رمضان 1442 هـ:
الجمعة، 1 أبريل 2022
رمضان .. شهري الأثير
السبت، 10 أبريل 2021
بين مدينتين
مرّ عامٌ ونصف تقريبا على زواجي وانتقالي للعيش من "الخرج" المدينة التي ولدت وعشت فيها ومنها أهلي إلى "الرياض" عاصمة البلاد ومدينتها الكبرى التي لا تنام، وأنا لا أقيس الوطن بالبلاد التي ننتمي إليها أو الجنسية التي عُلّقناها أو المدن والقرى التي وُلدنا فيها أو غيرها من أشياء اكتسبناها ولم نخترها.. نعم كل تلك فيها معنًى من الوطن ..ولكن الوطن الحقيقي برأيي هو ما حوته حدود صدرك وجرت فيه عروق دمك وبُسطت له أرض قلبك وهبّت عليه أرواحٌ من روحك.. الوطن هو الشعور الذي يسعك والحب الذي يدفئك والسكينة التي تمدّك وتمتدّ بها ولو كان مداها وأقصاها الحي الذي تعيش فيه أو حتى جدران بيتك أو غرفتك، الوطن هو صوت أبيك وابتسامة أمك ومناكفة إخوتك واجتماع قرابتك وضحكات أصدقائك وشمسٌ تداخلك أشعتها كل صباح وعصافيرٌ تضج قرب نافذتك وليل تغشاك سكينته وسَحَرٌ تُجلّلك قدسيته وأريكتةٌ ألِفتَ القراءة عليها ورفوفٌ تُغريك كُتبُها وطعامٌ مذاقه حنانُ أمك وقهوة نشوتُها تحلُّقُ عائلتك وطفولة حيّة وفتوةٌ نزقة مستوفزة وحاضرٌ طامحٌ وما هو أكثر وأكثر مما استوطنك قبل أن تستوطنه ومما هو "وِطـاء" ليّنٌ رحْـب قبل أن يصير "وطن"؛ لذلك نحب المدن ونحامي عنها، ولولا ذاك لاستوت "الخرج" مع باقي المدن، ولم يكن لها من فضيلة عندي سوى أنها منبت عائلتي وموطن أجدادي، وهي مع ذلك فضيلةٌ لها حنينٌ يعزف على وَتَرٍ لا ضاربَ لعوده سوى أنه ممتدٌ كدماء الأجداد السارية في عروقك، ولو تأملت المعنى الذي ذكرته لوجدت أنه وحده الذي يزن لفظ "الوطن" وزنًا لا زيادة فيه؛ فكم من شقيٍ يعيش في وطن آبائه وأجداده ودار طفولته وصباه وهو مع ذلك يخطو فيه على مثل الشوك؛ ينزف دمه ويُنكّد عيشه، وكم من سعيد يعيش في وطن آخر غير منبت أهله وأصله، وهو مع ذلك على مثل ريش النعام؛ ليّنٌ وطاؤه رغِدٌ عيشه.. هذا هو المعنى الخاص للوطن، وهو ألصق بالفرد من المعنى العام؛ والمعنى العام هو ما تعارف عليه الناس بينهم؛ وهو قطعة الأرض الكبيرة المترامية الأطراف التي يعيش فوقها مجتمع من الناس اتصلوا بينهم برابطةٍ ما، والدين أو اللغة أو الثقافة والهوية هي العُرى الأكيدة التي تشدّك لهذا الوطن، وبحسب وجودها فيك بحسب وجود الوطن فيك، والأغاني والقصائد والأعياد الوطنية بواعثٌ من أخطر وأوهى البواعث في آن لمثل هذه المعاني الوطنيّة، ولو عُدمت هذه البواعث في بعض الأوطان الفاسدة لانقطعت أسباب الانتماء بينها وبين مواطنيها، وعادت محبتهم سبابًا، واستيطانهم اغترابًا!
أحب في "الخرج" مزارعها التي تحوطها، تربتها الرطبة، وهواءها الذي يتنفّس الزروع.. زافرًا رائحتها خلَلَ بعض أرجاء المدينة، نخلها الوفير، وتمرتها الطيبة، وعيونها السحيقة التي يتعب المطر في ملئ أغوارها؛ أرضٌ يكتب الماء قصتها ويصوّر معالمها، فكانت تسمى سابقًا بـ "السيح" وهي الآن "الخرج"؛ والسيح مأخوذ من سيحان الماء من عيونها، والخرج من خراج الأرض من الزروع، وكلا الاسمين وجهان لصورة واحدة هي النبع والخضرة، أحب فيها مدنيّتها التي لا زالت منقسمة بين الجِدّة والانفتاح، والتقليد والمحافظة.. تشدّها إلى الأول ضرورةُ الزمن السائر، وتبقيها على الثاني ضرورة الهوية والماضي الحاضر، يدعوها إلى الأول قربها من الرياض وتردد أهلها عليها، ويثبتها على الثاني أنها لا زالت تلك المدينة التي تخفي في داخلها طباع القرية.. فلا هي تلك، ولا هي تلك.. أحب أنها مسقط رأسي وملعب طفولتي ومدرج شبابي وتراب بيتنا وموطئ قدَمي والدَيّ وكفى، وإن لمعاهد الصبا وذكرياته لصوقًا بالقلب وأطلالًا لا تملك إلا أن تقف عندها يموج بك الشوق والحنين.. وإن عشنا فيها أيامًا صعبة ومسّنا فيها الضرّ :
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبدًا لأول منزلِ
أحب في بيتنا اتساعه بالحب قبل اتساعه بالمكان، وحبوره بالطمأنينة قبل حبوره بالنور:
أحبِب فيغدو الكون قصرًا نيرًا
وأبغض فيمسي الكون سجنًا مظلمًا
ويقال أنه حين ضاق بميسون الأعرابية قصرُ معاوية بن أبي سفيان الفسيح وتمنّت العودة إلى خيمتها النائية في البادية أنشأت تقول أبياتًا من ضمنها:
وبيتٌ تخفقُ الأرواح فيه
أحب إليّ من قصرٍ مُنيفِ!
فطلّقها معاوية وعادت إلى خيمتها مغتبطة جذلى.. إنما يعمر مسكنَ الإنسان نفسُه؛ فإن نهضت فيه نهض، وإلا انهدّ وتقوّض!
وأحب في بيتنا غرفتي.. تلك الجنة الصغيرة المبنيّة من رخامٍ وجدار! غرفتي التي تعاقبت عليها فصول نفسي وحُفرت فيها أعماقها وأغوارها.. وسادة دموعها ومخدع آمالها وأريكة تأملها ونافذة فكرها وخيالها.. غرفتي المفتوحة على الشرق فهي تشرق مع الشمس؛ وقد عببتُ من وحي هذا الإشراق ومعناه الكثير، وامتزج ضياؤه مع معنى اسمي "نورة" فشكّل في نفسي شمسًا أخرى لا ترضى بالأفول، وإن دارت عليها كُرة الحياة دورتها يُعزّيها أنها ستشرق من جديد. كان من عاداتي في بيتنا والتي لم أنقطع عنها حتى الآن المشي قبل الغروب في الفناء وترديد الأذكار والتسابيح مع الطير وتحت السماء المتموجة بصُفرة الأصيل.. لحظاتٌ ساحرة مليئة بالبهاء والجلال، وخفّةٌ في النفس كخفّة ذلك النسيم الذي اشتبه عليه أمرك: أأنت ريشة أم إنسانٌ طائر؟ ليحملك معه! تلك الذكرى هي كالشذرة الذهبيّة من جواهر تلك الذكريات.
يقع بيتنا في طرف الخرج، أو في ضاحيتها تقريبا، في حيّ تكثر فيه الأراضي الفارغة إذ لم تعمّر بيوته كلها بعد، وعلى بعد كيلومترات منه تقع مزارع غنّاءَ بالنخيل الباسقات، كان لهذا الموقع أثره في ازدحام سمائنا بالعصافير، وفي الهواء الذي نتنفّسه ونقائه وهبوبه ورائحته المنعشة أحيانًا.. حتى إن اسم حيّنا "حيّ الورود"؛ فكأن زكاء الهواء نسيمُ بستان مترعةٌ أرضه بالورود. أزعم أن لذلك الجو الذي كنت أعيش به أثره في شخصيتي وأدبي، والإنسان يتطبّع بما يحيطه أيضًا، والرافعي يقول:
"وإنما قوة الشعر في مساقط الجو، ففي كل جوّ جديد روح للشاعر جديدة؛ والطبيعة كالناس: هي في مكانٍ بيضاء، وفي مكان سوداء، وهي في موضع نائمة تحلم وفي موضعٍ قائمة تعمل، وفي بلد هي كالأنثى الجميلة، وفي بلد هي كالرجل المصارع؛ ولن يجتمع لك روح الجهاز العصبي على أقواه وأشدّه إلا إذا أطعمته مع صنوف الأطعمة اللذيذة المفيدة ألوانَ الهواء اللذيذ المفيد"
ثم تزوجت وانتقلت للعيش في الرياض تلك المدينة المضطربة اضطراب الطريق في الجبال.. صاعدًا ونازلًا، لا تهدأ، متفجرة بالناس.. وبالفرص والأرزاق والترفيه كذلك، وقد أخذتُ من طبعها الذي لا يهدأ طبعًا لحياتي وأسلوبي بعد الزواج إذ أصبحتُ سيدة منزلٍ مستقل وربّة أسرة جديدة بإذن الله، فزاد جهدي ومسؤولياتي وأصبحت في وقتي ساعية بين أعمالي المختلفة. وحين افتتحتُ حياتي الزوجية في بيتي الجديد كان من أصعب ما واجهته هو نقل الإلف الذي صحبته والتناغم الذي راقصته والقرار الذي تنعّمته في/ من بيت أهلي إلى عشي الصغير هذا.. لم يكن الأمر سهلًا لفتاة ألوفةٍ و(بيتوتيةٍ ) مثلي تُكنّ الوفاء لأصغر شيءٍ أحبّته وصاحبَته زمنًا! كنتُ أبحث في عشّي الصغير عن زوايا بيتنا.. عن جدرانه وأنواره الشمسيّة الداخلة من فتحاته المتعددة .. عن أشياء كثيرة فيه! ولكن الزمن مرّ، ويومًا بعد يوم كنتُ أعقد مع الأشياء الجديدة صداقةً.. فإلفًا.. فتعلّقًا.. فوفاءً .. فجمالًا وإحساسًا فريدًا مختلفًا! أن أكون سيدة منزل مستقل وهذا المنزل هو (مملكتي) أنا بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.. ثم أن تكون هذه الوظيفة لها ما بعدها إذ ستثمر بإذن الله أبناء وأسرة، ولها ما قبلها ومعها وبعدها : زوجٌ وحبيب وشريك قلبٍ وحياة بإذن الله.. أنتِ له وهو لك كشجرة يُستظلّ بها أو يُجنى من ثمرها.. بردًا في الضرّاء وغدقًا في السرّاء؛ أن أكون في كل ذلك هو هبةٌ إلهية وعطاءٌ ورزقٌ جميل!
أعطاني الزواج أشياءً قد لا أتحصّل مثلها في العزوبية؛ أولها أني أحببتُ الطبخ كثيرًا وكأني ولدتُ في المطبخ! كنت أطبخ في بيت أهلي ولكن ليس بصفة مستمرة وبمساعدة الخادمة، فضلًا أني كنت كثيرًا ما أفعله إرضاءً لأمي ليس إلا، ولكن حين تزوجت مارسته أولًا على طريقة :"إذا كنت مُجبرًا فاستمتع" ثم هداني الله سُبلَه وأحببته وأدركت أنه فنٌّ وذكاء يُتقن بالإحساس ويلَذّ بالحبّ.. ثم أي شرفٍ أحسنُ من أن تدلّل بطنك؟ ثم تكون بعد ذلك أنت من صنع هذا الطعام اللذيذ؟ :)، ومهارات منزلية واجتماعية عديدة أزعم أني لم أكن لأكتسبها وأنا فتاةٌ منزوية في ظلّ والدَيّ.
في كنف هذا التغيير الظرفي والحياتي تغيّرت شخصيتي واهتماماتي؛ حتى قراءاتي وميولي العلمية تغيرت بدرجةٍ ما، وقد فصّلت شكل هذا التغيير هنا، ولا يُلام المرء على ذلك ولا يُستغرب، بل الغرابة أن يكبر عمرك وتتلقّفك الظروف وتمرّ عليك الأحوال وأنت ثابتٌ على حالك، وهذا لا يدل على صلابتك كما تزعم وتكابر، بل يدلّ أنك خشبة أو جدار لا بشر وإنسان ! حين أصبحتُ زوجة أصبحت اهتماماتي وميولي قويمة كالمسؤولية التي تقلّدتها والميثاق الغليظ الذي صرت طرفًا فيه؛ فكان لذلك أثره على الأدب والكتابة.. أصبحتُ منظّمةً وجادّة أكثر، والأدب مُنسرحٌ وليّنٌ أكثر.. فتغيّرت على الأدب وتغيّر هو عليّ؛ صرتُ أمكث المُدد الطويلة لا أمطر منه قطرة، وإن جاءت فهي واحدة لا تروي الغليل، أو يجيء غيثه معه ظلماتٌ وبرق ورعد؛ تقصف أفكارُه أو تخطف الأبصارَ حُجَجُه، ليس له من المعنى الرقيق والإحساس الجميل إلا قطراتٌ تتساقط عليك هنيهة قبل أن يروعك مرة أخرى صوت رعده وضوء برقه.. وهذا الأمر له حسناته كما له سيئاته.
وبعد، فإن سألني سائل: أين تجد نورة نفسها وأين تلقي عصا روحها فتقول أن هذا هو وطنها: الخرج أم الرياض؟ هذا البيت أم ذاك؟
مرة أخرى: لماذا نضيّق معنى الوطن ونحصره في بقعةٍ معيّنة وصورة شاخصة وكأنه لفظٌ خلَعَ معناه أو قصةٌ مُسحت شخوصها أو خبرٌ أُهملت حقيقته؟ ألا يكون معناه أكبر وأصغر في آن؟ ألا يكون يكون واقعًا في روح الإنسان قبل أن يقع في الخريطة .. فيكون وطنًا متنقلًا يحمله معه أينما يذهب؛ فروحه تلقي على الموجودات انعكاسها، وتتجاذب مع أشباهها هنا وهناك فيتحقق له وجودٌ ووطنٌ أينما يكون؟ نعم.. كلهم أهلي، هناك حبيبٌ وهنا حبيب، وأنا لكليهما أنتمي.
الأحد، 21 مارس 2021
انبعاثي الأول
يخيل لي أن الكتابة الأدبية خُلقت لي؛ فحين كان لكل أحد وجهةٌ هو مولّيها كانت هي وجهتي وغايتي التي هديتُ لها وجعلت لي، وأني مهما يمّمت وجهي في المناحي وظننتُ أن في الأرض مُراغمًا كثيرًا وسعة لا أزال أُكتب ضائعًا وأُحسب في عداد المفقودين؛ فمن يُخرج من بيته فهو طريد، ومن يأوي إلى غير حماه فهو لاجئ، ومن يسكن بيت غيره فهو مغتصب وإن قزّحه وزيّنه واستبدل فيه جديدًا بقديم.
هناك عند باب غايتي سادنٌ يسأل عن موعد قدومي كل مرة، يحصي الأيام والساعات حتى أعود، يتفقدني دائمًا ويسأل عني في الطرقات والفيافي والسهول المجاورة، ويجدني أحيانًا منهكةً شعثاء غبراء هائمةً على وجهي أكاد أسقط من التعب.. فيملأ قربتي من الماء، ويهذب شعري ويمسح على وجهي بيديه المباركتين فتسري في جسدي رعشةٌ تعقبها يقظة، فيظل يحدثني حديثًا كحديث الأوائل فيه قبس من نور السماء يذكرني فيه بالأمر القديم لا يبلى، وبالماضي ساريًا لن ينتهي، وبالذكرى حادثةً تتجدد، وبالحلم عتيدًا في المنام واليقظة.. يذكرني بفطرتي وانبعاثي الأول، بالأدب معجونًا في تُربتي متشكلًا في ملامحي منفوخًا في روحي.. بصفوةٍ منه رُزقتها وبسطةٍ منه أُعطيتها.. أقبضها حتى كأني أمسك كل شيء، وأُرسلها حتى كأني أذرو كل شيء هباءً منثورًا تبعثره وتبعثرني الرياح معه في كل واد.. فمالي بدّلتُ وتبدّلتُ حتى كدتُ أمسخ نفسي؟! ماذا ارتضيتُ غير الأدب حتى أعرضتُ عنه؟ ارتضيت؟! نعم ارتضيتُ! لا يصلح في هذا المقام إلا الرضا! فمن اختار وطنًا آخر عن وطنه لن يطير إليه إلا بجناح الرضا والاطمئنان، وإلا لما اختار عن وطنه بديلًا! نعم لقد ارتضيتُ عن الأدب شبيهًا ونديمًا آخر لا يمكن أن يكون هو..ارتضيتُ عنه مواضيع فكرية أو معرفية، رأيتها أنضج منه ثمرة وأنجع منه فائدة فخلعت عليها خاصّة وقتي وأرويتها ماء عقلي وفكري.. ولكن أين الفكرة من الخطرة؟ وأين الحقيقة من المجاز؟ وأين العبارة من الإشارة؟ وأين الضجيج المزدحم من المخدع الهادئ اللّين؟ وأين الصخور وعرةً من السهْل الوطيء؟ وأين العصافير صادحةً تتجاوب بالتغريد من الأزهار صامتةً تتراسل بالأريج؟ أين النفس يتكشف بعضها للآخر وكأن الأحرف تتراصّ كجيش عنيد يسقط أسوار النفس ويفتح الطريق للقلم حمًى مستباحًا يفعل به ما يشاء ؟
"ابنتي -قال لي السادن- : الأدب طيرٌ من السماء لا يحط إلا على الغصن البهيّ المورق، وذاك غصنك أنتِ .. الأدب روحٌ في الفضاء لا تراها إلا الأرواح اللطيفة الشفافة، وكذلك روحكِ أنتِ ..
فحذارِ أن تُقذف في الماء كراتُ الطين، وحذارِ أن تجرف القاصدَ حشودُ المُدبرين، وحذارِ أن يرتدي المرء ثوب غيره وإن كان أبهى من ثوبه، وحذارِ أن تُشغل الشجرةُ بأمرِ الوردة، وأن يحدق الحمام في النحل متمنيًّا تذوق الزهرة.. يا ابنتي؛ أنتِ هناك.. رُفعت المحاريب وأذّن مؤذن الروح وانتصبَتْ الأقلام واصطفت المعاني وقامت صلاة الأدب" وأشار إلى الأدب حيثُ غايتي.. ومضى عائدًا نحوه.
أما أنا فظللتُ أحدّق فيه شاردةً حتى توارى.. ثم انتبهت فجأة وأكببتُ على آثار قدميه أحفرها بعمق حتى لا تمحوها الريح بسهولة.. فأضيع!
السبت، 6 مارس 2021
إن شأنكنّ عظيم!
لو أن ملكًا أرهب البلدان وأخضع الملوك وأكل جيشُه جيوشَ الأرض مجتمعة وأهلك الحرث والنسل وشَكَت منه الأرض وضاقت السماء، وحتى في خاصّته وأهله هو الفزع المهول والشر المستطير.. يبتعد عنه كل من مرّ بجنبه رعبًا كأنه ملَك الموت، وإذا أمرَ أمرًا طار الجميع لتنفيذه كما تطير الغزلان هربًا من زئير الأسد، وإذا نهض من عرشه انتصبوا جميعًا كانتصاب الأعمدة لا تسمع لهم ركزًا.. هذا إن كانوا يجلسون قبلها! لو أن ملكًا كذلك لَحلَف كل من سمع به أن هذا لا يخضعه شيء إلا المرض المقعد أو الموت.. ولكن لا.. وُجدت ملوكٌ وعتاةٌ مثله وكان من أخضعهم كائنٌ لطيف روّضهم كما تُراض الوحوش؛ كائنٌ ليس له سلاحٌ أو قوة إلا نعومةٌ هي أحَدّ من السِنان، ورنينُ حُليٍّ هو أفتك من صلصلة السيوف، ودَلٌّ هو أقوى من ألف إقناع، وتمايلٌ هو أخدر في الرأس من سِنةِ الوسنان، وشفتان كالثمرة النضرة في البستان، وصوتٌ وهمسٌ كطعم النغمة الحالمة لدى العاشق الطربان.. إنه المرأة.. المرأة المعشوقة؛ التي بلغت من سحرها وجلالها أن أخضعت الصخر وفجّرت منه الأنهار؛ واسألوا هنري الثامن ما الذي أحدثته في قلبه ومملكته آن بولين، واسألوا كيف عقلَت شهرزاد جنون شهريار وسكّنت شرره، واسألوا عابدًا زاهدًا متحصنًا في صومعته محكمًا إغلاقًا عليه أبوابها وأبواب نفسه.. فارًّا إلى أغلال خشيته وتقواه كيف خرقت تلك الحُجب وأزلّته من ذرى التقوى إلى قاع الرذيلة مليحةٌ في خمارٍ أسود، واسألوا الملوك والسلاطين كيف تسلّلت نساءٌ وجواري إلى مستودعات سرّهم ومعاقل رأيهم التي لا يجرؤ على الولوج فيها أحد.. فصرن شريكات حكمهم ووزيراتهنّ المحجوبات اللاتي يُصدر عن رأيهن ويُسمع كلامهن! والسلطانة هورم والسلطانة كوسيم مثالٌ لا حصر !
وربما لا تكون تلك المرأة أجمل النساء وأحسنهن.. قد يكون غيرها أجمل منها، ولكن اجتمع فيها من الأنوثة ما فاض عنها وغمر الرجل الذي عشقها، والأنوثة سرٌّ يختلف كنهه من امرأة لأخرى، ويدرك أمره كلُّ رجلٍ وقع في روعه ومضٌ منه، والجمال بعضٌ من الأنوثة وليس كلّها.. إنها قوة المرأة وجبروتها الذي تعمى عنه أعين الرجال وتدركه قلوبهم حين يمسّها طائفٌ منه! خدَعهم منها رقّة طبعها ولين جلدها فصوّروها ذلك الكائن الضعيف الذي يحتمي بأكتاف الرجل، ولكنها القوية جدًا للحد الذي تخضع فيه أقوى رجل بلا سهم أو سيف :"مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ" ويستعمل كثير من الجهلة عبارته -صلى الله عليه وسلم- : "ناقصات عقل ودين" لتحقير المرأة وإرخاصها، ففضلًا عن أنهم لم يحفظوا من الحديث كله إلا هذه العبارة ولم يطّلعوا على بقية كلامه -صلى الله عليه وسلم- فإن فيها شهادة قوتها لو فقهوا! فانظر مقدار تعجبه -صلى الله عليه وسلم- في قوله :"ما رأيت!" ثم تبيينه ذلك باجتماع النقيضين اللذين هما عُنصرا كلِّ عجَب؛ وهما هنا : النقص والقوة، فحين التقيا غلب النقص القوة! فانظر كيف طارت الرجولة شعاعًا بحضور امرأة!
وليست قوّة المرأة محصورة باستوفازها قلوب الرجال واقتيادها لهم بجمالها وفتنتها؛ بل تكون أيضًا بحصافتها وحسن رأيها وتدبيرها كما هو الرجل، بل تزيد قوتها بذلك وتصبح لفتنتها وأنوثتها أنيابًا يُخشى منها أو يُستسلمُ لها، ويصبح لرأيها اعتبارًا عند اثنين: المقسط من الرجال، أو المحب المستهام؛ بل يصبح لرأيها سلطانًا عند المحب المستهام أقوى من رأي الرجال مجتمعين! أما غيرهما من الرجال فينكر تلك القوة والحكمة ويصرّ أن يردّها إلى ضعفها وسفهها الذي يتصوره ويراه؛ وكأن المرأة عندهم لا تصبح إنسانًا إلا إذا كانت محبوبة، ففتنتها وتأثيرها هو انعكاس قلوبهم عليها، لا انعكاسها هي عليهم! ولو لم يشهد القرآن لبلقيس لرأوا أنها أخطأت وأصاب من حولها من الرجال!
والمرأة التي لا تفهم من الأنوثة إلا الضعف الخانع والغَنَج السمج والخواء المائع فهي وإن اصطبغت بألف لون
وتلمّعت بالأساور والحُليّ لم تكن زينتها إلا أصوات الشهوة ونداءات اللذة؛ ثم ماذا؟ كالحيوان يُمضغ لحمه ويُهضم.
لا.. ليست هذه الكلمات فتنة وتزيينًا.. أو إعلان حرب بين الرجال والنساء؛ بل تذكيرٌ للمرأة أن تميس اعتزًازًا بسحرها وسلطان أنوثتها ويشرّئب عنقها فخرًا وكبرياءً، أن تطيف حول طبيعتها كأنما هي معجزة تُقدّس وتُعظَّم.. كائنٌ يخضع كائنًا آخر يظن أنه الأقوى -ليس من المرأة فقط ولكن ربما من الكائنات كلهم- ألا يحق لها بأن تفخر بإركاعه؟! ولا عيب أن يقال بأن المرأة تؤدي وظيفتها إذ تستميل الرجل لسلطانها.. وهل تُعاب الحاجات والغرائز في لغة الطبيعة ؟ وهل يُسأل لمَ تسعى النمل أو هل تُلام على طيرانها الفراشة؟ ومن الذي يقول للطرف الكحيل اقصُر ولا تنظر؟ وهل تلامُ الحاجة أو يُلقم فمُ الشوق بحجر؟! وهل يُقال للفنّ اعجب بنفسك ودُر حولها، لا تسأل غيرك عنك، يكفيك أنت منك!
سعي المرأة للرجل وسعيه لها تفريغ للطبيعة مهما جحدت الجاحدات أو شمخت المتكبرات! المرأة قوية بأنوثتها، عزيزة بسحرها.. ولكن كل ذلك يتقوّض إن ظنّت أنه لوحدها؛ المرأة نبات مرتفع وارفٌ مستغنٍ بنفسه يُسمّى لوحده: شجرة، وهي بانتمائها لحضن أوسع حولها تتناغم به وتنسجم معه يسمّيان: طبيعة، ولا وجود للشجرة إن لم توجد الطبيعة، ولا تمام للطبيعة إن لم توجد الشجرة.
وليست العلاقة بين المرأة والرجل علاقة مفاضلة تؤدى بالميزان فمن رجح فهو الأفضل وغيره هو المفضول، كيف وهما لا يجتمعان حتى يفترقان ولا يفترقان حتى يجتمعان .. فكيف يُحكم بينهم؟!.. كوكبان تولّدا عن سماء واحدة؛ شمسٌ لا ينبغي لها أن تدرك القمر، أو ليلٌ لا يسبق النهار.. جمعتهما الإنسانية وفرّقتهما خواص وطباع شتى تؤلف كل منها نظامًا مختلفًا عن الآخر.. فمتى يُدرك أن المرأة نظام مختلف قد تنقلب فيه المعاني وتتضاد عن التي عند الرجل! فضعفها كما يسميه الرجال هو في نظامها قوة! ولا أدلّ على ذلك من قوله -صلى الله عليه وسلم "فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ،"؛ فانظر إلى عبارته :"فإن ذهبتَ تُقيمه كسرته" فأنت أيها الرجل لا تستطيع أن تحوّر هذا "الضعف" لـ"قوة" كما تفهمها أنت، دعِ الاعوجاج وشأنه.. فهو قادرٌ رغم انحنائه على إخضاعك! واتركي أيتها الجاحدة ذلك الضعف وشأنه، ولا تحاولي إلباسه ثيابًا تُخفي حدَبه وانحناءه، واقطعي إن شئتِ كل سبيل وتفرّقي في كل واد حتى تبلغي قوة الرجل، ستدركين لاحقًا أن غايتك في مبتدئكِ؛ عند الفطرة التي ضيعتِها!
اللافت أن هذين المتناحرين من الجنسين تجد أن كلًّا منهما قد أغلق عليه نفسه وقُلبت عيناه إلى الداخل فلا تنظر إلا إليه وطُبّقت يداه على خاصرته كهيئة المستكبر المتحدّي.. فلسان أحواله كلها يقول: "وماذا لي؟ وما لي أنا؟!" .. ولو أنهما فتحا باب نفسيهما وأهرقا من دلوِ قلبيهما صبابة تمتزج بصبابة الآخر لطأطأت الريح ولأوْرق الشوك وصارا لبعضيهما سكنًا ومودة ورحمة؛ ومن وُفِّق في علاقته وذاق طعم الاستقرار الزوجي والعاطفي عرَف حلاوة الآخر وأنه لا غنى عنه، ورأى دعوات التفرّد والتمرّد الفجّة ضلالًا وتحريش شياطين، أما المتطوّح المهتز فتارةً سيلعن الرياح لأنها تحرّكه وتارة سيشتم الطين الواقف عليه لأنه يُزلقه وتارة يسبّ الذباب الذي يحوم عليه لأنه يُشتّته وتارةً سيلعن أهل الأرض وتارة سيناكف الفطرة وتارة سيغاضب السماء و....
تسب الجاهلةُ الرجال وتلعن الأعراف والمجتمع والقانون ثم هي تتبعهم في كل طريق وتطلع لهم في كل ناحية وتطلب المساواة معهم في كل أمر ثم تسمي نفسها خداعًا "نسوية"! استقلالٌ ليس سوى اسم.. وتفرّدٌ هو المجاز لا الحقيقة! فلتتمثل النسوية إذن كنظام متميز لوحده..يتبع صوت أنوثته وفطرته.. وينظر أمامه فقط حيث طريقه ووجهته ولا يتلفّت إلى غيره!:
"ولَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا"
الأربعاء، 13 يناير 2021
سبعٌ وعشرون دُرًّا من عِقْد أعوامي
التاسع والعشرون من جمادى الأولى ..
أكملتُ عامي السابع والعشرين ..
هناك سنوات فارقة في عمرك، ليس بأحداث ضخام أو أمور جسام مررتَ بها، بل بشيء كان يعتمل في داخلك لا يراه الآخرون، أنت فقط كنت تبارزه وحدك بعيدًا عن الأعين! عامي السابع والعشرون هو نضجٌ سريع.. كأن منجنيقًا قذفني فجأة إلى قمة صرت فوقها أتأمل العالم ونفسي: ما الذي رماني فجأة إلى هنا؟ ومن أنا؟ ومن أولئك الناس في الأسفل هناك؟! كنتُ أتغيّر ولا أشعر بذلك في نفسي، كان التغيّر كظلي الذي يرافقني أينما أذهب، وهل يستغرب المرءُ ظلَّه ؟ لا .. هو ظله، وظله هو، الآخرون ربما لاحظوا ذلك! أرسلت لي صديقتي الأقرب لي ثقافة وأدبًا قصيدةً لأحد شعراء تويتر تطلب رأيي فيها؛ لم أمهلها تأملًا وتحليلًا حتى وصفتها بالسخف وهاجمت شاعرها- وكانت بالفعل سخيفة بعض الشيء-، فردّت عليّ مستغربة مندهشة من جوابي واندفاعي قائلةً: "نورة.. لقد تغيّرتِ كثيرًا! أصبحتِ عقلانية ومنطقيّة أكثر، لاحظت هذا الأمر فيك واضحًا بعد الزواج!" لم تكن في الواقع تمتدح عقلانيتي، بل كانت تذمها، كانت ترى أنها سلبتني رِقةً عرفَتني بها، وعاطفةً رزينة؛ لا جيّاشة ولا ناضبة، فإذا بهذه العاطفة تُزحزح ويحل بدلًا منها عقلٌ وافر، ووقار لا مذموم ولا محمود.. إلا أنه ليس لأمثالي! لا لم تُمسخ مني تلك العاطفة تمامًا، ولكنها لم تُتح لها الفرص للخروج كثيرًا! والمرء يتطبّع بما يزاول من أعمال، وبما يعالج من أفكار، وبهما يتغيّر مزاجه وتتشكّل نفسه.. فحين تزوّجت أُلقيت عليّ المسؤولية إلقاءً وكأنها كانت ماءً أُهريق على وجهي فاستيقظت به من نومي بغتة بلا مقدمات، لا لم يكن حجم المسؤولية التي تقلّدتها كبيرًا بقدر ما كان معناها واسمها.. أن تصبح مسؤولًا فجأة.. أن تصبح اليوم أميرًا لاهيًا وغدًا تصبح ملكًا مسؤولًا، أن تؤسس أسرة فتسكن رمالك ويتصلّب طينك.. لتصبح جبلًا ترسو تحته الأرض ويستقر به المجتمع.. هي مسؤولية أيًا كان مقدارها! ثم إن هذه المسؤولية لا تقنع بمكانها ودورها فقط، بل لا بد أن يصيب معنى الحياة كله بالنسبة لك شيءٌ من بَلِلها؛ ستنظر للحياة بعين الجِد، وستسحب عليها قدماك بثقل، وفي الوقت ذاته ستجري.. وستركض.. وتحاول أن تلحق في عمرك الصغير خطوات الكبار وعقولهم، لا وقت لديك ! أنت الآن مسؤول، الوقت لن يكون طواع أمرك.. عليك بالمهمات والشاهقات.. لا تشغل نفسك بالتوافه، والنتيجة: عقلٌ يتضخّم ونضجٌ يسرع، وعاطفةٌ مسكينة تكاد تخرج رأسها من بينهما.
ليس الأمر بهذا السوء، فبحمدلله نهلتُ خيرًا كثيرًا؛ زاد إقبالي على العلم الشرعي ولم أزل منه في ازدياد والحمدلله، وأقبلت على غيره من العلوم النافعة الجادّة، ولكن في المقابل قصّرت في الكتابة والأدب وكادت تخمد نارهما في روحي.. لم أختر ذلك ولم أرده؛ فكلما اقتربت من الأدب كان يصدني عنه حِسٌّ متبلّد وطبع مُجدب، زاده عليّ قلة الممارسة للكتابة نتيجة لكمون عاطفتي وازدياد مساحة المنطق فيّ وحرصي الشديد على تقسيم وقتي وأيامي تبعًا لمسؤولياتي وأعمالي، والأدب يأخذ من الفوضى أكثر مما يأخذ من النظام، ويذوب في الماء أكثر مما يتخلّل في التراب! وحينما أريد العودة إلى الكتابة والأدب لا أرضى إلا أن أكون كما كنت وكما كان أدبي سابقًا مُشعًا زاهيًا سهلًا جاريًا، وأنّى يولد الإنسان تامًا مكتملًا؟! فأصبحتُ كما قال ابن المقفع: "الذي أرضاه لا يجيئني والذي يجيئني لا أرضاه"، فرأيتُ المحاولة ذُلًّا، والنقص عيبًا.. أعاذني الله وإياكم من وهم الكمال! ولكن بحمدلله مؤخرًا بدأت ينابيع الأدب تتفجر في بيدائي وأقاحيه الجميلة تزهر في روحي.
أعود إلى سيرة التغيير.. فحين يُقال بأنك تغيّرت سيُريبك هذا التغيّر، بغض النظر هل كان تغيرًا للأحسن أم الأسوأ ما دمت لم تختره بملء إرادتك.. نعم تغيّرتُ؛ وانساق كل شيء فيّ نحو هذا التغيير، كأنه القطيع الذي يلحق براعيه؛ مشاعري القديمة.. بريقها ولمعانها، غزارتها ورِيُّها، شغفها وانطلاقها، خيالها وأحلامها، طربها وغناؤها، قلقها واضطرابها، حزنها وقتامتها، كل تلك كانت تتبدّل نحو شكل آخر أكثر ثقلًا ونضجًا، كان هذا الأمر يحزنني، فحتى لو كانت تتغير للأحسن فإني لا أزال كما قال المتنبي:
خُلقتُ ألوفًا لو رجعتُ إلى الصِبا
لفارقتُ شيبي موجع القلب باكيًا
نعم فأنا أخت الأُلفة ونديمة الحنين، حتى أني عزمتُ مرة إن رزقني الله بابنة سأسميها: "حنين".. حتى المشاعر التي عشتها والأفكار التي قلّبتها أحن إليها لمجرد أني لم أختر التخلي عنها.. والإنسان حين لا يصبح قادرًا على الاحتجاج فإنه يحنّ بصمت، يتكسّر حتى يلين، فيقف على أطلال كل ذكرى ويرسل الحنين موالًا جاريًا، وتجري الأيام، ثم يألف مشاعره الجديدة ليحزن إذا فارقها.
تغيرت مشاعري، ونضجت أفكاري وتبلورت معها شخصيتي؛ أصبحتُ أكثر صراحة ووضوحًا، لا يهمني ما يقول الناس عن أفكاري وسلوكي، على الأقل بقدر ما.. وكأن تعقّلي الذي ازداد يناقضه أن أخجل من بعض أفكاري وما أؤمن به، وكأنه أكسبني -بعد الله - صلابة لا يهمها رأي الناس فقط بل تُكسبها هيبة ومظهرًا أمامهم، وهذه من المفارقات التي لا يدركها كثيرٌ من الناس؛ فيتخلون عن مبادئهم هيبةً من الآخرين ولو اعتزّوا هم بأدنى ما يؤمنون به لهابَهُم الآخرون.. الناس يُريحهم أن يشبه بعضهم بعضًا، وفي الوقت ذاته يرمقون بإعجاب من خالفهم وأشبه نفسه لأنه يذكرهم بذواتهم المطمورة! والمؤمن الصادق لا يُباليهم باله ولا يُسلمهم عِقاله، بل حسبه قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- :" مَنِ الْتَمَسَ رِضَى اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ ، رَضِيَ الله عَنْهُ ، وَأَرْضَى النَّاسَ عَنْهُ ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ ، سَخَطَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَأَسْخَطَ عليه الناس"، لم أكن خجلى هكذا طوال عمري، وأعني بالخجل هنا الخجل مما يقوله الناس من حولي عن بعض ما أعتقده ويخالفهم مما يخص القضايا الفكرية والأحكام الشرعية -سمّوه إن شئتم خجلًا أو جُبنًا :) - فحين كنت صغيرةً في الابتدائية؛ كنت مضرب المثل في الجرأة، لم أترك محفلًا أو إذاعةً إلا كنت المقدّمَة فيها مجربةً كافة الفنون من إنشاد وإلقاء وتمثيل.. كنت أحب تجريب نفسي في كل شيء وكنت أصلح لكل شيء :)، وما أكسبني تلك الجرأة إلا اندفاع ونزق طفولي يدور في فَلَك نفسه فقط ولا يهمه كلام الناس، ولأني كذلك كنت أدرس في المدرسة التي تعمل فيها أمي معلمة، فكان وجودها يكسبني ثقةً ودعمًا: "جريئة وموهوبة وابنة أ.سارة"، هكذا كان اسم أمي يُعد ميزةً من ميزاتي، ولكني حين انفصلت عن أمي ومرّت السنوات بعد ذلك بدأتُ الاستقلال برأيي وشخصيتي مخالفةً اهتمامات وتوجهات أقراني، فبدأت معها الانكفاء على نفسي وكأني أحدودب على أفكاري التي تتكون بداخلي كجنينٍ أخفيه عن العيان، أما الآن فحين اكتمل حملها وولدتُها صرت لا أخجل من إظهارها وملاحقتها وهي تتقافز وتشغب في كل مكان.
إن كان من دروسٍ تعلمتها في هذا العام فأهمها هو أن تطمئن نفسي بأقصى ما أستطيع، أن أكفّها كلما رأيتها هالعةً متوثبة ترومُ إصابة حكمة القدر في كل الأمور التي تصيبها، أن تهدأ قليلًا لتعرف أين تُجلس ضعفها وأين ترسل جموحها.. فمدّ الرقاب للأعلى انقطاعها، وتحديقها في الأسفل انكسارها! الدنيا بمشيئة خالقها لا بمشيتنا نحن.. فيوم يُسرٍ ويوم عُسر، ويوم صبر ويوم شُكر، والمؤمن من لا يُغرّ في اليسر، ولا يعاف في الصبر.. واليقين رُبّانٌ يرسو بالمؤمن على شاطئ الأمان، تعلّمت أن كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلّم- غُنية عن كل شيء، وبهما الميزان الكامل لكل شيء في الحياة بدءً من النفس ومرورًا بالعالم من حولنا وانتهاءً بأصغر ذرة في الكون، وأن من جعلهما وراء ظهره والتفت لثقافات وفلسفات وأفكار مغايرة كمن مَلَك نجمةً وزهد في السماء كلها! تعلمت أن الأعلى أعالي.. وأن القمة ذُرًى مختلفة.. وأن السعادة كالهواء تحيط بك من كل الجهات، تعلمت أن أرفق بنفسي وأن أكون وسطًا في كل شيء بلا وهمِ كمال أو جلدِ ذات، وأن الموازنة في الأمور هي سر الطمأنينة، تعلمتُ أننا حين نحدّق في امتيازات الآخرين ونرغب أن نكون هم، فقد يُحدّق الآخرون أيضًا في امتيازاتنا ويرغبوا أن يكونوا نحن! فككفتُ حينها من قلق المقارنات وتشتيت نفسي في صفحات هذه وتلك في مواقع التواصل المختلفة.. فكلُّ إنسان متميز، لأنه غُذّي بقصص ومشاعر وأفكار مختلفة قادرة على إحداث معنًى وإبداع مختلف، وكلُّ روحٍ تأخذ من الآخرين ما ليس لها تظن أنها تقتبس نورًا؛ وإنما هو في الحقيقة دخانٌ ونارٌ يخنقها ويؤذيها! تعلمت أن لا أحب تبسيط المعقّد.. ولا تعقيد المبسّط، بل أن تكون الأمور وسطًا بينهما، تعلمت أن لا أدّعي حسن الظن.. ولا أتقصّد إساءته، ولكن أن أطلب الفطنة وأن أتنبه للخداع ما استطعت، تعلّمت أن لا أتقنّع بالصمتِ ضعفًا وعِيًّا.. وأن لا أُطلق الكلام صراخًا ومجاراة، بل أحترس للكلام وأصون لساني خشية أن يقع في النهر الفاسد، تعلمت لا أتمدد في بحر الثقافة.. ولا أتقلّص في جدول التخصص، بل أن أكون نهرًا يأخذ من البحر ويصب فيه، ويشقّ لنفسه مجرًى محددًا.. تعلّمت أن الحياة بلا الله صفيرُ ريح يخلع قلبك، وأن القرب منه هو عين الأمان والسلام والحياة الطيّبة، وبه سبحانه وحده أتقدّم للحياة وفي الحياة
..صابرة في ضرّائها شاكرةً في سرّائها.. وهو الربّ والمربّي والحفيظ والوكيل..
وكل عام أنا بخيرٍ ومع من أحب ♥️
