ممن ذُكروا في الكتاب كان يتفاخر بأنه لا ينام الليل إمعانًا في المطالعة والعلم.. كيف ورسول الله- صلى الله عليه وسلم - كان ينهى عن ذلك أولئك النفر الذي افتخر أحدهم بتركه النوم للصلاة والعبادة وقال له:"وأصلي وأنام"؟! وهذا في أمر الصلاة التي هي من أجلّ الطاعات، فكذلك طلب العلم وغيره!، ثم يذكر المؤلف أن تقي الدين ابن دقيق العيد حين وصل إليه كتاب (الشرح الكبير) اشتغل بمطالعته حتى اقتصر على الفرائض من الصلوات وترك النوافل، وصحيحٌ أن تقديم العلم على الرواتب يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، لكن كان من الأجدر أن ينبّه المؤلف على هذه المسألة والتفصيل فيها؛ لكي لا يتخذها البعض مساغًا فيترك النافلة متى شاء بحجة طلب العلم!
ثم إن ذكر خبر ثعلب النحوي أو خبر محمد بن أحمد البغدادي اللذان كان لا يمشيان إلا وفي يديهما كتابٍ ينظران فيه حتى أن ثعلب صدمته فرس وهو يقرأ فألقته في هوة، فمات في اليوم الثاني بسببها، والبغدادي ربما سقط في جرف أو خبطته دابّة بسبب القراءة؛ لم لا يقابله التنبيه على فعليهما وضرره : ﴿أَفَمَن يَمشي مُكِبًّا عَلى وَجهِهِ أَهدى أَمَّن يَمشي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُستَقيمٍ﴾، ﴿ وَلا تُلقوا بِأَيديكُم إِلَى التَّهلُكَةِ﴾ ؟!

إن ذكر نماذج تكاد تكون غير واقعية (إمكانًا لا حدوثًا) ثم الاقتصار والتركيز عليها لا يزيد الأمر إلا إغرابًا أو إنكارًا أو تعجيزًا، وفي كل الحالات لا يزيده إلا بعدًا! فالنفس التي تروم بلوغ قمة الجبل بوثبة واحدة وهي في أخمص السفح لن تستطيع، ربما ستحاول المرة بعد المرة، حتى إذا استبانت العجز كرهت القمة وصورتها وفكرتها، أو قنعت منها بالنظر من بعيد بإعجاب وتسبيح وتمجيد لخالقها الذي رفعها وأعلاها فوق كل البشر ! هذه هي النفس الإنسانية بصورتها الطبيعية البسيطة، ولكل قاعدة شواذ بعد ذلك! 
كم وددتُ حقًا لو فصّل الشيخ علي العمران بعد ذكر هذه النماذج في شأن الأولويات في حياة المرء وأن هناك أمور تقدّم على أخرى سواءً بالمُطلق أو في زمانٍ ومكان معينَين، كم وددت لو فصّل كذلك في شأن قدرات الناس وتفاوتها حتى في طلب العلم والصبر عليه، فمن تميّز في شيء تواضع في آخر، كمن يتميز في نسخ الكتب حتى يتكسر القلم في يده، ويتواضع في قراءتها والدأب على دراستها المِرار الكثيرة..وغير ذلك، بل حتى تفاوت القدرات واختلاف الأمزجة في الشخص الواحد من حين لآخر؛ فهذا الإمام ابن حجر العسقلاني وهو حافظ عصره، كان يظهر التأسف في تقييد ما يسمعه من الفوائد، وغيره كثير. ولا يعني تفاوت القدرات أنه ينبغي لطالب العلم ما لا ينبغي لغيره؛ سواء بلغ فيه درجة متقدمة أم لا، إذ أن العلم كما قلنا لا يؤخذ بمراغمة النفس وحملها الشديد على ما تكره، أو ما يصلح لغيرها ولا يصلح لها، أو ما هو سابقٌ لأوانه، فحتى العلّامة جمال الدين القاسمي الذي أورد المؤلف من كتابه "الفضل المبين" خبر قراءته للمطولات مثل صحيح مسلم، وسنن ابن ماجه، والموطأ، وتقريب التهذيب؛ يذكر في كتابه الآخر "قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث" أنه قرأ هذه المطولات إثر بعضها في شهور متجاورة تقريبا، ولكنه يحذر من ذلك ويقول :"فأجهدت نفسي وبصري، حتى رمِدتُ بإثر ذلك، شفاني الله بفضله، وأشفقتُ من العودِ إلى مثل ذلك، وتبين لي أن الخيرة في الاعتدال، نعم لا ينكر أن بعض النفوس لا تتأثر بمثل ذلك لقوة حواسها، وللإنسان بصيرة على نفسه، وهو أدرى بها".

إن العلم بحر عظيم واسع لا وجهة تؤديه ولا طريق يُقسّمه، فأبحر فيه أنى شئت عالمًا، أو عاملًا، أو عالمًا عاملًا، أو حافظًا، أو فاهمًا، أو متفكرا، أو متسائلا، أو ناسخًا، أو مؤلفًا ومصنفًا.. كن ما ينفعك وتُجز به عند الله ويقربك منه ولا يسخطه منك، وهذه ليست دعوةً للتهاون بالعلم والتلكؤ فيه، وإن أمةً كان أول دينها :"اقرأ" لحقيقٌ بها أن تصِل الأول بالآخر وتكون هذه الكلمة نبراس الزمان الذي لا ينطفئ مهما أظلمت الأيام؛  بل أن يكون المرء فيه وسطًا بين الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء، وأن يُحدّث الناس فيه بما يطيقون.. فما تطيقه طبقةٌ لا تقدر عليه غيرُها، وما يطيقه أهل قرنٍ لا يُطيقه غيرهم؛ كما قال الحافظ الذهبي معلّقًا على خبر قراءة الخطيب البغدادي لصحيح البخاري في ثلاثة مجالس: "وهذا شيء لا أعلم أحدًا في زماننا يستطيعه!".. هكذا ببساطة.. فلكل وقتٍ ولكل حالٍ ظروفٌ ورجال! وإني مما أنقد الشيخ علي العمران عليه في كتابه أنه يذمُّ الذين يقرؤون الكتب بالحاسب الآلي ويظهر لهم الكتاب بـ(كبسة زر) ويقول عنهم أنهم إن ظنوا أنهم سيلحقون العلماء وينضمّون إلى ركبهم بهذا الفعل السهل فقد خابوا وخسروا! .. سبحان الله! غفر الله لك شيخنا الفاضل! وهل يجب أن يتعنّى الناس في طلب العلم ويضربون له أكباد الإبل مسيرة الشهر أو الشهرين كما في السابق حتى يكونوا علماء عن حقٍ وصدق؟! لماذا يجب أن نقفوا خطى الأوائل حذو القذة بالقذة ونجعل ذلك مقياس العلم وحده؟! أوَليس من رحمة الله ولطفه بهذه الأمة أن يسّر لها أسباب الأخذ بالعلم كما لطف بها وبالبشرية غيرها حين يسّر لها هذه المخترعات والآلات والأجهزة التي سهّلت حياتها وحسّنتها؟ وليست القضية أن نلوم من يقرأ من حاسبٍ أو (آيباد) بل اللوم على من تتوفر له هذه التسهيلات ثم يتقاعس في الطلب ويشتري به ثمنًا قليلا!

مرةً  أخرى: حدّثوا الناس بما يعقلون، بما يقربهم..لا يُبعدهم، بما يُعينهم.. لا يُعجزهم، بما يُرغّبهم.. لا يُحرجهم، حدّثوهم عن قرائن العلم من تقوى وورع وآداب وسلوك، حدثوهم عن أحوال العلماء وأنهم ونحن ومن قبلنا الأنبياء والرسل بشرٌ نأكل الطعام ونمشي في الأسواق، ونعمل ونتزوج وننام، ونملّ ونضجر، وننشط وننبعث؛ وأذكر هنا أمرًا طريفًا أنني قرأت في أحد المواقع الإسلامية المعروفة سؤالًا أرسله أحدهم يسأل فيه إن كان السلف يعملون في مهنة أو حرفة أم كانوا فقط متفرغين للعلم؟ ويشكو فيه السائل أنه حين يقرأ في سير الصحابة وأنهم مع ورعهم وتقواهم كانت لديهم أعمال ومهن يزاولونها فإنه يشعر بالسعادة وحب العمل الصالح ونشاط الحياة وانبعاثها، بينما حين يقرأ في سير السلف فإنه يشعر بالحزن والفتور لما يصوّر له من أنهم فقط كانوا مشتغلين بالعلم والحفظ ومعزولين عن الحياة! فأجابه الشيخ بأن الأمر ليس كذلك، بل إن أكثر السلف كانوا يعملون بالتجارة والحدادة والزراعة وغيرها، بل بعضهم اشتهر بمهنته ونُسب إليها؛ كالآجرّي والبحراني والحداد وغيرهم.. وهكذا ينبغي أن يكون! العلم لا يعني نبذ الحياة، بل هو جزءٌ أصيل منها يخالُطها حتى العظم، متفاعلٌ معها تسير به ويسير بها، فمعلومٌ أن أوّل العلم وابتداءه كان سؤالًا ولّدته ملاحظة الأشياء من حولنا والتيقظ لدقائقها وأسرارها، ثم التأمل فيها واستقراؤها.

وختامًا: لا يشكك أحد في أهمية هذا الكتاب وجهد مؤلفه الفاضل وأثر مضمونه خاصة في شحذ الهمم والمسارعة للعلم وتوقيره وإجلاله، ولا يشكك أحد في أن "اقرأ" هي الأولى وهي الآخرة، ولكن أستطيع أن أقول أن نقدي ليس للكتاب والمؤلف بقدر ما هو نقدٌ للفكرة، إذ أنها رائجة ومنثورة في كثير من الكتب!  هذا وإن صوابي من الله، وخطأي من نفسي والشيطان.

الثلاثاء، 14 مارس 2017

مشترياتي من معرض الرياض الدولي للكتاب.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
طاب صباحكم/مساؤكم جميعًا.

يوم السبت الماضي ذهبت إلى العرس الثقافي السنوي الذي تشهده الرياض، والذي يرتاده الكثير من الناس بلا بطاقاتٍ أو دعواتٍ للحضور، وصلتهم به وانتسابهم إليه هو هوى الثقافة وحب المعرفة والقراءة والكتاب.
كان نصيبي من المعرض عدة كتب قررتُ أن أتحدث في هذه التدوينة عن دوافع شرائي لها، ولعل البعض يستفيد من حديثي عنها ويفكّر في شرائها لاحقًا.





1) الاعتبار- أسامة بن منقذ:
الكتاب الذي ظننت أنه سيعسر علي البحث عنه وإيجاده! لأنني ظننت أنه لا يُباع في المكتبات المعروفة كجرير أو العبيكان ولا يوجد إلا في أماكن  متخصصة.. هكذا ظننت بداية الأمر ولا أدري إن كان ظني صحيحًا أم أنه محضُ ظنٍ لا يغني من الحق شيئًا؛ حتى أنني كدت أيأس من فكرة شرائه وقراءته وصار الحصول عليه مجرد أمنية تراوحني بين فترة وأخرى. إلى أن جاء معرض الكتب وكان هذا الكتاب متصدرًا قائمة كتبي، ولا تسألوني بعدها عن فرحتي الغامرة حين وجدته واشتريته من هناك

وهنا ملخص جيد عن موضوع الكتاب وعن كاتبه وجدته في أحد المواقع لمن أراد أن يعرف عنه (انقر على كلمة "ملخص" لتنتقل لصفحة الموقع)

وسر حماستي لهذا الكتاب ما يبدو أول وهلة من حبي للتاريخ، وهذا صحيح، لكن السبب الجوهري والأساسي اجتمع عندي وتشكّل لدي من عدة مصادر:

* المصدر الأول هو شيءٌ سمعته من وثائقي الجزيرة الرائع والمذهل "الحروب الصليبية"، وكان عبارة قالها أحد الضيوف على لسان أسامة بن منقذ يصف فيها الفرنجة قائلًا:

" أن فيهم فضيلة الشجاعة والقوة لا غير، كما في البهائم فضيلة القوة والتحمّل"

وهي عبارةٌ قالها أسامة في كتابه "الاعتبار"، فأثارت لدي هذه العبارة رغبةً في معرفة طريقة حياة وطبائع وأخلاق الفرنجة (أو الأوربيين في عصورهم الوسطى) وكيف دوّن أسامة بن منقذ الفروقات التي بين حياتنا نحن العرب والمسلمين في ذلك الزمان وبين حياتهم.

* المصدر الثاني كان معلومة قالها الدكتور علي الشبيلي في أحد برامجه التي شاهدتها على اليوتيوب، وكان مفادها أن الخبّازين سابقًا في عصر الدولة العباسية كانوا يُجبرون على حلق شعر يدهم وساعِدهم لئلا يسقط شيء منه على الخبز الذي يخبزونه ويبيعونه للناس، فعلّق الدكتور حينها ضاحكًا على الفرق بين خبّازينا التي يلف الشعر أيديهم -حسب ما قاله- وبين خبّازي ذلك الزمان :) وقد نسب هذه المعلومة إلى كتاب الاعتبار؛ فأشعرتني هذه المعلومة بتحضّر الحياة ورقيّها في ذلك العصر الذي كان فيه المسلمون هم سادة غيرهم في الحضارة والرقي، فتشوّقت لمعرفة صورة الحياة العامة في ذلك العصر وطبائع أهلها الحضارية والاجتماعية والدينية واللغوية.

* المصدر الثالث يتعلق بكاتب الكتاب نفسه، وما دار حوله من جدل بسبب  علاقته ببعض أمراء الفرنجة.. الكيان المحتل للأرض العربية الإسلامية ذلك الوقت.. وعن مشروعية هذه العلاقة من عدمها، فالحال عند الأمير أسامة بن منقذ يختلف عن غيره من الأمراء والملوك الخونة ذلك الزمان الذين أظهروا عهود الطاعة للفرنجة ووالُوهُم واستخدوا لهم، فالأمير أسامة كما قال عن نفسه وقال عنه غيره لم يزل متمسكًا دائمًا باعتبارهم أعداءً تجب مقاتلتهم وتحرير الأرض ومقدساتها منهم ومن بغيهم وشرورهم ودنسهم، حاله في ذلك حال أي مسلم ثابت على دينه وشرع ربه، بل حال أي إنسان أولًا يملك الضمير الذي يرى به أن الأرض المحتلة المغتصبة حقٌ لأهلها ويجب أن يُرد هذا الحق لأصحابه طال الزمان أم قصُر، بل إن الأمير أسامة لم يكن يتوانى عن جهاد الفرنجة والتحريض عليه ما دام ذلك متاحًا.. فلماذا إذن كانت هذه العلاقة التي تجاوزت حدود الانتدابات والمهمات والزيارات الرسمية -حسبما سمعت- بينه وبينهم إلى المصاحبة والمخالطة؟! أم أن الأمير أسامة هنا كان يقدر الأمر بمقادير السياسة التي يختلط بها الخير والشر ولا يرجّح الأمر فيها إلا المصالح وضرورات الأحوال لا الحق والباطل ؟! فإن كان كذلك فأين ينبغي أن يكون للسياسة حدودٌ ومحرمات لا يحق لها تجاوزها بحال من الأحوال ؟ وفوق هذا كله.. ما موقف الدين من مثل المعاملات والتجاوزات، ما موقفه من "المصلحة" تلك الكلمة التي يتشدق بها أهل السياسة ليصلوا إلى أغراضهم ؟ ومتى يسمح لنا الدين أن نتراخى ونقدم التنازلات في السياسة، ومتى يمنعنا منها مهما كانت الحال ؟!
صحيحٌ أن الرجال يُعرفون بالحق، وأن الحق لا يُعرف بالرجال، لكنني أردت سيرة أسامة بن منقذ كنموذج أخلق منه مثل تلك التساؤلات لأجد جوابًا يوفقني الله إليه بنفسي، أو أبحثه عند أهل الاختصاص، بإذن الله.

اشتريت الكتاب من : دار المكتب الإسلامي K29

2) الحرب والسلم - ليو تولستوي:
صار واجبًا بعدما كان مستحبًا أن ألتفت نحو الأدب الروسي وأقرأ ما أنتج كتّابه ومبدعوه، وذلك بعدما قرأت كتاب "الإسلام بين الشرق والغرب" لعلي عزت بيجوفيتش الذي أشار إلى الأفضلية والميزة التي يتمتع بها الأدب الروسي( ما قبل الاشتراكية) في غلبة الحس الروحي والإنساني عليه، ثم إنه لا أحد يستطيع إغفال أهمية ذلك الأدب وتفوق الكثير من مبدعيه أمثال ديستوفيسكي وتولستوي، لذلك ينبغي على المهتم بالأدب أن يجرب قراءة شيء من الأدب الروسي وغيره من أعمدة الأدب العالمية.
قررت أن يكون لقائي الأول مع الأدب الروسي من نصيب "الحرب والسلم" أو "الحرب والسلام" لأني أحب التاريخ، وأحبه أكثر حينما يمتزج مع الأدب على هيئة قصة أو رواية، فوقع اختياري على هذه الرواية الضخمة التي ذهلت من ضخامتها حين أراني إياها البائع! حيث أنها تقع في ٣ مجلدات، المجلد الواحد لا يقل عن ٦٠٠ صفحة! إلا أنني اشتريتها بطبيعة الحال، وأرجو أن أجد فيها من المتعة ما ينسيني ضخامتها ومجاهدتي في إتمامها.

اشتريت الكتاب من : دار الفارابي L33+34

3) الأجنحة المتكسرة - جبران خليل جبران:
بعض الكتب تعمل فيك ما يشبه عمل الموسيقى والألحان؛ تتسرب إلى منافذ روحك، وتتحدر إلى قيعانها السحيقة، تنفض ظلمتها، وتشعّ النور فيها، أظن أن كتابات جبران من هذا النوع.. إنه بالحس الإنساني والوجدان الصوفي الذي يتمتع بهما؛ يُرهِف الروح فيك، ويجعل قلبك كجناحي طائر محلقًا..

اشتريت الكتاب من : الدار المصرية اللبنانية K13+12

4) دين الفطرة- جان جاك روسو:
الكتاب مشهور، منذ مدة وأنا أرغب بقراءته وبالتجول في ثنايا عقل جان جاك روسو وبين تساؤلاته في طريق بحثه عن الحقيقة، وحول أرائه عن الفلاسفة والدين وغير ذلك.

اشتريت الكتاب من : المركز الثقافي العربي J31-32

5) أرض البرتقال الحزين - غسّان كنفاني:
كثيرًا ما كان كنفاني يقابلني عرضًا وصدفةً من خلال اقتباساتٍ لكتبه ينثرها أصدقائي في مواقع التواصل الاجتماعي، وكثيرًا ما كانت تتكرر هذه المقابلات واللقاءات، وكم كان كنفاني يعجبني ويشدّني إليه حينها بنضال ما يكتب وصدق ما يشعر وروعة ما يعبّر عن بلاده فلسطين! أليس إذن هذا اللقاء المتكرر والإعجاب المتزايد بيني وبين كنفاني إشارةً إلى وجوب أن أبدأ صلةً وعلاقةً حقيقة معه؟ مكانها الكتاب وحديثها السطور الطويلة لا الاقتباسات العارضة القصيرة؟ بل هي كذلك
من هنا قررت شراء "أرض البرتقال الحزين" لتكون المصافحة ومفتاح اللقاء بيني وبين كنفاني..

اشتريت الكتاب من : دار نوميديا G4

6) المكوّن اليهودي في الحضارة الغربية - سعد البازعي:
اشتريت هذا الكتاب عرضًا وصدفةً من غير تخطيط سابق، للدور اليهودي في الحضارة الأوربية أهمية لا يملك أي مهتم إلا أن يقف على أسبابها وكوامنها. المسألة اليهودية بداية من عهد موسى عليه السلام وبني إسرائيل ونهاية باحتلال فلسطين ما زالت تثير اهتمامي وتساؤلاتي، خاصة الارتباط الغريب والزواج الشاذ بين اليهود والغرب ذي الخلفية المسيحية بعد صراع عقائدي تاريخي بين اليهود والمسيحيين. فما أسباب هذا الارتباط ودوافعه؟ وما غاياته ومراميه؟ هذا ما دفعني صراحة لاقتناء الكتاب، وأرجو أن أجد عنده جوابي.

اشتريت الكتاب من : المركز الثقافي العربي J31-32


آمل أن تكون التدوينة أعجبتكم واستفدتم منها.. شكرًا لاطّلاعكم عليها، وإلى اللقاء في تدوينة أخرى إن شاء الله.