‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثقافة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثقافة. إظهار كافة الرسائل

السبت، 12 فبراير 2022

أدب بلا أدباء!


 

كنتُ أتصفح الانستقرام فشاهدتُ قصة فُلانة التي عُرفت بثقافة وقلمٍ جميل تابعتها لأجلهما؛ فإذا هي غير التي عرفتها منذ سنوات وقد تغيّرت اهتماماتها كثيرًا؛ أصبحت من المفتونين بالقهوة ومريدي المقاهي والمطاعم.. لا يكاد يمر يومان إلا وتراها في مقهى أو تستعرض إعلانًا لقهوة أو لباسٍ أو حذاء أو تحف أو هدايا، ليس هذا فقط بل أصبحت من زوّار الفعاليات المتنوعة التي لا نسب بينها وبين الثقافة والأدب لا من قريب ولا بعيد؛ والتي لو زار إحداها الطنطاوي أو المنفلوطي لَخرَج وقد تعكّرت روحه وفسدت نفسه ولبث أيامًا يحاول استعادة عافية أدبه وقلمه! مما جعلني أتساءل عن الفارق بين صاحبتنا ومشاهير السنابشات جوّالي الشوارع والأماكن المزدحمة سوى أنها تكتب أحيانًا من بقايا أدبها القديم نصوصًا اختلط فصيحها بعامّيّها قصدًا لا عَرَضًا! 

أسلوب حياة صاحبتنا هذا منتشر للأسف بين بعض الأدباء الشباب هذه الأيام ممن خطفتهم أمواج الصخب والترفيه، بل إني -ولا أزكّي نفسي- أجده في نفسي فترات غير قادرةٍ على استلال نفسي من قشّه! وأظن أن انتقالي للسكن في الرياض بعد الزواج سببًا في هذا؛ انبهارًا بأضواء هذه المدينة الصاخبة وتطبيعًا منها لي! مما جعلني أخاطب واعظًا أدبيًا رسمته في خيالي يطوف على الأدباء يعلّمهم ويزكّيهم، فقلت له أبثّه وأشكوه:

يا واعظ الأدب.. ومُعرِق النَسَب، وحكيم الخُطب ! شرٌّ قد اقترب، يريد أدب العرَب، فأدركنا كي لا نُصَبْ .. واقطع منّا رأسه والذَنَب!

يا واعظ الأدب: جِد لي أديبًا لم تقتلعه رياح اللهو والاستهلاك، لم يفسده المال ولم يسيّل لعابه الانفتاح، لم يهرعه إيقاع الحداثة المتسارع عن شعوره ولم يُصعّده الصخب عن أعماقه.. جِد لي أديبًا لم تدمن أذناه "البودكاست" والمسموعات ولم يفكّر أنها تغنيه عن كتاب، أديبًا يجد دفئه بين أحضان الكتب وتجذبه رائحة الورق .. جِد لي أديبًا لا ترهبه الوحدة ولا يوحشه الخلاء؛ بل يزعجه الضجيج  ويختنق من الامتلاء، أديبًا لا يفزع من وحشته إلى هاتفه أو إلى أفلامه ومسلسلاته، بل يهرع إلى قلمه أو كتابه؛ يرى في هدأة الأفكار منفذًا إلى فضاءات وآماد.. جِد لي أديبًا لم تشكّله أدبيّات وسائل التواصل ولم تنخر أسلوبه سوستُها، أديبًا يحيك حرفه بالفصيح الجزل ويصوّر معناه بالبليغ الفَصْل، أديبًا لم تقصّر يده مساحة التغريدات، بل لا تزال ممتدة للمطوّلات؛ تكتب المقال ذي الثلاث والأربع والخمس صفحات لا تسأم..
جِد لي أديبًا ليّنًا سهلًا يطوّعه الشعور ويثنيه المعنى وتحيّره الأفكار والأسرار ويصادق الطبيعةَ؛ جمّ الحياة والروح، أديبًا غير مدجّجٍ بمطامح "البزنس" والثروة الشخصية واللهث المالي والقوة والاستقلال.. جِد لي أديبًا لا تذهله عناوين العصر كـ"البحث عن الذات" و"تقدير الذات" و"البحث عن المعنى" و"الشغف" وغيرها ولم تداخل كتاباته سفاهاتها، أديبًا المبدأُ الراسخُ حكمتُه والدين هالَتُه والمعنى السَنيُّ وجهته..

يا واعظ الأدب؛ أنا لا أُعجِزُ الأدباء بالقديم ولا أسدّ عليهم منافذ الجديد؛ أنا لا أطالبهم بفكرة لازمة ولا صورة واحدة، أنا أريد أديبًا يحفظ للأدب سمته وحدوده، أديبًا إن قال الناس من الأديب؟ قيل: هو ذاك؛ فصدّقوا غير مكذّبين !

الاثنين، 26 يوليو 2021

بطولة العطالة

 ‏{‏وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى‏}

أنت لا تملك إلا سَعيَك.. ليس آمالك التي تتخدّر بها، أو أفكارك التي تزهو بها، أو أحاديثك التي تدندنها، أو مُتعك التي تلهو بها.. ليس لك إلا ما عملت وما ظهر على لسانك أو جوارحك، أو نيّة حسنة وعزم صادق اطّلع الله عليه فأثابك عليه.

شاعت ظاهرةٌ منذ زمن حتى اليوم خاصة عند الشباب، وهي ما أسميها :"بطولة العطالة"؛ أي أنك لن يوضع لك القبول بين القوم ولن تبرز عندهم أحيانًا إلا إن كنت خاملًا عاطلًا متمددًا بين اللذّات والمتع، يغدو يومك ويروح بين نُصبها وتماثيلها ! حتى أنك قد تعمل وتتحرّك وتنتقل من هنا إلى هناك لكن شغلك هذا ما زال دائرًا في ظلال هذه المعاني السطحية غير مكلّفٍ نفسك بالغوص في الأعماق! بدأت ألحظُ هذا المعنى بارزًا في المرحلة المتوسطة بالذات، لا زلت أذكر تلك الأيام حين نرى طالبةً نجيبة متفوقة نشيطة تشارك في الإذاعات والمسابقات فإن هذا الأمر الذي هو سرّ تميزها يصبح ملمزًا فيها ومحط سخرية بها في أعيننا! ولا عجب أن أمسَتْ بفضل هذه النظرة كاتبةُ هذه المقالة طالبةً عادية بعد أن كانت من المتفوقات، وطالبةً مزعجة للمعلمات بعد أن كانت مؤدبة.. ليس هي فقط، بل كُنّ زميلاتها كذلك.. ثم لما انتقلنَ للمرحلة المتوسطة اجتمعن فيما بينهن وأخذن على أنفسهن عهدًا جماعيًا أن يتحدْن ويتمرّدن على ماضيهنّ المشرّف! والحمدلله أن هذا الاعوجاج اعتدل في نهاية الثانوية بفضل المعدّل التراكمي المُصلت على رؤوسهن! العجيب أننا كنا في متوسطة إدراتُها من أشدّ الإدارات في مدينتنا رقابةً على الطالبات وضبطًا لهنّ، وتُسجّل المشرفات التعليميات والمديرات بناتهن فيها لهذه السمعة، ورغم ذلك أبَينا إلا أن نطرح التعهدات والتهديدات بإبلاغ ولاة أمورنا بمشاغباتنا جانبًا ونستمرّ في غيّنا! أنا أقص عليكم هذا الخبر كمثال لترسّخ هذه العطالة في عقولنا اليافعة ذلك الوقت وحمل نفوسنا عليها رغم معاكستنا لتيار القوانين والأخلاق والعقل، وهذا ما نجده عند اليافعين والشباب حتى الآن متخذًا صورًا مختلفة في البيت والمدرسة والشارع وشبكات التواصل وغيرها، فتجد مثلًا الصورة المثالية للحياة عند الشاب أو الفتاة أن يجلس أمام الشاشة متنقلًا من فيلم إلى فيلم وبجانبه صحن الفشار والبيبيسي.. ثم يخرج المطاعم باحثًا عن ضالّته في وجبة شهيّة.. ثم يخرج لأصحابه ممضين لياليهم باللهو واللعب.. أو ترى الفتاة أن أحلام حياتها بين بريق المناكير وعلب المكياج أو صبغات الشعر والقصّات والملابس.. أو أن يعلّق أحدهما ثريّا حياته في السفر والتنزّه؛ فإن زُحزح عن بيته أو مدينته وذرع الأرض فهو من الفائزين! ولكن هل الأمر بهذا السوء ؟ من منّا لا يحب هذه المتع ويحب أن يتفسّح في أرجائها؟ كلنا يحب ذلك.. إلا أنه بالغ السوء حقًا حين تصبح الحياة دائرة عليها فقط، وبالغ السوء حقًا حين يؤدي هذا النوع من الحياة إلى قلب المفاهيم ومحوها؛ فلا يصبح للتفوّق معنى، ويصبح العلم والقراءة محض جدية وثقل، والإنتاج جهدًا وكدًا لا طائل منه، والعمل والإنجاز سفاهةً يشفق على أصحابهما العاطلون! أذكر مرةً في الجامعة كانت تدرس معنا طالبة متميزّة أنشأت من المبادرات والأعمال ما لا تفعله طالبة في عمرها الآن؛ فكنت أمتدحها أمام زميلاتي؛ فقالت إحداهن: "نعم.. ولكنها مسكينة لم تستمتع بحياتها!" قد ذهبَ من قال:

بصرتُ بالراحة الكبرى فلم أرَها

تُنال إلا على جسرٍ من التعبِ!


برأيي أن وجود هذا النمط في مجتمعاتنا يرجع إلى أسباب من أهمها:

تكريس هذه المعاني والصور في الأفلام والمسلسلات، وأن الحياة السعيدة لا تكون إلا بالتنزّه والتسوّق وشاشات السينما وحفلات الرقص والسمر مع الأصدقاء، حتى على مستوى الأمهات والعجائز؛ فتظهر هذه المواد مثلًا صورة الأم التي يكون استمتاعها بالوقت حين تقضيه في زيارات الجارات والصديقات، أو في مشاهدة البرامج التلفزيونية الترفيهية والمسابقات وغيرها فقط.. نعم هناك أفلام ومسلسلات تتحدث عن أشخاص ناجحين لكنها قليلة بالنسبة لغيرها وباعتبارهم استثناءً ومعدودين.. أيضًا سببٌ آخر مهم وهو أُمّ الأسباب حقيقة، ويرتبط مع السبب الأول وغيره بعلاقة عكسية؛ فكلّما زاد هذا نقص ذاك، وكلما زاد ذاك نقص هذا، ألا وهو غياب المرجعية الإسلامية ونصوص ومفاهيم الكتاب والسنة عن سماء الجيل وأُفقهم، ولا شك أن القرآن والسنة تؤسس لمفهوم الحق في الإنسان والكون باعتباره قوةً عميقة راسخة تصدع كل الباطل والخور والسطحية حولها وتشظّيها، وبرهان ذلك النظري مبثوث في نصوص الوحيين، أما برهانه التطبيقي ففي عمل القرون الأولى من الأمة وحضارتها، ثم انحدار هذه الحضارة شيئًا فشيئا وارتباطه بالابتعاد عن هذه المرجعية، رافق هذا الانحدار الديني انحدارًا نفسيًا وسلوكيًا يتمثّل في ضعف الهمة والهشاشة النفسية والميل للدعة والكسل وسفاسف الأمور، أيضًا من الأسباب التي ترجع للتدين وجود صورة نمطية منتشرة للشخص المتديّن الزاهد الذي يحصر تعبّدَه بعبادات ومظاهر معيّنة فقط ولا يوسّعها لدائرة تشمل العلم والبحث والحَرَكية والإنجازات الدَعَوية؛ فإذا تديّن الشاب أو الفتاة ينبغي أن يكون تديّنه بهذه الصورة المتخشّعة التي تعتبر الفاعلية والسعي ضربًا من الأمور الهامشية التي لا يُلتفت لها! أيضًا من الأسباب وجود فهم اجتماعي خاطئ يختزل النفع والعمل والفاعلية في مقاعد الدراسة أو الوظيفة والعمل خارج المنزل، وربّما هناك أسبابٌ أخرى، لكن بنظري هذه أهم الأسباب.

قد يعتبر البعض المراحل الانتقالية التي يمر بها الإنسان كمرحلة "المراهقة" سببًا لهذا الطيش واللامبالاة التي يعيشها الشباب الصغار.. حسنًا؛ سأخبركم أمرًا قد يُدهش بعضكم! في المرحلة المتوسطة ذكرت لنا معلمة الدين أنه لا يوجد شيء اسمه مرحلة "المراهقة" وأن هذا المسمى مخترعٌ غربي يبرّرون به طيش ونزوات أبناء هذه المرحلة؛ فجّرت كلمتها هذه إنكارًا واستغرابًا في عقولنا آنذاك، وعارضناها وجادلناها حميّةً عن طيش عمرنا وجهالته أن يخمد فورانَه أحدٌ ولا يطلق له العنان! ومنذ ذلك الحين وكلمتها محفورة في عقلي أبحث عن تصديق لها أو تكذيب..لتنبثق أمام عيني فيما بعد شواهد متواترة من السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي لفتية قادوا جيوش أو برزوا في علمٍ أو استلموا مهمات ومسؤوليات وهم لا يزالون بعد في مرحلة "المراهقة" وبعضهم دون الثامنة عشرة! كأسامة بن زيد رضي الله عنه حين كلّفه النبي -صلى الله عليه وسلّم - بقيادة جيش وهو دون العشرين! وأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها حين تركت أهلها المشركين وخرجت وحدها مهاجرة من مكة إلى المدينة وهي لا تزال صغيرة بل في السادسة عشرة كما قيل! ومحمد بن القاسم الثقفي حين قاد الجيوش وفتحت على يديه البلدان وهو لا يزال بعد في السابعة عشرة! والإمام الشافعي حين قال له شيخه "آن لك أن تُفتي" وعمره لم يجاوز الخامسة عشرة أو الثامنة عشرة ! وغيرهم وغيرهم.. فلماذا لم يجارِ هؤلاء نزواتهم واحتياجاتهم وخصائصهم العمرية ويفسحوا لطيشهم وغرارتهم العنان! أؤمن أن لهذه المرحلة خصائص متغيرة وميل للّهو وغرائز وشهوات ظاهرة، وأن ذلك مما يُراعى ويُنظر.. وهو كما قالت عائشة رضي الله عنها: "فاقدروا قدر الجارية الحديثة السّن الحريصة على اللهو"، ولكن أؤمن أن هذه المرحلة هي أوان تفجّر القوة والفتوة واتّقاد العقل وسيلان العاطفة والجموح نحو الحياة؛ فهي أولى أن تُحوّر للخير والعلم والصراط المستقيم؛ وما تسقيه اليوم تحصده غدًا، ومن شبّ على شيء شاب عليه؛ ويكفيك أن تعلم أن الإسلام ينظر للشاب أو الفتاة أنهما بمجرد بلوغهما أصبحا مكلّفين عاقلين، عمومًا هذه حلقة رائعة علمية موثّقة للأخ سعد القحطاني تحدثت عن مفهوم "المراهقة" وتطوره وتبدّله عبر السنين : (خرافة المراهقة)

إذن لا أسباب حقيقية ترجع إلى عمرٍ أو دينٍ أو فكرٍ قويم تبرّر أو تشرعن هذه العطالة، إنما هي أهواء وطبائع فاسدة وجاهلية حديثة ابتُلي بها شباب هذا العصر، والحل أن تُنشر دائمًا ثقافة العمل والنفع والانتاجية الخالية من الشوائب والمنظورات الاجتماعية والفكرية الخاطئة، سواء بنصوص من تراثنا الإسلامي، أو من ثقافات ومرجعيات أخرى؛ لأن الغرض أولًا هو الحشد لفكرة العمل في النفس واعتبارها خصيصة إنسانية تستقيم بها حياة المرء والناس.. أحب كثيرًا تأمل ما قاله أحد الصالحين: "يا بني، همّتك فاحفظها لأنها مقدمة الأشياء" وقد أوجز بهذه الكليمات اليسيرات دروسًا عديدة في تطوير الذات وفن الحياة والسعي للأحلام وتحقيق الذات! فمن لا همّة له، لا عمل له ولا إنجاز في صغير الأمور وكبيرها، ولاحظ قوله: "فاحفظها" لأن الهمة تُحفظ بالحركة والسعي، وتفسد بالكسل والعجز! مهما كانت ظروفك؛ أبقِ شعلة الحياة "الهمة" مشتعلة في أعماقك، ولو كان ضوؤها وإحراقها لا يجاوز إبهامك.. قد يأتي يومٌ وتصبح شمسًا ! عن عبيد الله بن زياد قال: كان لي خالٌ يقول لي: "يا عبيد هِمَّ؛ فإن الهمة نصف المروءة"، وأحب مقولة عمر -رضي الله عنه-: "إني أكره الرجل يمشي سبهللًا، لا في أمر الدنيا ولا في أمر الآخرة!"؛ قد تكره ما تفعله الآن لأنه بنظرك ليس من معالي الأمور أو من أمور الآخرة، ولكن حتى الأمور الدنيوية اليومية فعلك لها هو دلالة نفعٍ وحياة فيك، وتستطيع تحويلها لنيّة خير يمتد أجرها إلى الآخرة بإذن الله، المهم أن لا تكون "سبهللًا"؛ تحدثت الأديبة (ميّ زيادة) في مقالة لها رائعة بعنوان (غاية الحياة) عن أوجاع النساء وقتامة أرواحهن المتمثلة في داءِ واحد يسلب ما فيهن من ماء الحياة وبريق الإنسانية، ألا وهو "الفراغ" والفراغ من القيمة بالذات؛ تقول ميّ:


"كثيرات هنَّ التعبات اللاتي وقعن فريسة ذلك الشلل المعنويِّ، مولِّد المجازفة والانحطاط الذي يدعى: السآمةَ، فيجرين هنا وهناك هربًا منه مخاطِرات بما وجب صونه، ناسيات ما عليهنَّ أن يذكرنه، ومنهن من لا تطيق البقاء يومًا واحدًا بلا زيارات واستقبالات وأحاديث جارات وخالات وعمات، كأنها تخاف الاختلاء ومقابلة نفسها وجهًا لوجه فتفقد بذلك أعظم تعزيةٍ وأعظم أمثولة في الحياة، وإن أحسنت القراءة دفنت سآمتها في الروايات دون أن تفقه ما فيها من مغزًى اجتماعيٍّ أو أخلاقيٍّ، مكتفيةً بتتبع الصلة الغرامية والاستسلام إلى ما يُبديه أبطالُ الرواية من انفعالٍ اصطناعيٍّ مضخَّمٍ، جاهلةً أنها بتطلب ذلك التحريض القهريِّ تُطفئ نور ذهنها وتُضعف من نفسها جميعَ القوى حتى قوة الحب الذي ينتقم من مُهينيه ومُزيفيه انتقامًا صارمًا.


وكيف نتناول ذلك الدواء ونتغذى بذلك القوت الإلهي؟ السبيل واحد لا ثاني له، وهو: العمل، العمل الذي ينير العقل، ويفتح القلب، ويملأ الوقت، ويحبو الحياة طعمًا لذيذًا، ويروِّح النفس الواجمة، ويرضي الطباع الساخطة، ويصرف العواطف المتلازبة في منافذ ومخارج حسنة العائدة على المرأة الواحدة وعلى من يلوذ بها. فلتعمل المرأة أيَّ عملٍ ينتظر يدًا تقوم به، وكل عمل تشعر من نفسها بميل جِدِّيٍّ إليه، وسواء كانت مشتغلة لتعيش أو لتلهو، لا فرق بين نوع العمل من علم وفن وخياطة وتطريز وتدبير منزل أو بيع في المخازن، فالأمر الجوهريُّ هو الاجتهاد، ووضع قلبها وفكرها في ما تعمله لتتقنه وتكبر به مهما كان صغيرًا حقيرًا، ولكن لفظة الحقارة لا تصلح لمعنى العمل؛ لأن كلَّ عمل شريف في ذاته، وليس منظِّف الشوارع بين الغبار والأقذار بأقلَّ أهمية من الرجل العظيم في قصره بين التهليل والإكبار، ولا هو أقلُّ نفعًا لأمته وللإنسانية."


عثرت على مقولة مؤخرًا أحب استذكارها كلما شعرتُ بالضياع أو بهتت في عيني نضارة الحياة: "إنّ التشاغلَ بالدفاتر والمحابر  والدفاتر والدراسة؛ أصلُ التعبّد والتزهّد والرئاسة والسياسة"‏ ؛ أؤمن كثيرًا أن العمل والتشاغل بما نفعله ترياق فعّال لكثير من همومنا وأحزاننا، وأن الجلوس بلا فعل شيء هو موتٌ بطيء يزحف على أعضائك واحدًا تلو الآخر زحف الثعبان، وكلما كان العمل جيدًا زاكيًا كلما جاد العقل وزكا الفؤاد وتفتحت في روحك أزاهير الحياة الطيبة! وإلا فما هي الحياة الطيبة؟ في القاموس المحيط: طابَ يَطِيبُ طابَاً وطِيباً وطِيبَةً وتَطْياباً: لَذَّ وَزَكَا، أي أن جواب الحياة الطيبة ببساطة هو : اللذيذة الزاكية، وما معنى اللذيذة الزاكية؟ (اللذة) في معجم لسان العرب هي: نقيض الألم،و(الزكاء): تأتي بعدة معانٍ ، وأصلها في اللغة كما في لسان العرب: الطهارة والنماء والبركة والمدح، أي أن الحياة الطيبة ليست فقط في الأشياء التي نستلذها، أو أن مفهوم اللذة لا يقتصر على الغرائز والمحسوسات كما اعتدنا أن نتصوّر، بل الأشياء التي نستلذها وتزكو بنا، اللذائذ الزاكية، المجردة والمحسوسة، الغائبة والمشهودة! فعلينا أن نبحث عن الحياة الطيبة في هذين الأمرين: اللذة، والزكاء، ولن تجتمع اللذة والزّكاء إلا في عمل صالح في الدنيا والآخرة! 

قد يرى العاطلون أن العمل إتعابٌ للعقل وخدش لنعومة الجسد وإرهاق للروح، وأن المتعة والراحة أن تبتعد عن ذلك، ولم يتفكروا يومًا أن متعتهم وراحتهم هذه ميّتة باردة لا طعم لها ولا لون، وأن طعم المتعة والراحة الحقيقية تُذاق بعد العمل.. بين أوقات الإنجاز.. في توازنات الحياة وإعطاء كل شيء حقه؛ فهكذا لن يُضيّع العمر ولن تُهمل الراحة ولن تُلغى البهجة والمتعة.

السبت، 6 مارس 2021

إن شأنكنّ عظيم!



 لو أن ملكًا أرهب البلدان وأخضع الملوك وأكل جيشُه جيوشَ الأرض مجتمعة وأهلك الحرث والنسل وشَكَت منه الأرض وضاقت السماء، وحتى في خاصّته وأهله هو الفزع المهول والشر المستطير.. يبتعد عنه كل من مرّ بجنبه رعبًا كأنه ملَك الموت، وإذا أمرَ أمرًا طار الجميع لتنفيذه كما تطير الغزلان هربًا من زئير الأسد، وإذا نهض من عرشه انتصبوا جميعًا كانتصاب الأعمدة لا تسمع لهم ركزًا.. هذا إن كانوا يجلسون قبلها! لو أن ملكًا كذلك لَحلَف كل من سمع به أن هذا لا يخضعه شيء إلا المرض المقعد أو الموت.. ولكن لا.. وُجدت ملوكٌ وعتاةٌ مثله وكان من أخضعهم كائنٌ لطيف روّضهم كما تُراض الوحوش؛ كائنٌ ليس له سلاحٌ أو قوة إلا نعومةٌ هي أحَدّ من السِنان، ورنينُ حُليٍّ هو أفتك من صلصلة السيوف، ودَلٌّ هو أقوى من ألف إقناع، وتمايلٌ  هو أخدر في الرأس من سِنةِ الوسنان، وشفتان كالثمرة النضرة في البستان، وصوتٌ وهمسٌ كطعم النغمة الحالمة لدى العاشق الطربان.. إنه المرأة.. المرأة المعشوقة؛ التي بلغت من سحرها وجلالها أن أخضعت الصخر وفجّرت منه الأنهار؛ واسألوا هنري الثامن ما الذي أحدثته في قلبه ومملكته آن بولين، واسألوا كيف عقلَت شهرزاد جنون شهريار وسكّنت شرره، واسألوا عابدًا زاهدًا متحصنًا في صومعته محكمًا إغلاقًا عليه أبوابها وأبواب نفسه.. فارًّا إلى أغلال خشيته وتقواه كيف خرقت تلك الحُجب وأزلّته من ذرى التقوى إلى قاع الرذيلة مليحةٌ في خمارٍ أسود، واسألوا الملوك والسلاطين كيف تسلّلت نساءٌ وجواري إلى مستودعات سرّهم ومعاقل رأيهم التي لا يجرؤ على الولوج فيها أحد.. فصرن شريكات حكمهم ووزيراتهنّ المحجوبات اللاتي يُصدر عن رأيهن ويُسمع كلامهن! والسلطانة هورم والسلطانة كوسيم مثالٌ لا حصر ! 

وربما لا تكون تلك المرأة أجمل النساء وأحسنهن.. قد يكون غيرها أجمل منها، ولكن اجتمع فيها من الأنوثة ما فاض عنها وغمر الرجل الذي عشقها، والأنوثة سرٌّ يختلف كنهه من امرأة لأخرى، ويدرك أمره كلُّ رجلٍ وقع في روعه ومضٌ منه، والجمال بعضٌ من الأنوثة وليس كلّها.. إنها قوة المرأة وجبروتها الذي تعمى عنه أعين الرجال وتدركه قلوبهم حين يمسّها طائفٌ منه! خدَعهم منها رقّة طبعها ولين جلدها فصوّروها ذلك الكائن الضعيف الذي يحتمي بأكتاف الرجل، ولكنها القوية جدًا للحد الذي تخضع فيه أقوى رجل بلا سهم أو سيف :"مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ" ويستعمل كثير من الجهلة عبارته -صلى الله عليه وسلم- : "ناقصات عقل ودين" لتحقير المرأة وإرخاصها، ففضلًا عن أنهم لم يحفظوا من الحديث كله إلا هذه العبارة ولم يطّلعوا على بقية كلامه -صلى الله عليه وسلم- فإن فيها شهادة قوتها لو فقهوا! فانظر مقدار تعجبه -صلى الله عليه وسلم- في قوله :"ما رأيت!" ثم تبيينه ذلك باجتماع النقيضين اللذين هما عُنصرا كلِّ عجَب؛ وهما هنا : النقص والقوة، فحين التقيا غلب النقص القوة! فانظر كيف طارت الرجولة شعاعًا بحضور امرأة! 


وليست قوّة المرأة محصورة باستوفازها قلوب الرجال واقتيادها لهم بجمالها وفتنتها؛ بل تكون أيضًا بحصافتها وحسن رأيها وتدبيرها كما هو الرجل، بل تزيد قوتها بذلك وتصبح لفتنتها وأنوثتها أنيابًا يُخشى منها أو يُستسلمُ لها، ويصبح لرأيها اعتبارًا عند اثنين: المقسط من الرجال، أو المحب المستهام؛ بل يصبح لرأيها سلطانًا عند المحب المستهام أقوى من رأي الرجال مجتمعين! أما غيرهما من الرجال فينكر تلك القوة والحكمة ويصرّ أن يردّها إلى ضعفها وسفهها الذي يتصوره ويراه؛ وكأن المرأة عندهم لا تصبح إنسانًا إلا إذا كانت محبوبة، ففتنتها وتأثيرها هو انعكاس قلوبهم عليها، لا انعكاسها هي عليهم! ولو لم يشهد القرآن لبلقيس لرأوا أنها أخطأت وأصاب من حولها من الرجال! 

والمرأة التي لا تفهم من الأنوثة إلا الضعف الخانع والغَنَج السمج والخواء المائع فهي وإن اصطبغت بألف لون 

وتلمّعت بالأساور والحُليّ لم تكن زينتها إلا أصوات الشهوة ونداءات اللذة؛ ثم ماذا؟ كالحيوان يُمضغ لحمه ويُهضم.


لا.. ليست هذه الكلمات فتنة وتزيينًا.. أو إعلان حرب بين الرجال والنساء؛ بل تذكيرٌ للمرأة أن تميس اعتزًازًا بسحرها وسلطان أنوثتها ويشرّئب عنقها فخرًا وكبرياءً، أن تطيف حول طبيعتها كأنما هي معجزة تُقدّس وتُعظَّم.. كائنٌ يخضع كائنًا آخر يظن أنه الأقوى -ليس من المرأة فقط ولكن ربما من الكائنات كلهم- ألا يحق لها بأن تفخر بإركاعه؟! ولا عيب أن يقال بأن المرأة تؤدي وظيفتها إذ تستميل الرجل لسلطانها.. وهل تُعاب الحاجات والغرائز في لغة الطبيعة ؟ وهل يُسأل لمَ تسعى النمل أو هل تُلام على طيرانها الفراشة؟ ومن الذي يقول للطرف الكحيل اقصُر ولا تنظر؟ وهل تلامُ الحاجة أو يُلقم فمُ الشوق بحجر؟! وهل يُقال للفنّ اعجب بنفسك ودُر حولها، لا تسأل غيرك عنك، يكفيك أنت منك!

سعي المرأة للرجل وسعيه لها تفريغ للطبيعة مهما جحدت الجاحدات أو شمخت المتكبرات! المرأة قوية بأنوثتها، عزيزة بسحرها.. ولكن كل ذلك يتقوّض إن ظنّت أنه لوحدها؛ المرأة نبات مرتفع وارفٌ مستغنٍ بنفسه يُسمّى لوحده: شجرة، وهي بانتمائها لحضن أوسع حولها تتناغم به وتنسجم معه يسمّيان: طبيعة، ولا وجود للشجرة إن لم توجد الطبيعة، ولا تمام للطبيعة إن لم توجد الشجرة.


وليست العلاقة بين المرأة والرجل علاقة مفاضلة تؤدى بالميزان فمن رجح فهو الأفضل وغيره هو المفضول، كيف وهما لا يجتمعان حتى يفترقان ولا يفترقان حتى يجتمعان .. فكيف يُحكم بينهم؟!.. كوكبان تولّدا عن سماء واحدة؛ شمسٌ لا ينبغي لها أن تدرك القمر، أو ليلٌ لا يسبق النهار.. جمعتهما الإنسانية وفرّقتهما خواص وطباع شتى تؤلف كل منها نظامًا مختلفًا عن الآخر.. فمتى يُدرك أن المرأة نظام مختلف قد تنقلب فيه المعاني وتتضاد عن التي عند الرجل! فضعفها كما يسميه الرجال هو في نظامها قوة! ولا أدلّ على ذلك من قوله -صلى الله عليه وسلم "فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ،"؛ فانظر إلى عبارته :"فإن ذهبتَ تُقيمه كسرته" فأنت أيها الرجل لا تستطيع أن تحوّر هذا "الضعف" لـ"قوة" كما تفهمها أنت، دعِ الاعوجاج وشأنه.. فهو قادرٌ رغم انحنائه على إخضاعك! واتركي أيتها الجاحدة ذلك الضعف وشأنه، ولا تحاولي إلباسه ثيابًا تُخفي حدَبه وانحناءه، واقطعي إن شئتِ كل سبيل وتفرّقي في كل واد حتى تبلغي قوة الرجل، ستدركين لاحقًا أن غايتك في مبتدئكِ؛ عند الفطرة التي ضيعتِها! 

اللافت أن هذين المتناحرين من الجنسين تجد أن كلًّا منهما قد أغلق عليه نفسه وقُلبت عيناه إلى الداخل فلا تنظر إلا إليه وطُبّقت يداه على خاصرته كهيئة المستكبر المتحدّي.. فلسان أحواله كلها يقول: "وماذا لي؟ وما لي أنا؟!" .. ولو أنهما فتحا باب نفسيهما وأهرقا من دلوِ قلبيهما صبابة تمتزج بصبابة الآخر لطأطأت الريح ولأوْرق الشوك وصارا لبعضيهما سكنًا ومودة ورحمة؛ ومن وُفِّق في علاقته وذاق طعم الاستقرار الزوجي والعاطفي عرَف حلاوة الآخر وأنه لا غنى عنه، ورأى دعوات التفرّد والتمرّد الفجّة ضلالًا وتحريش شياطين، أما المتطوّح المهتز فتارةً سيلعن الرياح لأنها تحرّكه وتارة سيشتم الطين الواقف عليه لأنه يُزلقه وتارة يسبّ الذباب الذي يحوم عليه لأنه يُشتّته وتارةً سيلعن أهل الأرض وتارة سيناكف الفطرة وتارة سيغاضب السماء و....


تسب الجاهلةُ الرجال وتلعن الأعراف والمجتمع والقانون ثم هي تتبعهم في كل طريق وتطلع لهم في كل ناحية وتطلب المساواة معهم في كل أمر ثم تسمي نفسها خداعًا "نسوية"! استقلالٌ ليس سوى اسم.. وتفرّدٌ هو المجاز لا الحقيقة! فلتتمثل النسوية إذن كنظام متميز لوحده..يتبع صوت أنوثته وفطرته.. وينظر أمامه فقط حيث طريقه ووجهته ولا يتلفّت إلى غيره!: 

"ولَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا"

السبت، 21 نوفمبر 2020

شيء من دقّة النظر عند علماء الأثر

 أن تسمع بالأمر شيء، وأن تنظر إليه وتُقلّبه وتتفحصه شيءٌ آخر! كنتُ أسمع عن إبداع علماء علم الحديث وجهودهم المبهرة في حفظ سنة النبي -صلى الله عليه وسلّم-، ولكن حين درست طرفًا من هذا الأمر في شرح نخبة الفكر لابن حجر للشيخ عمر المقبل حفظه الله صدّقَ القلبُ النظر وتثَبّت اليقين! قومٌ تدرّعوا بالحيطة والحذر في الطرائق وتسّلقوا بها الإسنادَ، ولم يخلعوها حتى في الطرائق الآمنة والأسانيد الساكنة، لأن سنة نبيهم دين.. ووحيٌ يُمسّكه الله المتقين، فهو محفوظٌ في حرزٍ أمين؛ فحتى الكذب على الحيوان أمارة كذبٍ عندهم كما يقول بعض علمائهم، فهذا البخاري يترك الرواية عن أحد الرواة حين رآه مرةً يشير إلى حماره بالعلف ليقبل إليه فيركبه، فلما أقبل عنده لم يعطه العلف وركبه ومضى، فارتاب البخاري أنه إن لم يترك الكذب على الحمار فربما كذب على رسول الله! ويحرصون على سلامة النقل واجتماع أسباب الضبط ما أمكن؛ فعندهم أنه كلما قلّ عدد الرواة في إسناد كلما نقصت فرص الخطأ والغلط فيه، فيرجّحونه، والعكس صحيح؛ لأن الخبر كلما تناقله عدد أكبر من الناس كلما علِقتْ به من الزيادات والأوهام ما غيّر صيغته الأولى.. فكذلك حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي صيغ الأداء عندهم تُقدّم الرواية التي تبدأ بـ (سمعت، وحدّثني) على الرواية التي تبدأ بـ (أخبرني) أو العرض؛ لأن العرض قد ينعس الشيخ فيه أثناء قراءة تلميذه عليه من كتابه -كتاب الشيخ- فينسى الشيخ أو يذهل عن تصحيح خطأه إن وَرَد! أما السماع والتحديث فيتكلم الشيخ من حفظه مباشرة فيكون واعيًا لما يتفوه به. أما علم الجرح والتعديل فالعجب العُجاب والسحر العُباب! آية ما رأت مثلها العقول ولا طَرقَتها المناهج ولا حظيت بمثلها نُقُول الأمم وأخبارهم.. يضعون حياة الرواة وأخبارهم تحت مجهر المراقبة بشكلٍ لا يدع شكًّا لشاكّ بأن هذه المراقبة ما هي إلا إلهام الله وتوفيقه لهم ليحفظ سنة نبيه؛ فكتبوا مثلًا عن راوٍ أنه لقيَ الشيخ في جامع البصرة ولم يسمع منه مباشرة! أو أنه رآه ولم يسمع منه! وبذلك تقل فرص صحة روايته، وقَنَصوا عن الحسن البصري قوله:" حدّثنا ابن عبّاس" واستغربوه، لأن ابن عباس حين دخل البصرة لم يكن الحسن دخلها بعد، رغم أنهما متعاصران!، وأوَّلوا قول الحسن بأنه كقولك إذا زار مدينتك أميرٌ فلَقيَته جماعةٌ معينة من أهل مدينتك.. فأنت حين تحدّث الناس ستقول "زارنا الأمير" رغم أنه لم يزُرك في بيتك ولم تقابله، فانظر كيف تتبّع أهلُ الحديث أخبارَ الرواة وأسفارهم بل وحتى الأماكن والمساجد التي يذهبون إليها احتياطًا للسُنة، ومن دقائق تتبّعهم أنهم يعرفون أسماء إخوة وأخوات الراوي حتى يُعرف مَن المقصود بالضبط ومن أي أسرة هو بين الناس ولا يحصل اشتباه، فيعرفون حاله وضبطه وتقواه؛ كعبدالله وأخوه عبيد الله، ويُعرّفون الرواة بكُناهم وأسمائهم معًا حتى لا يحصل خلط بينهم وبين رواة آخرين إذا تشابهت أسماؤهم أو لغيرها من الأسباب، ويوجد في تفريقاتهم تفريق عنوانه (من اتفق اسمه مع اسم أبيه وجدّه) مثل : الحسن ابن الحسن ابن الحسن، حتى لا يتوهم متوهم أن هناك خطأ في الإسناد فيحكم عليه بضعفٍ، وكذلك أنهم  يعرفون درجات حفظ الراوي الواحد؛ فيسجّلون عنه مثلًا أن حفظه من صدره أضبط من كتابه، وكذلك دقّة تقسيمهم لدرجات الطعن في الرواة بالنسبة لضبطهم وحفظهم.. مما لو قرأها جاهل لاختلطت عليه درجةٌ بأخرى ولَمَا أدرك بنظره القاصر أن بينهما برزخٌ لا يبغيان؛ فما الفرق مثلًا بين فاحش الغلط وسيء الحفظ؟ أو بين المغفّل والواهم؟ علماء الحديث يضعون الفروق الدقيقة لهؤلاء فلا تعدو مرويات كل منهم قَدْرها؛ فالفاحش الغلط هو كثير الغلط، والسيء الحفظ هو كثير الغلط لكنه لا يصل لدرجة الفحش، والمغفل هو الذي لا يميز بين الأحاديث، والواهم هو الذي كان غلطه على سبيل التوهّم، ولكل منهم تعامل خاص في قبول مروياته أو ردّها.

هذا غيضٌ من غيضٌ من فيض وقليل من قليلٍ من كثير، ولولا أن يطول بي المقام أو يغمُض حديثي على الأفهام لبسطتُ المقال ولفصّلت في الكلام، ولكنه غورٌ بعيد لم أقف إلا على شَفَته ولم يُصبني إلا رذاذٌ من مائه، فما أنا إلا محظوظةٌ قد أُلقَيَت إليها شَذرةٌ من هذا العلم المُذهّب فراحت تُقلّبها بين الناس فَرِحةً ببريقها.. ورغم أنها شذرةٌ إلا أني شرقتٌ ببريقها .. فكيف لو حُزتُ المنجم كلّه؟ فيا عجبي ممن يطعن في البخاري أو غيره من رجال الحديث! هل قرأ من علم المصطلح أو الجرح والتعديل شيئًا؟ أم أنه قرأ وعاند وقال كما قال الأولون: سُكّرت أبصارنا بل نحن قومٌ مسحورون؟! عجبي.. يقبلون آثارا ومرويات عن فلاسفة وعلماء مرّ على وفاتهم مئات أو آلاف الأعوام، ولا يقبلون من العدول الثقات علماء الإسلام!!

أُتي بزنديق لهارون الرشيد كان يضع الأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فلما قدّمه الرشيد للمحاكمة ولساحة العدالة ليصلب وتضرب عنقه، قال: لا يهُم هذا لقد وضعت فيكم أحاديث تحلل الحرام وتحرم الحلال، فقال له الرشيد: يا زنديق تعيش لها الجهابذة تنخلها نخلاً: عبد الله بن المبارك وأمثاله. وإذا كان بين هؤلاء المشككين وبين ديننا وثقافتنا حجابًا وكان هواهم ومزاجهم غربيًا فليقرؤوا ما قاله المستشرقون ورجال الغرب المنصفون عن علم الجرح والتعديل؛ فهذا المستشرق البريطاني ديفيد صمويل مرجليوث يقول: "ليفخر المسلمون بعلم حديثهم"، والمستشرق الألماني أشبره نكر يقول: "إن الدنيا لم تر ولن تر أمة مثل المسلمين؛ لقد درسوا بسبب علم الرجل الذي أوجدوه -بحسب زعمه- حياة نصف مليون رجل! " وهذا المؤرخ اللبناني المسيحي أسد جبرائيل رستم يقول: "مما يذكر مع فريد الإعجاب المنهج الذي اهتدى إليه علماء الحديث منذ مئات السنين في نقل الأخبار"، ثم قال: "وإليك بعض ما نقلوه في كتبهم نورده بحذافيره اعترافًا بتدقيقهم العلمي وتنويهًا بفضلهم على التاريخ!" وغيرهم من المنصفين. (المصدر: الشيخ سعيد الكملي/ انقر هنا

لقد أقرّ ببراعة علم الحديث عندنا وبراعة منهجه ذوو العقول والأحلام من المشرق والمغرب.. فما بال بني جلدتنا لا يكادون يفقهون حديثًا؟! ولكن شأنهم كما قال الشاعر:

هل صحّ قولٌ من الحاكي فنقبله

أم كل ذاك أباطيلٌ وأسمارُ؟!

أما العقول فآلت أنه كذبٌ 

والعقلُ غرسٌ له بالصدق إثمارُ !

الأربعاء، 26 فبراير 2020

كتاب (المشوق إلى القراءة وطلب العلم - علي العمران) .. نظرات نقدية

كتاب غزيرُ العلم عظيم النفع والفائدة، حريّ بمن قرأه أن يكون بعده خيرًا مما قبله؛ بأخذ الكتاب بقوة، واستنهاز الدقائق والثواني، والقبض على الفائدة واللفتة وإيداعها الورق وضمّها في الذاكرة، وغير ذلك من المنافع.. جزى الله مؤلفه خير الجزاء على عمله ومجهوده.
لكن لا أدري.. أراني اليوم وفي نفسي حرج من دعوات التشديد في القراءة واعتسافها الزائد عن الحد! نعم لا ينكر عاقل أهمية القراءة وأنها قِوام الإنسانية والمجتمعات؛ لكن أن تُصوّر الكتب كحصنٍ قوي الحجارة سامق الجدران مُتعدد الأسوار مرتكزٍ على قمة جبل لا يحفظ الإنسان ويحميه إلا بقدر ما يُبعده ويعزله فهذا مما يخرج القراءة عن معناها ومقصودها الحقيقي والجوهري الذي يراد به التأثر والتفاعل مع الكون وما يحويه من حقائق وأسرار، وتأثير ذلك على الإنسان وعلى ما حوله، ومشاركته ذلك الأثر.. لا الانكماش والتقوقع؛ إن لم يفصح الكتاب عن هذا، فهذا على الأقل ما يشي به، إلا قليلًا منه! فمعلوم أن العلم في الإسلام لا نفع به إن لم يصحبه العمل، حتى عائشة -رضي الله عنها - حين وصفت خُلق النبي -صلى الله عليه وسلم - وقالت: "كان خلقه القرآن" فإنها وصفته بشيء علمي أو نظري رَكِبه العمل والتطبيق، إذ لا فائدة من علمك بالقرآن إن لم تعمل بما فيه، فوددتُ أن لو فصّل الشيخ علي العمران عن عمل هؤلاء العلماء بعلمهم وتقواهم وخشيتهم لله عز وجل، وعن أحوالهم في أهليهم ومع طلابهم وأصحابهم وخُلقهم وتعاملهم معهم، فكلنا يعرف مقولة أمّ الإمام مالك له حين كانت ترسله صغيرًا إلى شيخه فتقول: "اذهب إلى ربيعة فتعلّم من أدبه قبل علمه"، فالحديث مثلًا عن أمثال الحافظ البلقاسي -رحمه الله- الذي كان لا يُرى إلا مشتغلًا بالعلم أو التعليم ليله ونهاره حتى أنه كان يقرئ الطلاب وهو يأكل استغلالًا للدقائق والثواني، أو عن ابن عقيل الحنبلي الذي كان يأكل سفّ الكعك مع الماء بدلًا من الخبز لكي يكون أسرع في المضغ والبلع استنهازًا لوقته في العلم؛ لم لا يقابله مثلًا الحديث عن ثنايا يوم ابن تيمية وتنويعه في وقته وحياته ما بين عبادة واستغراق وتأمل في الكون وتصدق على الفقراء وجهادٍ للطغاة بالكلام وجهاد للعدو بالحُسام.. وغير ذلك! أنا لا أتهم البلقاسي ولا ابن عقيل ولا غيرهما في اقتصار يومهم دِقّه وجلّه على العلم المجرد فقط.. معاذ الله، فمثلهم لا يُتهم في دينه، فلا ريب أنهم يعملون بالعلم، أو أنهم ابتغوا بهذا العلم الذي صرفوا عليه ليلهم ونهارهم ونومهم وراحتهم وطعامهم وشرابهم أن يكون من أرجى أعمالهم التي تدخلهم الجنة بعد رحمة الله.. أحسبهم والله حسيبهم، ولكني أنقد الاحتفاء بفعلهم وذكره على سبيل التعظيم وكأنه مقياس العلم وحده، ومثل هذا المقياس ينطبق على سائر ما ورد في الكتاب من أمثلة؛ مما هو خارج عن قدرة الشخص العادي ومما يتفاوت فيه الناس! فحتى ابن الجهم الذي ذكره المؤلف بأنه كان يطرد النوم بالقراءة والنظر في الكتب واحتفى بصنيعه؛ ذكر في موضع آخر أن الحسن اللؤلؤي يقول عن نفسه أنه كان لا ينام إلا والكتاب على صدره، أي أن النوم كان يدهمه أثناء القراءة! هذا غير أن بعضهم ممن ذُكروا في الكتاب كان يتفاخر بأنه لا ينام الليل إمعانًا في المطالعة والعلم.. كيف ورسول الله- صلى الله عليه وسلم - كان ينهى عن ذلك أولئك النفر الذي افتخر أحدهم بتركه النوم للصلاة والعبادة وقال له:"وأصلي وأنام"؟! وهذا في أمر الصلاة التي هي من أجلّ الطاعات، فكذلك طلب العلم وغيره!، ثم يذكر المؤلف أن تقي الدين ابن دقيق العيد حين وصل إليه كتاب (الشرح الكبير) اشتغل بمطالعته حتى اقتصر على الفرائض من الصلوات وترك النوافل، وصحيحٌ أن تقديم العلم على الرواتب يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، لكن كان من الأجدر أن ينبّه المؤلف على هذه المسألة والتفصيل فيها؛ لكي لا يتخذها البعض مساغًا فيترك النافلة متى شاء بحجة طلب العلم!
ثم إن ذكر خبر ثعلب النحوي أو خبر محمد بن أحمد البغدادي اللذان كان لا يمشيان إلا وفي يديهما كتابٍ ينظران فيه حتى أن ثعلب صدمته فرس وهو يقرأ فألقته في هوة، فمات في اليوم الثاني بسببها، والبغدادي ربما سقط في جرف أو خبطته دابّة بسبب القراءة؛ لم لا يقابله التنبيه على فعليهما وضرره : ﴿أَفَمَن يَمشي مُكِبًّا عَلى وَجهِهِ أَهدى أَمَّن يَمشي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُستَقيمٍ﴾، ﴿ وَلا تُلقوا بِأَيديكُم إِلَى التَّهلُكَةِ﴾ ؟!

إن ذكر نماذج تكاد تكون غير واقعية (إمكانًا لا حدوثًا) ثم الاقتصار والتركيز عليها لا يزيد الأمر إلا إغرابًا أو إنكارًا أو تعجيزًا، وفي كل الحالات لا يزيده إلا بعدًا! فالنفس التي تروم بلوغ قمة الجبل بوثبة واحدة وهي في أخمص السفح لن تستطيع، ربما ستحاول المرة بعد المرة، حتى إذا استبانت العجز كرهت القمة وصورتها وفكرتها، أو قنعت منها بالنظر من بعيد بإعجاب وتسبيح وتمجيد لخالقها الذي رفعها وأعلاها فوق كل البشر ! هذه هي النفس الإنسانية بصورتها الطبيعية البسيطة، ولكل قاعدة شواذ بعد ذلك! 
كم وددتُ حقًا لو فصّل الشيخ علي العمران بعد ذكر هذه النماذج في شأن الأولويات في حياة المرء وأن هناك أمور تقدّم على أخرى سواءً بالمُطلق أو في زمانٍ ومكان معينَين، كم وددت لو فصّل كذلك في شأن قدرات الناس وتفاوتها حتى في طلب العلم والصبر عليه، فمن تميّز في شيء تواضع في آخر، كمن يتميز في نسخ الكتب حتى يتكسر القلم في يده، ويتواضع في قراءتها والدأب على دراستها المِرار الكثيرة..وغير ذلك، بل حتى تفاوت القدرات واختلاف الأمزجة في الشخص الواحد من حين لآخر؛ فهذا الإمام ابن حجر العسقلاني وهو حافظ عصره، كان يظهر التأسف في تقييد ما يسمعه من الفوائد، وغيره كثير. ولا يعني تفاوت القدرات أنه ينبغي لطالب العلم ما لا ينبغي لغيره؛ سواء بلغ فيه درجة متقدمة أم لا، إذ أن العلم كما قلنا لا يؤخذ بمراغمة النفس وحملها الشديد على ما تكره، أو ما يصلح لغيرها ولا يصلح لها، أو ما هو سابقٌ لأوانه، فحتى العلّامة جمال الدين القاسمي الذي أورد المؤلف من كتابه "الفضل المبين" خبر قراءته للمطولات مثل صحيح مسلم، وسنن ابن ماجه، والموطأ، وتقريب التهذيب؛ يذكر في كتابه الآخر "قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث" أنه قرأ هذه المطولات إثر بعضها في شهور متجاورة تقريبا، ولكنه يحذر من ذلك ويقول :"فأجهدت نفسي وبصري، حتى رمِدتُ بإثر ذلك، شفاني الله بفضله، وأشفقتُ من العودِ إلى مثل ذلك، وتبين لي أن الخيرة في الاعتدال، نعم لا ينكر أن بعض النفوس لا تتأثر بمثل ذلك لقوة حواسها، وللإنسان بصيرة على نفسه، وهو أدرى بها".

إن العلم بحر عظيم واسع لا وجهة تؤديه ولا طريق يُقسّمه، فأبحر فيه أنى شئت عالمًا، أو عاملًا، أو عالمًا عاملًا، أو حافظًا، أو فاهمًا، أو متفكرا، أو متسائلا، أو ناسخًا، أو مؤلفًا ومصنفًا.. كن ما ينفعك وتُجز به عند الله ويقربك منه ولا يسخطه منك، وهذه ليست دعوةً للتهاون بالعلم والتلكؤ فيه، وإن أمةً كان أول دينها :"اقرأ" لحقيقٌ بها أن تصِل الأول بالآخر وتكون هذه الكلمة نبراس الزمان الذي لا ينطفئ مهما أظلمت الأيام؛  بل أن يكون المرء فيه وسطًا بين الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء، وأن يُحدّث الناس فيه بما يطيقون.. فما تطيقه طبقةٌ لا تقدر عليه غيرُها، وما يطيقه أهل قرنٍ لا يُطيقه غيرهم؛ كما قال الحافظ الذهبي معلّقًا على خبر قراءة الخطيب البغدادي لصحيح البخاري في ثلاثة مجالس: "وهذا شيء لا أعلم أحدًا في زماننا يستطيعه!".. هكذا ببساطة.. فلكل وقتٍ ولكل حالٍ ظروفٌ ورجال! وإني مما أنقد الشيخ علي العمران عليه في كتابه أنه يذمُّ الذين يقرؤون الكتب بالحاسب الآلي ويظهر لهم الكتاب بـ(كبسة زر) ويقول عنهم أنهم إن ظنوا أنهم سيلحقون العلماء وينضمّون إلى ركبهم بهذا الفعل السهل فقد خابوا وخسروا! .. سبحان الله! غفر الله لك شيخنا الفاضل! وهل يجب أن يتعنّى الناس في طلب العلم ويضربون له أكباد الإبل مسيرة الشهر أو الشهرين كما في السابق حتى يكونوا علماء عن حقٍ وصدق؟! لماذا يجب أن نقفوا خطى الأوائل حذو القذة بالقذة ونجعل ذلك مقياس العلم وحده؟! أوَليس من رحمة الله ولطفه بهذه الأمة أن يسّر لها أسباب الأخذ بالعلم كما لطف بها وبالبشرية غيرها حين يسّر لها هذه المخترعات والآلات والأجهزة التي سهّلت حياتها وحسّنتها؟ وليست القضية أن نلوم من يقرأ من حاسبٍ أو (آيباد) بل اللوم على من تتوفر له هذه التسهيلات ثم يتقاعس في الطلب ويشتري به ثمنًا قليلا!

مرةً  أخرى: حدّثوا الناس بما يعقلون، بما يقربهم..لا يُبعدهم، بما يُعينهم.. لا يُعجزهم، بما يُرغّبهم.. لا يُحرجهم، حدّثوهم عن قرائن العلم من تقوى وورع وآداب وسلوك، حدثوهم عن أحوال العلماء وأنهم ونحن ومن قبلنا الأنبياء والرسل بشرٌ نأكل الطعام ونمشي في الأسواق، ونعمل ونتزوج وننام، ونملّ ونضجر، وننشط وننبعث؛ وأذكر هنا أمرًا طريفًا أنني قرأت في أحد المواقع الإسلامية المعروفة سؤالًا أرسله أحدهم يسأل فيه إن كان السلف يعملون في مهنة أو حرفة أم كانوا فقط متفرغين للعلم؟ ويشكو فيه السائل أنه حين يقرأ في سير الصحابة وأنهم مع ورعهم وتقواهم كانت لديهم أعمال ومهن يزاولونها فإنه يشعر بالسعادة وحب العمل الصالح ونشاط الحياة وانبعاثها، بينما حين يقرأ في سير السلف فإنه يشعر بالحزن والفتور لما يصوّر له من أنهم فقط كانوا مشتغلين بالعلم والحفظ ومعزولين عن الحياة! فأجابه الشيخ بأن الأمر ليس كذلك، بل إن أكثر السلف كانوا يعملون بالتجارة والحدادة والزراعة وغيرها، بل بعضهم اشتهر بمهنته ونُسب إليها؛ كالآجرّي والبحراني والحداد وغيرهم.. وهكذا ينبغي أن يكون! العلم لا يعني نبذ الحياة، بل هو جزءٌ أصيل منها يخالُطها حتى العظم، متفاعلٌ معها تسير به ويسير بها، فمعلومٌ أن أوّل العلم وابتداءه كان سؤالًا ولّدته ملاحظة الأشياء من حولنا والتيقظ لدقائقها وأسرارها، ثم التأمل فيها واستقراؤها.

وختامًا: لا يشكك أحد في أهمية هذا الكتاب وجهد مؤلفه الفاضل وأثر مضمونه خاصة في شحذ الهمم والمسارعة للعلم وتوقيره وإجلاله، ولا يشكك أحد في أن "اقرأ" هي الأولى وهي الآخرة، ولكن أستطيع أن أقول أن نقدي ليس للكتاب والمؤلف بقدر ما هو نقدٌ للفكرة، إذ أنها رائجة ومنثورة في كثير من الكتب!  هذا وإن صوابي من الله، وخطأي من نفسي والشيطان.

السبت، 1 سبتمبر 2018

المسلسلات التركية و"تتريك الإسلام"

 
في السنوات الأربع الأخيرة غزَت الساحة الفنية التركية مسلسلات من نوع مختلف تمامًا عن الصورة النمطية للمسلسلات التركية المشهور ترويجها للمجون والقيم المنحلة عن الدين والعادات والتقاليد.. ابتدأ هذا الغزو بالمسلسل الشهير "قيامة أرطغرل" ثم تبعته مسلسلات أخرى ذاع انتشارها كـ"عاصمة السلطان عبدالحميد" و "كوت العمارة" وغيرها وغيرها؛ ما يميز هذه المسلسلات هو طابعها المحافظ المختلف عن الخط السائد في الساحة الفنية التركية، فلا عُري.. ولا لقطات مُخلّة .. ولا ترويج لقيم وسلوكيات هدّامة للأسرة والمجتمع، بل ترويج لقيم وآداب وأفكار إسلامية أصيلة كاد المجتمع التركي المنغمس في العلمانية أن ينساها ! ليس على المستوى الاجتماعي فحسب.. بل على المستوى السياسي والتاريخي؛ وليس بمجرد إلماحات أو إشارات، بل حوارات وعبارات تُقال هكذا صراحة بلا مواربة أو مجاملة ويكاد يقوم أساس المسلسل عليها، فمثلًا في مسلسل قيامة أرطغرل لا يتم الحديث عن الأعداء البيزنطيين أو المغول إلا أنهم "كفار" فتجدهم يقولون : "سنذهب لقتال الكفرة" أو "نشتاق لجهاد الكفرة!" وغيرها، وفي مسلسل السلطان عبدالحميد مثلًا يتم الحديث عن الدولة العثمانية باعتبارها دولة مجيدة عظيمة حمت الإسلام والمسلمين، وفي مشاهد عديدة كثيرًا ما كان السلطان عبدالحميد يحذر من ضياع الدولة العثمانية وأن بضياعها لن يبقى هناك مجد أو رفعة للشعوب التي تحكمها، وغير ذلك من الأفكار الجريئة التي لو قيلت قبل سنوات لربما سُجن أصحابها أو أُعدموا! فمن يعرف شراسة النظام العلماني والقومي الذي جاء به أتاتورك بعد إنهاء الخلافة العثمانية وتنكيله بكل ما هو إسلامي سيدرك مصداق قولي.
هذا التناول الفني الجريء لهذه القضايا يعطي تصورًا عن التغير السياسي الاجتماعي الذي شهدته تركيا في السنوات الأخيرة بعد وصول حزب العدالة والتنمية لسدة الحكم والتأثير.. لا أقول أن هذا التغير الفني انعكاسٌ للتغير السياسي؛ بل هو امتدادٌ له وأداة من أدواته، فالذي يقوم بتمويل بعض هذه المسلسلات ودعمها هو حزب العدالة والتنمية، ولا شك أن الحزب بهذا الدعم يهدف من خلال قوة المسلسلات الناعمة للتأثير على المزاج الشعبي العام، والمسلسلات في تركيا بطبيعة الحال تحظى بمشاهدات شعبية واسعة، فيكون هذا التأثير جزءً من استراتيجية تغيير شاملة يسعى الحزب لتطبيقها خلال فترة حكمه.

اللافت في هذا الطرح الإسلامي المحافظ لهذه المسلسلات هو ما سماه البعض بـ"تتريك الإسلام"، وهم يقصدون المزج ما بين الانتماء الإسلامي والقومية التركية، والمزج ما بين الانتماء العرقي والديني لا بأس به وهو  في الحالة التركية محمود ومندوب بسبب القومية التركية المرتفعة جدًا بين الأتراك والتي أيّدها وضاعف من قوتها علمانية أتاتورك الشرسة التي أقصَت باقي الانتماءات الأخرى كالدين والطائفة وغيرها، فبالتالي سيكون الترويج لفكرة الانتماء الديني الفعال هكذا بلا مقدمات صادمًا لعقيدة قومية علمانية تربى عليها الشعب، فكان مناسبًا أن يتم التأليف والمزج بين هذين الانتمائين بشكل يجذب قلوب الناس للثاني ولا يلغي وجود الأول، لكن هذا المزج بين القومية والدين في هذه المسلسلات رأيناه يأخذ طابعًا مغاليًا بعض الشيء إلى حد تجاهل دور الأعراق الأخرى وكأنها ليست موجودة، وإلى حد تسميته بـ"تتريك الإسلام" وليس "أسلمة التتريك" مثلًا! فمثلًا في سياق الحديث عن نصرة الإسلام تجدهم يتحدثون عن فضل الأتراك وعظمة الأتراك وكأنهم هم الوحيدون الذين سينقذون الأمة الإسلامية من مصائبها، وأذكر في قيامة أرطغرل مثلًا لم يأتِ أي ذكر للخلافة العباسية برغم أن أرطغرل عاش في تلك الفترة، وأيضًا حين وُلد عثمان بن أرطغرل لم يأتِ أي ذكر لها برغم أن ولادة عثمان كانت في عام ٦٥٦ هـ وهو العام الذي سقطت فيه الخلافة العباسية بيد المغول، فكان يمكن أن يُستغل هذا التوافق في الولادة والسقوط في الترويج الإيحائي لعجائب القدر وآياته؛ حيث أن أفول نجم خلافة قابله بزوغ نجم مؤسس الخلافة القادمة فكان يمكن أن تُحسب هذه الحادثة لهم
قد يفسر البعض هذا التجاهل في قيامة أرطغرل بأن المسلسل موجّه للجمهور التركي في المقام الأول، وأن أرطغرل وُجد قبل قيام الدولة العثمانية وأنه ليس إلا زعيم قبيلة تركية مهاجرة تعيش في سياقها القبلي والعشائري فمن الطبيعي أن يكون شكل الانتماء عرقيًا في المسلسل.. ونحن نقول بأن هذا الافتخار والتعصب القومي في هذه المسلسلات لم يقف على حدود قبيلة تركية تعيش في نطاقها الضيق؛ بل امتد إلى مساحات الدولة العثمانية التي ضمت تحت لوائها مختلف الأعراق والشعوب الإسلامية، وفي عهد من ؟ في عهد السلطان عبدالحميد الذي رفض القومية وسخر من أصحابها ودُعاتها وكان صاحب فكرة الجامعة الإسلامية ومنشئ سكة حديد الحجاز! أجل لقد عُرضت مشاهد عديدة في مسلسل السلطان عبدالحميد تُظهره فيها وهو يفتخر بالأتراك وبطولتهم بأسلوب لا يتناسب مع كونه خليفة للمسلمين أجمعين والمنافح لوحدتهم والنابذ لداء القومية الذي فرّقهم.. صحيح أن المسلسل تطرق لقضايا المسلمين والخلافة وتطرق لمسألة الفتنة التي زرعها الإنجليز بين العثمانيين والعرب ووصف العرب بـ"العرق النجيب" وكانت أغلب خطاباته أممية إسلامية، إلا أنك تلمحُ رغم ذلك إصرار الكاتب على إبراز روح القومية التركية على لسان من لم يكن يؤمن بها يومًا وسعى لإبطالها!
ونأتي لمسلسل آخر وهو كوت العمارة؛ الواقع أني سررتُ جدًا بفكرة إنتاج مسلسل يحكي عن معركة سجّل فيها العرب والأتراك انتصارهما معًا على العدو الإنجليزي، وأحببتُ جدًا المشاهد التي تعرضهما متوافقين متآلفين تجمعهما دولةٌ واحدة ومصير مشترك في فترة كانت دعوات القومية تتصاعد من الجانبين العربي والتركي، ولكن لا يخلو المسلسل من أمورٍ نغّصت هذا الاحتفاء تعوّدناها من باقي المسلسلات.. فالمسلسل يحكي عن انتصار الدولة العثمانية على القوات الإنجليزية في معركة كوت العمارة عام ١٩١٦ م؛ فلماذا يتم الحديث في بعض المشاهد عن الأتراك وقوة الأتراك؟! وفي أحد المشاهد مثلًا يقول القائد "شفيق" عند الاستعداد للحرب : "أروهم غدًا من يكون الجندي التركي وأنه لا يُهزم -أو كما قال-!" فلماذا؟! الجيش العثماني كان يضم جنودًا من الترك والعرب والأكراد وغيرهم فلمَ يتفاخرون بعنصر واحد من هذا الجيش وفي معركة وقعت في أرض العرب وبمساعدة العرب والعشائر العربية وغيرهم من أعراق الجيش العثماني؟!! وأمرٌ آخر حين قال "السيد عمر" والذي يمثّل العرب الموالين للعثمانيين في المسلسل في أحد المشاهد: "حين كنت صغيرًا كنت أسمع عن قوة الجندي التركي فأحلم أن أكون مثله -أو كما قال-" فهل اندثرت الأمجاد والمآثر والقصص العربية عن الأبطال العرب والمسلمين حتى يتمنى عربي أن يكون مثل جندي تركي عادي أتى في القرون المتأخرة؟! هذه ليست عصبية، وليس استنقاصًا للآخر وتفاخرًا أحمق بالذات، فنحن نقدر ونبجّل أي بطل مسلم قدّم للإسلام والمسلمين ولو كان عبدًا حبشيًا كأن رأسه زبيبة.. لكن حدّث الناس بما يعقلون؛ فلو كان هذا الكلام صادرًا من شخص ينتمي لأمة خاملة لعذرناه، ولكن أن يصدر من عربي يزخر تاريخ أمته بالصناديد الشِداد فلا والله لا نقبل! كتّاب المسلسل يريدون ربط المشاهد التركي بأمجاده وتاريخه، ولكن يجب أن يكون هذا الربط صحيًا وليس على حساب الآخرين! أنت بحاجة إلى كسر حدة القومية المنافسة للدين عند المشاهد التركي..ولن يتحقق هذا الكسر إلا بتعزيز الانتماء الإسلامي وبتقوية أواصر الارتباط بالشعوب الإسلامية والتعريف بها، فكيف إذا كان شعبًا كالعرب حدثت بينه وبين الأتراك بعض المشاحنات.. أليس من الأفضل إذن أن يتم التعريف بهذا الشعب ومن يكون وما هي فضائله على الإسلام والمسلمين وأنه ذو تاريخٍ عظيم، وأنه قدّم مع الأتراك وغيرهم جنبًا إلى جنب خدمات مشرّفة للعالم الإسلامي ؟ أليس إبراز محاسن الآخر خير وسيلة للتقارب معه بدلًا من إصماتها لتكون أنت البارز الوحيد ؟ اعتزازك الشديد بنفسك لا يعطيك الحق بإظهار الآخر بمظهر الصغير والخامل، أنت هنا تنفّر الآخرين منك، ولا تجذب سوى أشباهك! كانت هذه العبارة بالذات هي أكثر مااستفزني بالمسلسل، صحيحٌ أن مثل هذه المشاهد قليلة، لكنها رغم قلتها مزعجة، وصوت القومية منفرٌ ومؤذي! وصحيحٌ أن هذه المسلسلات موجهة للجمهور التركي في المقام الأول وربما الأخير.. لكني هنا أناقش المبدأ؛ وهو مبدأ القومية الغالي والمجحف للآخرين أحيانًا

ورغم ذلك، لا تزال هذه المنغّصات مغمورةٌ في بحر حسنات هذه المسلسلات، فقد استمتعت جدًا جدًا بمشاهدتها واحتلّت جزءً عميقًا من قلبي وروحي.. وهالَني جدًا هذا المستوى الفظيع في التمثيل والإنتاج والإخراج والقصة والسيناريو، ولم أكن أتصور أن المسلسلات والإخراج في تركيا وصل إلى هذا المستوى الذي جعله ينافس المسلسلات الغربية والعالمية.. وما المقارنات التي انتشرت مؤخرًا بين مسلسل "قيامة أرطغرل" ومسلسل "قيم أوف ثرونزإلا خير دليل على هذا! ويكفيني من هذه المسلسلات أني أشاهدها بنفس مرتاحة بلا خوف من مشهد ساقط أو حركة مُخلّة..يكفيني منها القيم والمبادئ الإنسانية والإسلامية التي تُغذيني بها..يكفيني أنها فتحت لي أبواب الاطلاع والبحث حول التاريخ العثماني والتركي، يكفيني منها أشياء كثيرة، ولكن.. ليس في الإمكان الإغضاء عمّا كان!