‏إظهار الرسائل ذات التسميات أسلوب حياة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أسلوب حياة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 1 أبريل 2022

رمضان .. شهري الأثير

 رمضان 1442 هـ:

رمضان.. ما رمضان ؟ نسمة باردة في حر الزمان، وتنهيدة الراحة للاهث النصبان، ورؤيا بشرى وسلام في منام المهموم الحيران؛ ما السر في رمضان؟ ما الذي جعله دوحة الأيام وقرارها والمَعين؟ بالطبع لأنه شهر الرحمات والغفران والقرآن وليلة القدر والعتق من النيران، بالطبع لأنه "رمضان"؛ قدسية الاسم ونَفَثه النوراني يجيبانك، ولكن ماذا أكثر؟ ما الذي لامسه فيّ رمضان وأثاره في نفسي حتى يكون روحًا من أيامي؟ ما الذي جعلني فيه وكأني في مرقاة تطلع روحي بها إلى السماوات وأرى منها كل مرة ملكوتًا جديدًا؟ ما الذي جعلني فيه كالمحدّق في النجوم في ليلة صافية منيرة عليلة؛ سلامًا وسكونًا واستغراقًا؟ ما الذي جعل هذا الشعور يلازمني حتى كأنه وسم رمضان وحضوره؟! لأعد إلى رمضان ولأتأمل كيف عشته وما الفارق بينه وبين شهور عامي الأخرى: أظن أن أول ما يميز رمضان عن غيره، وهو مميّز مهمٌ وجوهريٌّ فيه: أني أتخفف من برامج التواصل قدر استطاعتي: أحذف تويتر، وأقلل من دخول السنابشات والانستقرام، إلى مرتين أو ثلاثًا كحد أقصى، هذا التخفف يزيح غُثاءً عن دماغي ويهب لي صفاء تفكير واستخدامًا للعقل فيما يفيد وينمي، والأهم أنه يجعلني أكثر حضورًا في العبادات ويهذّب وقتي، رمضان ليس شهر عبادة بالمعنى الشعائري والطقوسي فحسب، بل هو زكاة للنفس.. توجيه لها للأعلى والأسمى، اختبار لها في التخلي عن عوالق الدنيا وفضولها، ووسائل التواصل من أكبر جوالب التشتت والغفلة عن الوقت، وكما يقولون: التخلية قبل التحلية؛ أي أنك إن أردت أن تتزكى فأزِح عن طريقك ما يعيقك لكي تستطيع أن تعبر وتمضي، وهذا بالضبط مع وسائل التواصل وباقي المشتتات، أما التلفاز فلست من أهله ولله الحمد، ثم نأتي إلى التحلية وهي كثيرة في هذا الشهر؛ وأبهاها وأغلاها: كتاب الله جل وعلا، وأي شعاعٍ تضيء به جنبات نفسك كالقرآن.. بل أي شمس؟! تقرأ وتقرأ فتتوهج أكثر.. تتوهج، حتى تتشبع من هذه المعاني الدرّيّة، لتصبح أنت شمسًا تلقي على الموجودات أنوارها، فلا تبالي أأظلم الكون من حولك أم أصبح.. وبحسب نهلك من القرآن وقراءته قراءةً مستشعرة؛ بحسب وجود رمضان فيك، رمضان= القرآن، فلا تبحث كثيرًا عن رمضان في غيره! وما سكينة رمضان ووضاءته إلا من كثرة التالين لكتاب الله فيه من مصاحفهم أو من على مآذن تروايحهم، ثم تُدبِر هذه السكينة بحسب إدبار الناس عنه في بقية الشهور! أشعر أني أسمو مع القرآن سموًا حقيقيًا.. فالقرآن يوقظ في النفس الحقائقَ الكونية والإنسانية التي غفلت عنها أو جهلتها، يعيد ترتيبها لتكون نفسًا فاعلة.. ثمة فرق بين أن ترتفع بعقلك  ويكون محور أفكاره معانٍ مثل: الكون والعالم، الحق والباطل، الخير والشر، الإيمان والكفر، التوحيد والشرك، الأخلاق والأحكام والحدود.. وبين أن تكون سادرًا في ماجريات الحياة والعيش ضائعًا في دهاليزها الملتوية! هذا حقًا ما فعله إقبالي على القرآن في رمضان، وكأني كنتُ نبتةً صغيرة أو حشيشة من الحشائش تحسب أن الحياة لا تجاوز طول عودها، ثم يأتي القرآن وكأنه عاصفة ضخمة أو سحاب كوني هائل يجتاحها ويغشّي ما حولها فلا يبقى في الآفاق إلا صورته وصوته ويختفي ما دونه فيه: "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا" القرآن يحشدك بقوة نحو هذه الحقيقة! 
القرآن وصلاة التراويح والتحرز عن الحرام والحرص على الطاعة في رمضان علمتني درسًا مهمًا كنت أسمع به وأتحققه أحيانًا، ولكني هذه المرة تيقّنته حقّ اليقين؛ ألا وهو : أن السكينة والسعادة الصافية والراحة المجلوّة هو في القرب من الله تعالى، وأنه جنة مَن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة: "من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة" صدق الله! لا أدري لِمَ نعرف هذه الحقيقة جيدًا ثم نخادع عنها ونختلق اللهو والأعذار التي تصرفنا عنها ثم نشكو الهم والغم وعسر الحال:
إبليس والدنيا ونفسي والهوى
كيف الخلاص وكلهم أعدائي؟! *

اللهم عونك والثبات.
وماذا أيضًا؟ ماذا عن الترويح؟ كيف أروّح عن نفسي في هذا الشهر؟ في الأثر :"روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة؛ فإنها إذا ملّت كلّت وإذا كلّت عميت" حتى ترويحي في هذا الشهر كان زاكيًا وساميًا، كنت قبل رمضان أرفّه عن نفسي غالبًا بمشاهدة السنابشات أو الانستقرام أو حلقة من مسلسل أو أي شيء مما يدور في باب "اللهو" غالبًا، لكن في رمضان كنت أود تجريب نفسي في ترويح من نوعٍ آخر.. ترويح ثقافي وفكري أكثر.. فكنت أشاهد في اليوتيوب أو أقرأ مقالات من هذا النوع.. وأحيانًا تتسلل نفسي وتأبى إلا أن تعود إلى عادتها القديمة في مشاهدة اللهو والتسلية، ولكن في المحصلة أحسب أني نجحت في اختبار نفسي في الترويح الآخر.
وماذا بعد ؟ ماذا بعد التمام إلا النقصان؟ كنت أرى التقويم وأرى أرقامه تزيد لتنقص، وتكبر لتفنى؛ فلو كان لي أن أعلّق تلك اللحظات لأعيش فيها ما حييتُ لفعلت، ولو كان لي أن أصوغ نفسي من بلّور ذلك المعنى الجليل ونورِه فأعيش به ما بقي من عمري لفعلت..

فأين أنا من ليالٍ يُذرى عليّ فيها ضوء القمر، يهدهد روحي نسيمٌ عليل، وتناجيني فيها النجوم، وينقلب سواد الليل فيها إلى عمق وأغوار وأسرار تحتضني بهمساتها وحقائقها .. تُريني ملكوت السماوات والأرض في أرجائها، وملكوت المعنى في قرآنها، وملكوت نفسي في إيمانها.. فأين أنا منها إلا أن يكون الزمان رمضان!

السبت، 12 فبراير 2022

أدب بلا أدباء!


 

كنتُ أتصفح الانستقرام فشاهدتُ قصة فُلانة التي عُرفت بثقافة وقلمٍ جميل تابعتها لأجلهما؛ فإذا هي غير التي عرفتها منذ سنوات وقد تغيّرت اهتماماتها كثيرًا؛ أصبحت من المفتونين بالقهوة ومريدي المقاهي والمطاعم.. لا يكاد يمر يومان إلا وتراها في مقهى أو تستعرض إعلانًا لقهوة أو لباسٍ أو حذاء أو تحف أو هدايا، ليس هذا فقط بل أصبحت من زوّار الفعاليات المتنوعة التي لا نسب بينها وبين الثقافة والأدب لا من قريب ولا بعيد؛ والتي لو زار إحداها الطنطاوي أو المنفلوطي لَخرَج وقد تعكّرت روحه وفسدت نفسه ولبث أيامًا يحاول استعادة عافية أدبه وقلمه! مما جعلني أتساءل عن الفارق بين صاحبتنا ومشاهير السنابشات جوّالي الشوارع والأماكن المزدحمة سوى أنها تكتب أحيانًا من بقايا أدبها القديم نصوصًا اختلط فصيحها بعامّيّها قصدًا لا عَرَضًا! 

أسلوب حياة صاحبتنا هذا منتشر للأسف بين بعض الأدباء الشباب هذه الأيام ممن خطفتهم أمواج الصخب والترفيه، بل إني -ولا أزكّي نفسي- أجده في نفسي فترات غير قادرةٍ على استلال نفسي من قشّه! وأظن أن انتقالي للسكن في الرياض بعد الزواج سببًا في هذا؛ انبهارًا بأضواء هذه المدينة الصاخبة وتطبيعًا منها لي! مما جعلني أخاطب واعظًا أدبيًا رسمته في خيالي يطوف على الأدباء يعلّمهم ويزكّيهم، فقلت له أبثّه وأشكوه:

يا واعظ الأدب.. ومُعرِق النَسَب، وحكيم الخُطب ! شرٌّ قد اقترب، يريد أدب العرَب، فأدركنا كي لا نُصَبْ .. واقطع منّا رأسه والذَنَب!

يا واعظ الأدب: جِد لي أديبًا لم تقتلعه رياح اللهو والاستهلاك، لم يفسده المال ولم يسيّل لعابه الانفتاح، لم يهرعه إيقاع الحداثة المتسارع عن شعوره ولم يُصعّده الصخب عن أعماقه.. جِد لي أديبًا لم تدمن أذناه "البودكاست" والمسموعات ولم يفكّر أنها تغنيه عن كتاب، أديبًا يجد دفئه بين أحضان الكتب وتجذبه رائحة الورق .. جِد لي أديبًا لا ترهبه الوحدة ولا يوحشه الخلاء؛ بل يزعجه الضجيج  ويختنق من الامتلاء، أديبًا لا يفزع من وحشته إلى هاتفه أو إلى أفلامه ومسلسلاته، بل يهرع إلى قلمه أو كتابه؛ يرى في هدأة الأفكار منفذًا إلى فضاءات وآماد.. جِد لي أديبًا لم تشكّله أدبيّات وسائل التواصل ولم تنخر أسلوبه سوستُها، أديبًا يحيك حرفه بالفصيح الجزل ويصوّر معناه بالبليغ الفَصْل، أديبًا لم تقصّر يده مساحة التغريدات، بل لا تزال ممتدة للمطوّلات؛ تكتب المقال ذي الثلاث والأربع والخمس صفحات لا تسأم..
جِد لي أديبًا ليّنًا سهلًا يطوّعه الشعور ويثنيه المعنى وتحيّره الأفكار والأسرار ويصادق الطبيعةَ؛ جمّ الحياة والروح، أديبًا غير مدجّجٍ بمطامح "البزنس" والثروة الشخصية واللهث المالي والقوة والاستقلال.. جِد لي أديبًا لا تذهله عناوين العصر كـ"البحث عن الذات" و"تقدير الذات" و"البحث عن المعنى" و"الشغف" وغيرها ولم تداخل كتاباته سفاهاتها، أديبًا المبدأُ الراسخُ حكمتُه والدين هالَتُه والمعنى السَنيُّ وجهته..

يا واعظ الأدب؛ أنا لا أُعجِزُ الأدباء بالقديم ولا أسدّ عليهم منافذ الجديد؛ أنا لا أطالبهم بفكرة لازمة ولا صورة واحدة، أنا أريد أديبًا يحفظ للأدب سمته وحدوده، أديبًا إن قال الناس من الأديب؟ قيل: هو ذاك؛ فصدّقوا غير مكذّبين !

الاثنين، 26 يوليو 2021

بطولة العطالة

 ‏{‏وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى‏}

أنت لا تملك إلا سَعيَك.. ليس آمالك التي تتخدّر بها، أو أفكارك التي تزهو بها، أو أحاديثك التي تدندنها، أو مُتعك التي تلهو بها.. ليس لك إلا ما عملت وما ظهر على لسانك أو جوارحك، أو نيّة حسنة وعزم صادق اطّلع الله عليه فأثابك عليه.

شاعت ظاهرةٌ منذ زمن حتى اليوم خاصة عند الشباب، وهي ما أسميها :"بطولة العطالة"؛ أي أنك لن يوضع لك القبول بين القوم ولن تبرز عندهم أحيانًا إلا إن كنت خاملًا عاطلًا متمددًا بين اللذّات والمتع، يغدو يومك ويروح بين نُصبها وتماثيلها ! حتى أنك قد تعمل وتتحرّك وتنتقل من هنا إلى هناك لكن شغلك هذا ما زال دائرًا في ظلال هذه المعاني السطحية غير مكلّفٍ نفسك بالغوص في الأعماق! بدأت ألحظُ هذا المعنى بارزًا في المرحلة المتوسطة بالذات، لا زلت أذكر تلك الأيام حين نرى طالبةً نجيبة متفوقة نشيطة تشارك في الإذاعات والمسابقات فإن هذا الأمر الذي هو سرّ تميزها يصبح ملمزًا فيها ومحط سخرية بها في أعيننا! ولا عجب أن أمسَتْ بفضل هذه النظرة كاتبةُ هذه المقالة طالبةً عادية بعد أن كانت من المتفوقات، وطالبةً مزعجة للمعلمات بعد أن كانت مؤدبة.. ليس هي فقط، بل كُنّ زميلاتها كذلك.. ثم لما انتقلنَ للمرحلة المتوسطة اجتمعن فيما بينهن وأخذن على أنفسهن عهدًا جماعيًا أن يتحدْن ويتمرّدن على ماضيهنّ المشرّف! والحمدلله أن هذا الاعوجاج اعتدل في نهاية الثانوية بفضل المعدّل التراكمي المُصلت على رؤوسهن! العجيب أننا كنا في متوسطة إدراتُها من أشدّ الإدارات في مدينتنا رقابةً على الطالبات وضبطًا لهنّ، وتُسجّل المشرفات التعليميات والمديرات بناتهن فيها لهذه السمعة، ورغم ذلك أبَينا إلا أن نطرح التعهدات والتهديدات بإبلاغ ولاة أمورنا بمشاغباتنا جانبًا ونستمرّ في غيّنا! أنا أقص عليكم هذا الخبر كمثال لترسّخ هذه العطالة في عقولنا اليافعة ذلك الوقت وحمل نفوسنا عليها رغم معاكستنا لتيار القوانين والأخلاق والعقل، وهذا ما نجده عند اليافعين والشباب حتى الآن متخذًا صورًا مختلفة في البيت والمدرسة والشارع وشبكات التواصل وغيرها، فتجد مثلًا الصورة المثالية للحياة عند الشاب أو الفتاة أن يجلس أمام الشاشة متنقلًا من فيلم إلى فيلم وبجانبه صحن الفشار والبيبيسي.. ثم يخرج المطاعم باحثًا عن ضالّته في وجبة شهيّة.. ثم يخرج لأصحابه ممضين لياليهم باللهو واللعب.. أو ترى الفتاة أن أحلام حياتها بين بريق المناكير وعلب المكياج أو صبغات الشعر والقصّات والملابس.. أو أن يعلّق أحدهما ثريّا حياته في السفر والتنزّه؛ فإن زُحزح عن بيته أو مدينته وذرع الأرض فهو من الفائزين! ولكن هل الأمر بهذا السوء ؟ من منّا لا يحب هذه المتع ويحب أن يتفسّح في أرجائها؟ كلنا يحب ذلك.. إلا أنه بالغ السوء حقًا حين تصبح الحياة دائرة عليها فقط، وبالغ السوء حقًا حين يؤدي هذا النوع من الحياة إلى قلب المفاهيم ومحوها؛ فلا يصبح للتفوّق معنى، ويصبح العلم والقراءة محض جدية وثقل، والإنتاج جهدًا وكدًا لا طائل منه، والعمل والإنجاز سفاهةً يشفق على أصحابهما العاطلون! أذكر مرةً في الجامعة كانت تدرس معنا طالبة متميزّة أنشأت من المبادرات والأعمال ما لا تفعله طالبة في عمرها الآن؛ فكنت أمتدحها أمام زميلاتي؛ فقالت إحداهن: "نعم.. ولكنها مسكينة لم تستمتع بحياتها!" قد ذهبَ من قال:

بصرتُ بالراحة الكبرى فلم أرَها

تُنال إلا على جسرٍ من التعبِ!


برأيي أن وجود هذا النمط في مجتمعاتنا يرجع إلى أسباب من أهمها:

تكريس هذه المعاني والصور في الأفلام والمسلسلات، وأن الحياة السعيدة لا تكون إلا بالتنزّه والتسوّق وشاشات السينما وحفلات الرقص والسمر مع الأصدقاء، حتى على مستوى الأمهات والعجائز؛ فتظهر هذه المواد مثلًا صورة الأم التي يكون استمتاعها بالوقت حين تقضيه في زيارات الجارات والصديقات، أو في مشاهدة البرامج التلفزيونية الترفيهية والمسابقات وغيرها فقط.. نعم هناك أفلام ومسلسلات تتحدث عن أشخاص ناجحين لكنها قليلة بالنسبة لغيرها وباعتبارهم استثناءً ومعدودين.. أيضًا سببٌ آخر مهم وهو أُمّ الأسباب حقيقة، ويرتبط مع السبب الأول وغيره بعلاقة عكسية؛ فكلّما زاد هذا نقص ذاك، وكلما زاد ذاك نقص هذا، ألا وهو غياب المرجعية الإسلامية ونصوص ومفاهيم الكتاب والسنة عن سماء الجيل وأُفقهم، ولا شك أن القرآن والسنة تؤسس لمفهوم الحق في الإنسان والكون باعتباره قوةً عميقة راسخة تصدع كل الباطل والخور والسطحية حولها وتشظّيها، وبرهان ذلك النظري مبثوث في نصوص الوحيين، أما برهانه التطبيقي ففي عمل القرون الأولى من الأمة وحضارتها، ثم انحدار هذه الحضارة شيئًا فشيئا وارتباطه بالابتعاد عن هذه المرجعية، رافق هذا الانحدار الديني انحدارًا نفسيًا وسلوكيًا يتمثّل في ضعف الهمة والهشاشة النفسية والميل للدعة والكسل وسفاسف الأمور، أيضًا من الأسباب التي ترجع للتدين وجود صورة نمطية منتشرة للشخص المتديّن الزاهد الذي يحصر تعبّدَه بعبادات ومظاهر معيّنة فقط ولا يوسّعها لدائرة تشمل العلم والبحث والحَرَكية والإنجازات الدَعَوية؛ فإذا تديّن الشاب أو الفتاة ينبغي أن يكون تديّنه بهذه الصورة المتخشّعة التي تعتبر الفاعلية والسعي ضربًا من الأمور الهامشية التي لا يُلتفت لها! أيضًا من الأسباب وجود فهم اجتماعي خاطئ يختزل النفع والعمل والفاعلية في مقاعد الدراسة أو الوظيفة والعمل خارج المنزل، وربّما هناك أسبابٌ أخرى، لكن بنظري هذه أهم الأسباب.

قد يعتبر البعض المراحل الانتقالية التي يمر بها الإنسان كمرحلة "المراهقة" سببًا لهذا الطيش واللامبالاة التي يعيشها الشباب الصغار.. حسنًا؛ سأخبركم أمرًا قد يُدهش بعضكم! في المرحلة المتوسطة ذكرت لنا معلمة الدين أنه لا يوجد شيء اسمه مرحلة "المراهقة" وأن هذا المسمى مخترعٌ غربي يبرّرون به طيش ونزوات أبناء هذه المرحلة؛ فجّرت كلمتها هذه إنكارًا واستغرابًا في عقولنا آنذاك، وعارضناها وجادلناها حميّةً عن طيش عمرنا وجهالته أن يخمد فورانَه أحدٌ ولا يطلق له العنان! ومنذ ذلك الحين وكلمتها محفورة في عقلي أبحث عن تصديق لها أو تكذيب..لتنبثق أمام عيني فيما بعد شواهد متواترة من السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي لفتية قادوا جيوش أو برزوا في علمٍ أو استلموا مهمات ومسؤوليات وهم لا يزالون بعد في مرحلة "المراهقة" وبعضهم دون الثامنة عشرة! كأسامة بن زيد رضي الله عنه حين كلّفه النبي -صلى الله عليه وسلّم - بقيادة جيش وهو دون العشرين! وأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها حين تركت أهلها المشركين وخرجت وحدها مهاجرة من مكة إلى المدينة وهي لا تزال صغيرة بل في السادسة عشرة كما قيل! ومحمد بن القاسم الثقفي حين قاد الجيوش وفتحت على يديه البلدان وهو لا يزال بعد في السابعة عشرة! والإمام الشافعي حين قال له شيخه "آن لك أن تُفتي" وعمره لم يجاوز الخامسة عشرة أو الثامنة عشرة ! وغيرهم وغيرهم.. فلماذا لم يجارِ هؤلاء نزواتهم واحتياجاتهم وخصائصهم العمرية ويفسحوا لطيشهم وغرارتهم العنان! أؤمن أن لهذه المرحلة خصائص متغيرة وميل للّهو وغرائز وشهوات ظاهرة، وأن ذلك مما يُراعى ويُنظر.. وهو كما قالت عائشة رضي الله عنها: "فاقدروا قدر الجارية الحديثة السّن الحريصة على اللهو"، ولكن أؤمن أن هذه المرحلة هي أوان تفجّر القوة والفتوة واتّقاد العقل وسيلان العاطفة والجموح نحو الحياة؛ فهي أولى أن تُحوّر للخير والعلم والصراط المستقيم؛ وما تسقيه اليوم تحصده غدًا، ومن شبّ على شيء شاب عليه؛ ويكفيك أن تعلم أن الإسلام ينظر للشاب أو الفتاة أنهما بمجرد بلوغهما أصبحا مكلّفين عاقلين، عمومًا هذه حلقة رائعة علمية موثّقة للأخ سعد القحطاني تحدثت عن مفهوم "المراهقة" وتطوره وتبدّله عبر السنين : (خرافة المراهقة)

إذن لا أسباب حقيقية ترجع إلى عمرٍ أو دينٍ أو فكرٍ قويم تبرّر أو تشرعن هذه العطالة، إنما هي أهواء وطبائع فاسدة وجاهلية حديثة ابتُلي بها شباب هذا العصر، والحل أن تُنشر دائمًا ثقافة العمل والنفع والانتاجية الخالية من الشوائب والمنظورات الاجتماعية والفكرية الخاطئة، سواء بنصوص من تراثنا الإسلامي، أو من ثقافات ومرجعيات أخرى؛ لأن الغرض أولًا هو الحشد لفكرة العمل في النفس واعتبارها خصيصة إنسانية تستقيم بها حياة المرء والناس.. أحب كثيرًا تأمل ما قاله أحد الصالحين: "يا بني، همّتك فاحفظها لأنها مقدمة الأشياء" وقد أوجز بهذه الكليمات اليسيرات دروسًا عديدة في تطوير الذات وفن الحياة والسعي للأحلام وتحقيق الذات! فمن لا همّة له، لا عمل له ولا إنجاز في صغير الأمور وكبيرها، ولاحظ قوله: "فاحفظها" لأن الهمة تُحفظ بالحركة والسعي، وتفسد بالكسل والعجز! مهما كانت ظروفك؛ أبقِ شعلة الحياة "الهمة" مشتعلة في أعماقك، ولو كان ضوؤها وإحراقها لا يجاوز إبهامك.. قد يأتي يومٌ وتصبح شمسًا ! عن عبيد الله بن زياد قال: كان لي خالٌ يقول لي: "يا عبيد هِمَّ؛ فإن الهمة نصف المروءة"، وأحب مقولة عمر -رضي الله عنه-: "إني أكره الرجل يمشي سبهللًا، لا في أمر الدنيا ولا في أمر الآخرة!"؛ قد تكره ما تفعله الآن لأنه بنظرك ليس من معالي الأمور أو من أمور الآخرة، ولكن حتى الأمور الدنيوية اليومية فعلك لها هو دلالة نفعٍ وحياة فيك، وتستطيع تحويلها لنيّة خير يمتد أجرها إلى الآخرة بإذن الله، المهم أن لا تكون "سبهللًا"؛ تحدثت الأديبة (ميّ زيادة) في مقالة لها رائعة بعنوان (غاية الحياة) عن أوجاع النساء وقتامة أرواحهن المتمثلة في داءِ واحد يسلب ما فيهن من ماء الحياة وبريق الإنسانية، ألا وهو "الفراغ" والفراغ من القيمة بالذات؛ تقول ميّ:


"كثيرات هنَّ التعبات اللاتي وقعن فريسة ذلك الشلل المعنويِّ، مولِّد المجازفة والانحطاط الذي يدعى: السآمةَ، فيجرين هنا وهناك هربًا منه مخاطِرات بما وجب صونه، ناسيات ما عليهنَّ أن يذكرنه، ومنهن من لا تطيق البقاء يومًا واحدًا بلا زيارات واستقبالات وأحاديث جارات وخالات وعمات، كأنها تخاف الاختلاء ومقابلة نفسها وجهًا لوجه فتفقد بذلك أعظم تعزيةٍ وأعظم أمثولة في الحياة، وإن أحسنت القراءة دفنت سآمتها في الروايات دون أن تفقه ما فيها من مغزًى اجتماعيٍّ أو أخلاقيٍّ، مكتفيةً بتتبع الصلة الغرامية والاستسلام إلى ما يُبديه أبطالُ الرواية من انفعالٍ اصطناعيٍّ مضخَّمٍ، جاهلةً أنها بتطلب ذلك التحريض القهريِّ تُطفئ نور ذهنها وتُضعف من نفسها جميعَ القوى حتى قوة الحب الذي ينتقم من مُهينيه ومُزيفيه انتقامًا صارمًا.


وكيف نتناول ذلك الدواء ونتغذى بذلك القوت الإلهي؟ السبيل واحد لا ثاني له، وهو: العمل، العمل الذي ينير العقل، ويفتح القلب، ويملأ الوقت، ويحبو الحياة طعمًا لذيذًا، ويروِّح النفس الواجمة، ويرضي الطباع الساخطة، ويصرف العواطف المتلازبة في منافذ ومخارج حسنة العائدة على المرأة الواحدة وعلى من يلوذ بها. فلتعمل المرأة أيَّ عملٍ ينتظر يدًا تقوم به، وكل عمل تشعر من نفسها بميل جِدِّيٍّ إليه، وسواء كانت مشتغلة لتعيش أو لتلهو، لا فرق بين نوع العمل من علم وفن وخياطة وتطريز وتدبير منزل أو بيع في المخازن، فالأمر الجوهريُّ هو الاجتهاد، ووضع قلبها وفكرها في ما تعمله لتتقنه وتكبر به مهما كان صغيرًا حقيرًا، ولكن لفظة الحقارة لا تصلح لمعنى العمل؛ لأن كلَّ عمل شريف في ذاته، وليس منظِّف الشوارع بين الغبار والأقذار بأقلَّ أهمية من الرجل العظيم في قصره بين التهليل والإكبار، ولا هو أقلُّ نفعًا لأمته وللإنسانية."


عثرت على مقولة مؤخرًا أحب استذكارها كلما شعرتُ بالضياع أو بهتت في عيني نضارة الحياة: "إنّ التشاغلَ بالدفاتر والمحابر  والدفاتر والدراسة؛ أصلُ التعبّد والتزهّد والرئاسة والسياسة"‏ ؛ أؤمن كثيرًا أن العمل والتشاغل بما نفعله ترياق فعّال لكثير من همومنا وأحزاننا، وأن الجلوس بلا فعل شيء هو موتٌ بطيء يزحف على أعضائك واحدًا تلو الآخر زحف الثعبان، وكلما كان العمل جيدًا زاكيًا كلما جاد العقل وزكا الفؤاد وتفتحت في روحك أزاهير الحياة الطيبة! وإلا فما هي الحياة الطيبة؟ في القاموس المحيط: طابَ يَطِيبُ طابَاً وطِيباً وطِيبَةً وتَطْياباً: لَذَّ وَزَكَا، أي أن جواب الحياة الطيبة ببساطة هو : اللذيذة الزاكية، وما معنى اللذيذة الزاكية؟ (اللذة) في معجم لسان العرب هي: نقيض الألم،و(الزكاء): تأتي بعدة معانٍ ، وأصلها في اللغة كما في لسان العرب: الطهارة والنماء والبركة والمدح، أي أن الحياة الطيبة ليست فقط في الأشياء التي نستلذها، أو أن مفهوم اللذة لا يقتصر على الغرائز والمحسوسات كما اعتدنا أن نتصوّر، بل الأشياء التي نستلذها وتزكو بنا، اللذائذ الزاكية، المجردة والمحسوسة، الغائبة والمشهودة! فعلينا أن نبحث عن الحياة الطيبة في هذين الأمرين: اللذة، والزكاء، ولن تجتمع اللذة والزّكاء إلا في عمل صالح في الدنيا والآخرة! 

قد يرى العاطلون أن العمل إتعابٌ للعقل وخدش لنعومة الجسد وإرهاق للروح، وأن المتعة والراحة أن تبتعد عن ذلك، ولم يتفكروا يومًا أن متعتهم وراحتهم هذه ميّتة باردة لا طعم لها ولا لون، وأن طعم المتعة والراحة الحقيقية تُذاق بعد العمل.. بين أوقات الإنجاز.. في توازنات الحياة وإعطاء كل شيء حقه؛ فهكذا لن يُضيّع العمر ولن تُهمل الراحة ولن تُلغى البهجة والمتعة.

السبت، 10 أبريل 2021

بين مدينتين


 

مرّ عامٌ ونصف تقريبا على زواجي وانتقالي للعيش من "الخرج" المدينة التي ولدت وعشت فيها ومنها أهلي إلى "الرياض" عاصمة البلاد ومدينتها الكبرى التي لا تنام، وأنا لا أقيس الوطن بالبلاد التي ننتمي إليها أو الجنسية التي عُلّقناها أو المدن والقرى التي وُلدنا فيها أو غيرها من أشياء اكتسبناها ولم نخترها.. نعم كل تلك فيها معنًى من الوطن ..ولكن الوطن الحقيقي برأيي هو ما حوته حدود صدرك وجرت فيه عروق دمك وبُسطت له أرض قلبك وهبّت عليه أرواحٌ من روحك.. الوطن هو الشعور الذي يسعك والحب الذي يدفئك والسكينة التي تمدّك وتمتدّ بها ولو كان مداها وأقصاها الحي الذي تعيش فيه أو حتى جدران بيتك أو غرفتك، الوطن هو صوت أبيك وابتسامة أمك ومناكفة إخوتك واجتماع قرابتك وضحكات أصدقائك وشمسٌ تداخلك أشعتها كل صباح وعصافيرٌ تضج قرب نافذتك وليل تغشاك سكينته وسَحَرٌ تُجلّلك قدسيته وأريكتةٌ ألِفتَ القراءة عليها ورفوفٌ تُغريك كُتبُها وطعامٌ مذاقه حنانُ أمك وقهوة نشوتُها تحلُّقُ عائلتك وطفولة حيّة وفتوةٌ نزقة مستوفزة وحاضرٌ طامحٌ وما هو أكثر وأكثر مما استوطنك قبل أن تستوطنه ومما هو "وِطـاء" ليّنٌ رحْـب قبل أن يصير "وطن"؛ لذلك نحب المدن ونحامي عنها، ولولا ذاك لاستوت "الخرج" مع باقي المدن، ولم يكن لها من فضيلة عندي سوى أنها منبت عائلتي وموطن أجدادي، وهي مع ذلك فضيلةٌ لها حنينٌ يعزف على وَتَرٍ لا ضاربَ لعوده سوى أنه ممتدٌ كدماء الأجداد السارية في عروقك، ولو تأملت المعنى الذي ذكرته لوجدت أنه وحده الذي يزن لفظ "الوطن" وزنًا لا زيادة فيه؛ فكم من شقيٍ يعيش في وطن آبائه وأجداده ودار طفولته وصباه وهو مع ذلك يخطو فيه على مثل الشوك؛ ينزف دمه ويُنكّد عيشه، وكم من سعيد يعيش في وطن آخر غير منبت أهله وأصله، وهو مع ذلك على مثل ريش النعام؛ ليّنٌ وطاؤه رغِدٌ عيشه.. هذا هو المعنى الخاص للوطن، وهو ألصق بالفرد من المعنى العام؛ والمعنى العام هو ما تعارف عليه الناس بينهم؛ وهو قطعة الأرض الكبيرة المترامية الأطراف التي يعيش فوقها مجتمع من الناس اتصلوا بينهم برابطةٍ ما، والدين أو اللغة أو الثقافة والهوية هي العُرى الأكيدة التي تشدّك لهذا الوطن، وبحسب وجودها فيك بحسب وجود الوطن فيك، والأغاني والقصائد والأعياد الوطنية بواعثٌ من أخطر وأوهى البواعث في آن لمثل هذه المعاني الوطنيّة، ولو عُدمت هذه البواعث في بعض الأوطان الفاسدة لانقطعت أسباب الانتماء بينها وبين مواطنيها، وعادت محبتهم سبابًا، واستيطانهم اغترابًا!


أحب في "الخرج" مزارعها التي تحوطها، تربتها الرطبة، وهواءها الذي يتنفّس الزروع.. زافرًا رائحتها خلَلَ بعض أرجاء المدينة، نخلها الوفير، وتمرتها الطيبة، وعيونها السحيقة التي يتعب المطر في ملئ أغوارها؛ أرضٌ يكتب الماء قصتها ويصوّر معالمها، فكانت تسمى سابقًا بـ "السيح" وهي الآن "الخرج"؛ والسيح مأخوذ من سيحان الماء من عيونها، والخرج من خراج الأرض من الزروع، وكلا الاسمين وجهان لصورة واحدة هي النبع والخضرة، أحب فيها مدنيّتها التي لا زالت منقسمة بين الجِدّة والانفتاح، والتقليد والمحافظة.. تشدّها إلى الأول ضرورةُ الزمن السائر، وتبقيها على الثاني ضرورة الهوية والماضي الحاضر، يدعوها إلى الأول قربها من الرياض وتردد أهلها عليها، ويثبتها على الثاني أنها لا زالت تلك المدينة التي تخفي في داخلها طباع القرية.. فلا هي تلك، ولا هي تلك.. أحب أنها مسقط رأسي وملعب طفولتي ومدرج شبابي وتراب بيتنا وموطئ قدَمي والدَيّ وكفى، وإن لمعاهد الصبا وذكرياته لصوقًا بالقلب وأطلالًا لا تملك إلا أن تقف عندها يموج بك الشوق والحنين.. وإن عشنا فيها أيامًا صعبة ومسّنا فيها الضرّ :

كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى

وحنينه أبدًا لأول منزلِ


أحب في بيتنا اتساعه بالحب قبل اتساعه بالمكان، وحبوره بالطمأنينة قبل حبوره بالنور:

أحبِب فيغدو الكون قصرًا نيرًا

وأبغض فيمسي الكون سجنًا مظلمًا


ويقال أنه حين ضاق بميسون الأعرابية قصرُ معاوية بن أبي سفيان الفسيح وتمنّت العودة إلى خيمتها النائية في البادية أنشأت تقول أبياتًا من ضمنها:

وبيتٌ تخفقُ الأرواح فيه

أحب إليّ من قصرٍ مُنيفِ!


فطلّقها معاوية وعادت إلى خيمتها مغتبطة جذلى.. إنما يعمر مسكنَ الإنسان نفسُه؛ فإن نهضت فيه نهض، وإلا انهدّ وتقوّض!

وأحب في بيتنا غرفتي.. تلك الجنة الصغيرة المبنيّة من رخامٍ وجدار! غرفتي التي تعاقبت عليها فصول نفسي وحُفرت فيها أعماقها وأغوارها.. وسادة دموعها ومخدع آمالها وأريكة تأملها ونافذة فكرها وخيالها.. غرفتي المفتوحة على الشرق فهي تشرق مع الشمس؛ وقد عببتُ من وحي هذا الإشراق ومعناه الكثير، وامتزج ضياؤه مع معنى اسمي "نورة" فشكّل في نفسي شمسًا أخرى لا ترضى بالأفول، وإن دارت عليها كُرة الحياة دورتها يُعزّيها أنها ستشرق من جديد. كان من عاداتي في بيتنا والتي لم أنقطع عنها حتى الآن المشي قبل الغروب في الفناء وترديد الأذكار والتسابيح مع الطير وتحت السماء المتموجة بصُفرة الأصيل.. لحظاتٌ ساحرة مليئة بالبهاء والجلال، وخفّةٌ في النفس كخفّة ذلك النسيم الذي اشتبه عليه أمرك: أأنت ريشة أم إنسانٌ طائر؟ ليحملك معه! تلك الذكرى هي كالشذرة الذهبيّة من جواهر تلك الذكريات.

يقع بيتنا في طرف الخرج، أو في ضاحيتها تقريبا، في حيّ تكثر فيه الأراضي الفارغة إذ لم تعمّر بيوته كلها بعد، وعلى بعد كيلومترات منه تقع مزارع غنّاءَ بالنخيل الباسقات، كان لهذا الموقع أثره في ازدحام سمائنا بالعصافير، وفي الهواء الذي نتنفّسه ونقائه وهبوبه ورائحته المنعشة أحيانًا.. حتى إن اسم حيّنا "حيّ الورود"؛ فكأن زكاء الهواء نسيمُ بستان مترعةٌ أرضه بالورود. أزعم أن لذلك الجو الذي كنت أعيش به أثره في شخصيتي وأدبي، والإنسان يتطبّع بما يحيطه أيضًا، والرافعي يقول:

"وإنما قوة الشعر في مساقط الجو، ففي كل جوّ جديد روح للشاعر جديدة؛ والطبيعة كالناس: هي في مكانٍ بيضاء، وفي مكان سوداء، وهي في موضع نائمة تحلم وفي موضعٍ قائمة تعمل، وفي بلد هي كالأنثى الجميلة، وفي بلد هي كالرجل المصارع؛ ولن يجتمع لك روح الجهاز العصبي على أقواه وأشدّه إلا إذا أطعمته مع صنوف الأطعمة اللذيذة المفيدة ألوانَ الهواء اللذيذ المفيد" 


ثم تزوجت وانتقلت للعيش في الرياض تلك المدينة المضطربة اضطراب الطريق في الجبال.. صاعدًا ونازلًا،  لا تهدأ، متفجرة بالناس.. وبالفرص والأرزاق والترفيه كذلك، وقد أخذتُ من طبعها الذي لا يهدأ طبعًا لحياتي وأسلوبي بعد الزواج إذ أصبحتُ سيدة منزلٍ مستقل وربّة أسرة جديدة بإذن الله، فزاد جهدي ومسؤولياتي وأصبحت في وقتي ساعية بين أعمالي المختلفة. وحين افتتحتُ حياتي الزوجية في بيتي الجديد كان من أصعب ما واجهته هو نقل الإلف الذي صحبته والتناغم الذي راقصته والقرار الذي تنعّمته في/ من بيت أهلي إلى عشي الصغير هذا.. لم يكن الأمر سهلًا لفتاة ألوفةٍ و(بيتوتيةٍ ) مثلي تُكنّ الوفاء لأصغر شيءٍ أحبّته وصاحبَته زمنًا! كنتُ أبحث في عشّي الصغير عن زوايا بيتنا.. عن جدرانه وأنواره الشمسيّة الداخلة من فتحاته المتعددة .. عن أشياء كثيرة فيه! ولكن الزمن مرّ، ويومًا بعد يوم كنتُ أعقد مع الأشياء الجديدة صداقةً.. فإلفًا.. فتعلّقًا.. فوفاءً .. فجمالًا وإحساسًا فريدًا مختلفًا! أن أكون سيدة منزل مستقل وهذا المنزل هو (مملكتي) أنا بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.. ثم أن تكون هذه الوظيفة لها ما بعدها إذ ستثمر بإذن الله أبناء وأسرة، ولها ما قبلها ومعها وبعدها : زوجٌ وحبيب وشريك قلبٍ وحياة بإذن الله.. أنتِ له وهو لك كشجرة يُستظلّ بها أو يُجنى من ثمرها.. بردًا في الضرّاء وغدقًا في السرّاء؛ أن أكون في كل ذلك هو هبةٌ إلهية وعطاءٌ ورزقٌ جميل! 

أعطاني الزواج أشياءً قد لا أتحصّل مثلها في العزوبية؛ أولها أني أحببتُ الطبخ كثيرًا وكأني ولدتُ في المطبخ! كنت أطبخ في بيت أهلي ولكن ليس بصفة مستمرة وبمساعدة الخادمة، فضلًا أني كنت كثيرًا ما أفعله إرضاءً لأمي ليس إلا، ولكن حين تزوجت مارسته أولًا على طريقة :"إذا كنت مُجبرًا فاستمتع" ثم هداني الله سُبلَه وأحببته وأدركت أنه فنٌّ وذكاء يُتقن بالإحساس ويلَذّ بالحبّ.. ثم أي شرفٍ أحسنُ من أن تدلّل بطنك؟ ثم تكون بعد ذلك أنت من صنع هذا الطعام اللذيذ؟ :)، ومهارات منزلية واجتماعية عديدة أزعم أني لم أكن لأكتسبها وأنا فتاةٌ منزوية في ظلّ والدَيّ.

في كنف هذا التغيير الظرفي والحياتي تغيّرت شخصيتي واهتماماتي؛ حتى قراءاتي وميولي العلمية تغيرت بدرجةٍ ما، وقد فصّلت شكل هذا التغيير هنا، ولا يُلام المرء على ذلك ولا يُستغرب، بل الغرابة أن يكبر عمرك وتتلقّفك الظروف وتمرّ عليك الأحوال وأنت ثابتٌ على حالك، وهذا لا يدل على صلابتك كما تزعم وتكابر، بل يدلّ أنك خشبة أو جدار لا بشر وإنسان ! حين أصبحتُ زوجة أصبحت اهتماماتي وميولي قويمة كالمسؤولية التي تقلّدتها والميثاق الغليظ الذي صرت طرفًا فيه؛ فكان لذلك أثره على الأدب والكتابة.. أصبحتُ منظّمةً وجادّة أكثر، والأدب مُنسرحٌ وليّنٌ أكثر..  فتغيّرت على الأدب وتغيّر هو عليّ؛ صرتُ أمكث المُدد الطويلة لا أمطر منه قطرة، وإن جاءت فهي واحدة لا تروي الغليل، أو يجيء غيثه معه ظلماتٌ وبرق ورعد؛ تقصف أفكارُه أو تخطف الأبصارَ حُجَجُه، ليس له من المعنى الرقيق والإحساس الجميل إلا قطراتٌ تتساقط عليك هنيهة قبل أن يروعك مرة أخرى صوت رعده وضوء برقه.. وهذا الأمر له حسناته كما له سيئاته.


وبعد، فإن سألني سائل: أين تجد نورة نفسها وأين تلقي عصا روحها فتقول أن هذا هو وطنها: الخرج أم الرياض؟ هذا البيت أم ذاك؟ 

مرة أخرى: لماذا نضيّق معنى الوطن ونحصره في بقعةٍ معيّنة وصورة شاخصة وكأنه لفظٌ خلَعَ معناه أو قصةٌ مُسحت شخوصها أو خبرٌ أُهملت حقيقته؟ ألا يكون معناه أكبر وأصغر في آن؟ ألا يكون يكون واقعًا في روح الإنسان قبل أن يقع في الخريطة .. فيكون وطنًا متنقلًا يحمله معه أينما يذهب؛ فروحه تلقي على الموجودات انعكاسها، وتتجاذب مع أشباهها هنا وهناك فيتحقق له وجودٌ ووطنٌ أينما يكون؟ نعم.. كلهم أهلي، هناك حبيبٌ وهنا حبيب، وأنا لكليهما أنتمي.

الأحد، 21 مارس 2021

انبعاثي الأول

يخيل لي أن الكتابة الأدبية خُلقت لي؛ فحين كان لكل أحد وجهةٌ هو مولّيها كانت هي وجهتي وغايتي التي هديتُ لها وجعلت لي، وأني مهما يمّمت وجهي في المناحي وظننتُ أن في الأرض مُراغمًا كثيرًا وسعة لا أزال أُكتب ضائعًا وأُحسب في عداد المفقودين؛ فمن يُخرج من بيته فهو طريد، ومن يأوي إلى غير حماه فهو لاجئ، ومن يسكن بيت غيره فهو مغتصب وإن قزّحه وزيّنه واستبدل فيه جديدًا بقديم.

هناك عند باب غايتي سادنٌ يسأل عن موعد قدومي كل مرة، يحصي الأيام والساعات حتى أعود، يتفقدني دائمًا ويسأل عني في الطرقات والفيافي والسهول المجاورة، ويجدني أحيانًا منهكةً شعثاء غبراء هائمةً على وجهي أكاد أسقط من التعب.. فيملأ قربتي من الماء، ويهذب شعري ويمسح على وجهي بيديه المباركتين فتسري في جسدي رعشةٌ تعقبها يقظة، فيظل يحدثني حديثًا كحديث الأوائل فيه قبس من نور السماء يذكرني فيه بالأمر القديم لا يبلى، وبالماضي ساريًا لن ينتهي، وبالذكرى حادثةً تتجدد، وبالحلم عتيدًا في المنام واليقظة.. يذكرني بفطرتي وانبعاثي الأول، بالأدب معجونًا في تُربتي متشكلًا في ملامحي منفوخًا في روحي.. بصفوةٍ منه رُزقتها وبسطةٍ منه أُعطيتها.. أقبضها حتى كأني أمسك كل شيء، وأُرسلها حتى كأني أذرو كل شيء هباءً منثورًا تبعثره وتبعثرني الرياح معه في كل واد.. فمالي بدّلتُ وتبدّلتُ حتى كدتُ أمسخ نفسي؟! ماذا ارتضيتُ غير الأدب حتى أعرضتُ عنه؟ ارتضيت؟! نعم ارتضيتُ! لا يصلح في هذا المقام إلا الرضا! فمن اختار وطنًا آخر عن وطنه لن يطير إليه إلا بجناح الرضا والاطمئنان، وإلا لما اختار عن وطنه بديلًا! نعم لقد ارتضيتُ عن الأدب شبيهًا ونديمًا آخر لا يمكن أن يكون هو..ارتضيتُ عنه مواضيع فكرية أو معرفية، رأيتها أنضج منه ثمرة وأنجع منه فائدة فخلعت عليها خاصّة وقتي وأرويتها ماء عقلي وفكري.. ولكن أين الفكرة من الخطرة؟ وأين الحقيقة من المجاز؟ وأين العبارة من الإشارة؟ وأين الضجيج المزدحم من المخدع الهادئ اللّين؟ وأين الصخور وعرةً من السهْل الوطيء؟ وأين العصافير صادحةً تتجاوب بالتغريد من الأزهار صامتةً تتراسل بالأريج؟ أين النفس يتكشف بعضها للآخر وكأن الأحرف تتراصّ كجيش عنيد يسقط أسوار النفس ويفتح الطريق للقلم حمًى مستباحًا يفعل به ما يشاء ؟ 


"ابنتي -قال لي السادن- : الأدب طيرٌ من السماء لا يحط إلا على الغصن البهيّ المورق، وذاك غصنك أنتِ .. الأدب روحٌ في الفضاء لا تراها إلا الأرواح اللطيفة الشفافة، وكذلك روحكِ أنتِ .. 

فحذارِ أن تُقذف في الماء كراتُ الطين، وحذارِ أن تجرف القاصدَ حشودُ المُدبرين، وحذارِ أن يرتدي المرء ثوب غيره وإن كان أبهى من ثوبه، وحذارِ أن تُشغل الشجرةُ بأمرِ الوردة، وأن يحدق الحمام في النحل متمنيًّا تذوق الزهرة.. يا ابنتي؛ أنتِ هناك.. رُفعت المحاريب وأذّن مؤذن الروح وانتصبَتْ الأقلام واصطفت المعاني وقامت صلاة الأدب" وأشار إلى الأدب حيثُ غايتي.. ومضى عائدًا نحوه.

أما أنا فظللتُ أحدّق فيه شاردةً حتى توارى.. ثم انتبهت فجأة وأكببتُ على آثار قدميه أحفرها بعمق حتى لا تمحوها الريح بسهولة.. فأضيع!

السبت، 6 مارس 2021

إن شأنكنّ عظيم!



 لو أن ملكًا أرهب البلدان وأخضع الملوك وأكل جيشُه جيوشَ الأرض مجتمعة وأهلك الحرث والنسل وشَكَت منه الأرض وضاقت السماء، وحتى في خاصّته وأهله هو الفزع المهول والشر المستطير.. يبتعد عنه كل من مرّ بجنبه رعبًا كأنه ملَك الموت، وإذا أمرَ أمرًا طار الجميع لتنفيذه كما تطير الغزلان هربًا من زئير الأسد، وإذا نهض من عرشه انتصبوا جميعًا كانتصاب الأعمدة لا تسمع لهم ركزًا.. هذا إن كانوا يجلسون قبلها! لو أن ملكًا كذلك لَحلَف كل من سمع به أن هذا لا يخضعه شيء إلا المرض المقعد أو الموت.. ولكن لا.. وُجدت ملوكٌ وعتاةٌ مثله وكان من أخضعهم كائنٌ لطيف روّضهم كما تُراض الوحوش؛ كائنٌ ليس له سلاحٌ أو قوة إلا نعومةٌ هي أحَدّ من السِنان، ورنينُ حُليٍّ هو أفتك من صلصلة السيوف، ودَلٌّ هو أقوى من ألف إقناع، وتمايلٌ  هو أخدر في الرأس من سِنةِ الوسنان، وشفتان كالثمرة النضرة في البستان، وصوتٌ وهمسٌ كطعم النغمة الحالمة لدى العاشق الطربان.. إنه المرأة.. المرأة المعشوقة؛ التي بلغت من سحرها وجلالها أن أخضعت الصخر وفجّرت منه الأنهار؛ واسألوا هنري الثامن ما الذي أحدثته في قلبه ومملكته آن بولين، واسألوا كيف عقلَت شهرزاد جنون شهريار وسكّنت شرره، واسألوا عابدًا زاهدًا متحصنًا في صومعته محكمًا إغلاقًا عليه أبوابها وأبواب نفسه.. فارًّا إلى أغلال خشيته وتقواه كيف خرقت تلك الحُجب وأزلّته من ذرى التقوى إلى قاع الرذيلة مليحةٌ في خمارٍ أسود، واسألوا الملوك والسلاطين كيف تسلّلت نساءٌ وجواري إلى مستودعات سرّهم ومعاقل رأيهم التي لا يجرؤ على الولوج فيها أحد.. فصرن شريكات حكمهم ووزيراتهنّ المحجوبات اللاتي يُصدر عن رأيهن ويُسمع كلامهن! والسلطانة هورم والسلطانة كوسيم مثالٌ لا حصر ! 

وربما لا تكون تلك المرأة أجمل النساء وأحسنهن.. قد يكون غيرها أجمل منها، ولكن اجتمع فيها من الأنوثة ما فاض عنها وغمر الرجل الذي عشقها، والأنوثة سرٌّ يختلف كنهه من امرأة لأخرى، ويدرك أمره كلُّ رجلٍ وقع في روعه ومضٌ منه، والجمال بعضٌ من الأنوثة وليس كلّها.. إنها قوة المرأة وجبروتها الذي تعمى عنه أعين الرجال وتدركه قلوبهم حين يمسّها طائفٌ منه! خدَعهم منها رقّة طبعها ولين جلدها فصوّروها ذلك الكائن الضعيف الذي يحتمي بأكتاف الرجل، ولكنها القوية جدًا للحد الذي تخضع فيه أقوى رجل بلا سهم أو سيف :"مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ" ويستعمل كثير من الجهلة عبارته -صلى الله عليه وسلم- : "ناقصات عقل ودين" لتحقير المرأة وإرخاصها، ففضلًا عن أنهم لم يحفظوا من الحديث كله إلا هذه العبارة ولم يطّلعوا على بقية كلامه -صلى الله عليه وسلم- فإن فيها شهادة قوتها لو فقهوا! فانظر مقدار تعجبه -صلى الله عليه وسلم- في قوله :"ما رأيت!" ثم تبيينه ذلك باجتماع النقيضين اللذين هما عُنصرا كلِّ عجَب؛ وهما هنا : النقص والقوة، فحين التقيا غلب النقص القوة! فانظر كيف طارت الرجولة شعاعًا بحضور امرأة! 


وليست قوّة المرأة محصورة باستوفازها قلوب الرجال واقتيادها لهم بجمالها وفتنتها؛ بل تكون أيضًا بحصافتها وحسن رأيها وتدبيرها كما هو الرجل، بل تزيد قوتها بذلك وتصبح لفتنتها وأنوثتها أنيابًا يُخشى منها أو يُستسلمُ لها، ويصبح لرأيها اعتبارًا عند اثنين: المقسط من الرجال، أو المحب المستهام؛ بل يصبح لرأيها سلطانًا عند المحب المستهام أقوى من رأي الرجال مجتمعين! أما غيرهما من الرجال فينكر تلك القوة والحكمة ويصرّ أن يردّها إلى ضعفها وسفهها الذي يتصوره ويراه؛ وكأن المرأة عندهم لا تصبح إنسانًا إلا إذا كانت محبوبة، ففتنتها وتأثيرها هو انعكاس قلوبهم عليها، لا انعكاسها هي عليهم! ولو لم يشهد القرآن لبلقيس لرأوا أنها أخطأت وأصاب من حولها من الرجال! 

والمرأة التي لا تفهم من الأنوثة إلا الضعف الخانع والغَنَج السمج والخواء المائع فهي وإن اصطبغت بألف لون 

وتلمّعت بالأساور والحُليّ لم تكن زينتها إلا أصوات الشهوة ونداءات اللذة؛ ثم ماذا؟ كالحيوان يُمضغ لحمه ويُهضم.


لا.. ليست هذه الكلمات فتنة وتزيينًا.. أو إعلان حرب بين الرجال والنساء؛ بل تذكيرٌ للمرأة أن تميس اعتزًازًا بسحرها وسلطان أنوثتها ويشرّئب عنقها فخرًا وكبرياءً، أن تطيف حول طبيعتها كأنما هي معجزة تُقدّس وتُعظَّم.. كائنٌ يخضع كائنًا آخر يظن أنه الأقوى -ليس من المرأة فقط ولكن ربما من الكائنات كلهم- ألا يحق لها بأن تفخر بإركاعه؟! ولا عيب أن يقال بأن المرأة تؤدي وظيفتها إذ تستميل الرجل لسلطانها.. وهل تُعاب الحاجات والغرائز في لغة الطبيعة ؟ وهل يُسأل لمَ تسعى النمل أو هل تُلام على طيرانها الفراشة؟ ومن الذي يقول للطرف الكحيل اقصُر ولا تنظر؟ وهل تلامُ الحاجة أو يُلقم فمُ الشوق بحجر؟! وهل يُقال للفنّ اعجب بنفسك ودُر حولها، لا تسأل غيرك عنك، يكفيك أنت منك!

سعي المرأة للرجل وسعيه لها تفريغ للطبيعة مهما جحدت الجاحدات أو شمخت المتكبرات! المرأة قوية بأنوثتها، عزيزة بسحرها.. ولكن كل ذلك يتقوّض إن ظنّت أنه لوحدها؛ المرأة نبات مرتفع وارفٌ مستغنٍ بنفسه يُسمّى لوحده: شجرة، وهي بانتمائها لحضن أوسع حولها تتناغم به وتنسجم معه يسمّيان: طبيعة، ولا وجود للشجرة إن لم توجد الطبيعة، ولا تمام للطبيعة إن لم توجد الشجرة.


وليست العلاقة بين المرأة والرجل علاقة مفاضلة تؤدى بالميزان فمن رجح فهو الأفضل وغيره هو المفضول، كيف وهما لا يجتمعان حتى يفترقان ولا يفترقان حتى يجتمعان .. فكيف يُحكم بينهم؟!.. كوكبان تولّدا عن سماء واحدة؛ شمسٌ لا ينبغي لها أن تدرك القمر، أو ليلٌ لا يسبق النهار.. جمعتهما الإنسانية وفرّقتهما خواص وطباع شتى تؤلف كل منها نظامًا مختلفًا عن الآخر.. فمتى يُدرك أن المرأة نظام مختلف قد تنقلب فيه المعاني وتتضاد عن التي عند الرجل! فضعفها كما يسميه الرجال هو في نظامها قوة! ولا أدلّ على ذلك من قوله -صلى الله عليه وسلم "فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ،"؛ فانظر إلى عبارته :"فإن ذهبتَ تُقيمه كسرته" فأنت أيها الرجل لا تستطيع أن تحوّر هذا "الضعف" لـ"قوة" كما تفهمها أنت، دعِ الاعوجاج وشأنه.. فهو قادرٌ رغم انحنائه على إخضاعك! واتركي أيتها الجاحدة ذلك الضعف وشأنه، ولا تحاولي إلباسه ثيابًا تُخفي حدَبه وانحناءه، واقطعي إن شئتِ كل سبيل وتفرّقي في كل واد حتى تبلغي قوة الرجل، ستدركين لاحقًا أن غايتك في مبتدئكِ؛ عند الفطرة التي ضيعتِها! 

اللافت أن هذين المتناحرين من الجنسين تجد أن كلًّا منهما قد أغلق عليه نفسه وقُلبت عيناه إلى الداخل فلا تنظر إلا إليه وطُبّقت يداه على خاصرته كهيئة المستكبر المتحدّي.. فلسان أحواله كلها يقول: "وماذا لي؟ وما لي أنا؟!" .. ولو أنهما فتحا باب نفسيهما وأهرقا من دلوِ قلبيهما صبابة تمتزج بصبابة الآخر لطأطأت الريح ولأوْرق الشوك وصارا لبعضيهما سكنًا ومودة ورحمة؛ ومن وُفِّق في علاقته وذاق طعم الاستقرار الزوجي والعاطفي عرَف حلاوة الآخر وأنه لا غنى عنه، ورأى دعوات التفرّد والتمرّد الفجّة ضلالًا وتحريش شياطين، أما المتطوّح المهتز فتارةً سيلعن الرياح لأنها تحرّكه وتارة سيشتم الطين الواقف عليه لأنه يُزلقه وتارة يسبّ الذباب الذي يحوم عليه لأنه يُشتّته وتارةً سيلعن أهل الأرض وتارة سيناكف الفطرة وتارة سيغاضب السماء و....


تسب الجاهلةُ الرجال وتلعن الأعراف والمجتمع والقانون ثم هي تتبعهم في كل طريق وتطلع لهم في كل ناحية وتطلب المساواة معهم في كل أمر ثم تسمي نفسها خداعًا "نسوية"! استقلالٌ ليس سوى اسم.. وتفرّدٌ هو المجاز لا الحقيقة! فلتتمثل النسوية إذن كنظام متميز لوحده..يتبع صوت أنوثته وفطرته.. وينظر أمامه فقط حيث طريقه ووجهته ولا يتلفّت إلى غيره!: 

"ولَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا"

الأربعاء، 13 يناير 2021

سبعٌ وعشرون دُرًّا من عِقْد أعوامي

 التاسع والعشرون من جمادى الأولى ..

أكملتُ عامي السابع والعشرين ..


هناك سنوات فارقة في عمرك، ليس بأحداث ضخام أو أمور جسام مررتَ بها، بل بشيء كان يعتمل في داخلك لا يراه الآخرون، أنت فقط كنت تبارزه وحدك بعيدًا عن الأعين! عامي السابع والعشرون هو نضجٌ سريع.. كأن منجنيقًا قذفني فجأة إلى قمة صرت فوقها أتأمل العالم ونفسي: ما الذي رماني فجأة إلى هنا؟ ومن أنا؟ ومن أولئك الناس في الأسفل هناك؟! كنتُ أتغيّر ولا أشعر بذلك في نفسي، كان التغيّر كظلي الذي يرافقني أينما أذهب، وهل يستغرب المرءُ ظلَّه ؟ لا .. هو ظله، وظله هو، الآخرون ربما لاحظوا ذلك! أرسلت لي صديقتي الأقرب لي ثقافة وأدبًا قصيدةً لأحد شعراء تويتر تطلب رأيي فيها؛ لم أمهلها تأملًا وتحليلًا حتى وصفتها بالسخف وهاجمت شاعرها- وكانت بالفعل سخيفة بعض الشيء-، فردّت عليّ مستغربة مندهشة من جوابي واندفاعي قائلةً: "نورة.. لقد تغيّرتِ كثيرًا! أصبحتِ عقلانية ومنطقيّة أكثر، لاحظت هذا الأمر فيك واضحًا بعد الزواج!" لم تكن في الواقع تمتدح عقلانيتي، بل كانت تذمها، كانت ترى أنها سلبتني رِقةً عرفَتني بها، وعاطفةً رزينة؛ لا جيّاشة ولا ناضبة، فإذا بهذه العاطفة تُزحزح ويحل بدلًا منها عقلٌ وافر، ووقار لا مذموم ولا محمود.. إلا أنه ليس لأمثالي! لا لم تُمسخ مني تلك العاطفة تمامًا، ولكنها لم تُتح لها الفرص للخروج كثيرًا! والمرء يتطبّع بما يزاول من أعمال، وبما يعالج من أفكار، وبهما يتغيّر مزاجه وتتشكّل نفسه.. فحين تزوّجت أُلقيت عليّ المسؤولية إلقاءً وكأنها كانت ماءً أُهريق على وجهي فاستيقظت به من نومي بغتة بلا مقدمات، لا لم يكن حجم المسؤولية التي تقلّدتها كبيرًا بقدر ما كان معناها واسمها.. أن تصبح مسؤولًا فجأة.. أن تصبح اليوم أميرًا لاهيًا وغدًا تصبح ملكًا مسؤولًا، أن تؤسس أسرة فتسكن رمالك ويتصلّب طينك.. لتصبح جبلًا ترسو تحته الأرض ويستقر به المجتمع.. هي مسؤولية أيًا كان مقدارها! ثم إن هذه المسؤولية لا تقنع بمكانها ودورها فقط، بل لا بد أن يصيب معنى الحياة كله بالنسبة لك شيءٌ من بَلِلها؛ ستنظر للحياة بعين الجِد، وستسحب عليها قدماك بثقل، وفي الوقت ذاته ستجري.. وستركض.. وتحاول أن تلحق في عمرك الصغير خطوات الكبار وعقولهم، لا وقت لديك ! أنت الآن مسؤول، الوقت لن يكون طواع أمرك.. عليك بالمهمات والشاهقات.. لا تشغل نفسك بالتوافه، والنتيجة: عقلٌ يتضخّم ونضجٌ يسرع، وعاطفةٌ مسكينة تكاد تخرج رأسها من بينهما.

ليس الأمر بهذا السوء، فبحمدلله نهلتُ خيرًا كثيرًا؛ زاد إقبالي على العلم الشرعي ولم أزل منه في ازدياد والحمدلله، وأقبلت على غيره من العلوم النافعة الجادّة، ولكن في المقابل قصّرت في الكتابة والأدب وكادت تخمد نارهما في روحي.. لم أختر ذلك ولم أرده؛ فكلما اقتربت من الأدب كان يصدني عنه حِسٌّ متبلّد وطبع مُجدب، زاده عليّ قلة الممارسة للكتابة نتيجة لكمون عاطفتي وازدياد مساحة المنطق فيّ وحرصي الشديد على تقسيم وقتي وأيامي تبعًا لمسؤولياتي وأعمالي، والأدب يأخذ من الفوضى أكثر مما يأخذ من النظام، ويذوب في الماء أكثر مما يتخلّل في التراب! وحينما أريد العودة إلى الكتابة والأدب لا أرضى إلا أن أكون كما كنت وكما كان أدبي سابقًا مُشعًا زاهيًا سهلًا جاريًا، وأنّى يولد الإنسان تامًا مكتملًا؟! فأصبحتُ كما قال ابن المقفع: "الذي أرضاه لا يجيئني والذي يجيئني لا أرضاه"، فرأيتُ المحاولة ذُلًّا، والنقص عيبًا.. أعاذني الله وإياكم من وهم الكمال! ولكن بحمدلله مؤخرًا بدأت ينابيع الأدب تتفجر في بيدائي وأقاحيه الجميلة تزهر في روحي.


أعود إلى سيرة التغيير.. فحين يُقال بأنك تغيّرت سيُريبك هذا التغيّر، بغض النظر هل كان تغيرًا للأحسن أم الأسوأ ما دمت لم تختره بملء إرادتك.. نعم تغيّرتُ؛ وانساق كل شيء فيّ نحو هذا التغيير، كأنه القطيع الذي يلحق براعيه؛ مشاعري القديمة.. بريقها ولمعانها، غزارتها ورِيُّها، شغفها وانطلاقها، خيالها وأحلامها، طربها وغناؤها، قلقها واضطرابها، حزنها وقتامتها، كل تلك كانت تتبدّل نحو شكل آخر أكثر ثقلًا ونضجًا، كان هذا الأمر يحزنني، فحتى لو كانت تتغير للأحسن فإني لا أزال كما قال المتنبي:

خُلقتُ ألوفًا لو رجعتُ إلى الصِبا

لفارقتُ شيبي موجع القلب باكيًا


نعم فأنا أخت الأُلفة ونديمة الحنين، حتى أني عزمتُ مرة إن رزقني الله بابنة سأسميها: "حنين".. حتى المشاعر التي عشتها والأفكار التي قلّبتها أحن إليها لمجرد أني لم أختر التخلي عنها.. والإنسان حين لا يصبح قادرًا على الاحتجاج فإنه يحنّ بصمت، يتكسّر حتى يلين، فيقف على أطلال كل ذكرى ويرسل الحنين موالًا جاريًا، وتجري الأيام، ثم يألف مشاعره الجديدة ليحزن إذا فارقها.

تغيرت مشاعري، ونضجت أفكاري وتبلورت معها شخصيتي؛ أصبحتُ أكثر صراحة ووضوحًا، لا يهمني ما يقول الناس عن أفكاري وسلوكي، على الأقل بقدر ما.. وكأن تعقّلي الذي ازداد يناقضه أن أخجل من بعض أفكاري وما أؤمن به، وكأنه أكسبني -بعد الله - صلابة لا يهمها رأي الناس فقط بل تُكسبها هيبة ومظهرًا أمامهم، وهذه من المفارقات التي لا يدركها كثيرٌ من الناس؛ فيتخلون عن مبادئهم هيبةً من الآخرين ولو اعتزّوا هم بأدنى ما يؤمنون به لهابَهُم الآخرون.. الناس يُريحهم أن يشبه بعضهم بعضًا، وفي الوقت ذاته يرمقون بإعجاب من خالفهم وأشبه نفسه لأنه يذكرهم بذواتهم المطمورة! والمؤمن الصادق لا يُباليهم باله ولا يُسلمهم عِقاله، بل حسبه قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- :" مَنِ الْتَمَسَ رِضَى اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ ، رَضِيَ الله عَنْهُ ، وَأَرْضَى النَّاسَ عَنْهُ ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ ، سَخَطَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَأَسْخَطَ عليه الناس"، لم أكن خجلى هكذا طوال عمري، وأعني بالخجل هنا الخجل مما يقوله الناس من حولي عن بعض ما أعتقده ويخالفهم مما يخص القضايا الفكرية والأحكام الشرعية -سمّوه إن شئتم خجلًا أو جُبنًا :) - فحين كنت صغيرةً في الابتدائية؛ كنت مضرب المثل في الجرأة، لم أترك محفلًا أو إذاعةً إلا كنت المقدّمَة فيها مجربةً كافة الفنون من إنشاد وإلقاء وتمثيل.. كنت أحب تجريب نفسي في كل شيء وكنت أصلح لكل شيء :)، وما أكسبني تلك الجرأة إلا اندفاع ونزق طفولي يدور في فَلَك نفسه فقط ولا يهمه كلام الناس، ولأني كذلك كنت أدرس في المدرسة التي تعمل فيها أمي معلمة، فكان وجودها يكسبني ثقةً ودعمًا: "جريئة وموهوبة وابنة أ.سارة"، هكذا كان اسم أمي يُعد ميزةً من ميزاتي، ولكني حين انفصلت عن أمي ومرّت السنوات بعد ذلك بدأتُ الاستقلال برأيي وشخصيتي مخالفةً اهتمامات وتوجهات أقراني، فبدأت معها الانكفاء على نفسي وكأني أحدودب على أفكاري التي تتكون بداخلي كجنينٍ أخفيه عن العيان، أما الآن فحين اكتمل حملها وولدتُها صرت لا أخجل من إظهارها وملاحقتها وهي تتقافز وتشغب في كل مكان.


إن كان من دروسٍ تعلمتها في هذا العام فأهمها هو أن تطمئن نفسي بأقصى ما أستطيع، أن أكفّها كلما رأيتها هالعةً متوثبة ترومُ إصابة حكمة القدر في كل الأمور التي تصيبها، أن تهدأ قليلًا لتعرف أين تُجلس ضعفها وأين ترسل جموحها.. فمدّ الرقاب للأعلى انقطاعها، وتحديقها في الأسفل انكسارها! الدنيا بمشيئة خالقها لا بمشيتنا نحن.. فيوم يُسرٍ ويوم عُسر، ويوم صبر ويوم شُكر، والمؤمن من لا يُغرّ في اليسر، ولا يعاف في الصبر.. واليقين رُبّانٌ يرسو بالمؤمن على شاطئ الأمان، تعلّمت أن كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلّم- غُنية عن كل شيء، وبهما الميزان الكامل لكل شيء في الحياة بدءً من النفس ومرورًا بالعالم من حولنا وانتهاءً بأصغر ذرة في الكون، وأن من جعلهما وراء ظهره والتفت لثقافات وفلسفات وأفكار مغايرة كمن مَلَك نجمةً وزهد في السماء كلها! تعلمت أن الأعلى أعالي.. وأن القمة ذُرًى مختلفة.. وأن السعادة كالهواء تحيط بك من كل الجهات، تعلمت أن أرفق بنفسي وأن أكون وسطًا في كل شيء بلا وهمِ كمال أو جلدِ ذات، وأن الموازنة في الأمور هي سر الطمأنينة، تعلمتُ أننا حين نحدّق في امتيازات الآخرين ونرغب أن نكون هم، فقد يُحدّق الآخرون أيضًا في امتيازاتنا ويرغبوا أن يكونوا نحن! فككفتُ حينها من قلق المقارنات وتشتيت نفسي في صفحات هذه وتلك في مواقع التواصل المختلفة.. فكلُّ إنسان متميز، لأنه غُذّي بقصص ومشاعر وأفكار مختلفة قادرة على إحداث معنًى وإبداع مختلف، وكلُّ روحٍ تأخذ من الآخرين ما ليس لها تظن أنها تقتبس نورًا؛ وإنما هو في الحقيقة دخانٌ ونارٌ يخنقها ويؤذيها! تعلمت أن لا أحب تبسيط المعقّد.. ولا تعقيد المبسّط، بل أن تكون الأمور وسطًا بينهما، تعلمت أن لا أدّعي حسن الظن.. ولا أتقصّد إساءته، ولكن أن أطلب الفطنة وأن أتنبه للخداع ما استطعت، تعلّمت أن لا أتقنّع بالصمتِ ضعفًا وعِيًّا.. وأن لا أُطلق الكلام صراخًا ومجاراة، بل أحترس للكلام وأصون لساني خشية أن يقع في النهر الفاسد، تعلمت لا أتمدد في بحر الثقافة.. ولا أتقلّص في جدول التخصص، بل أن أكون نهرًا يأخذ من البحر ويصب فيه، ويشقّ لنفسه مجرًى محددًا.. تعلّمت أن الحياة بلا الله صفيرُ ريح يخلع قلبك، وأن القرب منه هو عين الأمان والسلام والحياة الطيّبة، وبه سبحانه وحده أتقدّم للحياة وفي الحياة 

..صابرة في ضرّائها شاكرةً في سرّائها.. وهو الربّ والمربّي والحفيظ والوكيل..

وكل عام أنا بخيرٍ ومع من أحب ♥️

الأربعاء، 26 فبراير 2020

كتاب (المشوق إلى القراءة وطلب العلم - علي العمران) .. نظرات نقدية

كتاب غزيرُ العلم عظيم النفع والفائدة، حريّ بمن قرأه أن يكون بعده خيرًا مما قبله؛ بأخذ الكتاب بقوة، واستنهاز الدقائق والثواني، والقبض على الفائدة واللفتة وإيداعها الورق وضمّها في الذاكرة، وغير ذلك من المنافع.. جزى الله مؤلفه خير الجزاء على عمله ومجهوده.
لكن لا أدري.. أراني اليوم وفي نفسي حرج من دعوات التشديد في القراءة واعتسافها الزائد عن الحد! نعم لا ينكر عاقل أهمية القراءة وأنها قِوام الإنسانية والمجتمعات؛ لكن أن تُصوّر الكتب كحصنٍ قوي الحجارة سامق الجدران مُتعدد الأسوار مرتكزٍ على قمة جبل لا يحفظ الإنسان ويحميه إلا بقدر ما يُبعده ويعزله فهذا مما يخرج القراءة عن معناها ومقصودها الحقيقي والجوهري الذي يراد به التأثر والتفاعل مع الكون وما يحويه من حقائق وأسرار، وتأثير ذلك على الإنسان وعلى ما حوله، ومشاركته ذلك الأثر.. لا الانكماش والتقوقع؛ إن لم يفصح الكتاب عن هذا، فهذا على الأقل ما يشي به، إلا قليلًا منه! فمعلوم أن العلم في الإسلام لا نفع به إن لم يصحبه العمل، حتى عائشة -رضي الله عنها - حين وصفت خُلق النبي -صلى الله عليه وسلم - وقالت: "كان خلقه القرآن" فإنها وصفته بشيء علمي أو نظري رَكِبه العمل والتطبيق، إذ لا فائدة من علمك بالقرآن إن لم تعمل بما فيه، فوددتُ أن لو فصّل الشيخ علي العمران عن عمل هؤلاء العلماء بعلمهم وتقواهم وخشيتهم لله عز وجل، وعن أحوالهم في أهليهم ومع طلابهم وأصحابهم وخُلقهم وتعاملهم معهم، فكلنا يعرف مقولة أمّ الإمام مالك له حين كانت ترسله صغيرًا إلى شيخه فتقول: "اذهب إلى ربيعة فتعلّم من أدبه قبل علمه"، فالحديث مثلًا عن أمثال الحافظ البلقاسي -رحمه الله- الذي كان لا يُرى إلا مشتغلًا بالعلم أو التعليم ليله ونهاره حتى أنه كان يقرئ الطلاب وهو يأكل استغلالًا للدقائق والثواني، أو عن ابن عقيل الحنبلي الذي كان يأكل سفّ الكعك مع الماء بدلًا من الخبز لكي يكون أسرع في المضغ والبلع استنهازًا لوقته في العلم؛ لم لا يقابله مثلًا الحديث عن ثنايا يوم ابن تيمية وتنويعه في وقته وحياته ما بين عبادة واستغراق وتأمل في الكون وتصدق على الفقراء وجهادٍ للطغاة بالكلام وجهاد للعدو بالحُسام.. وغير ذلك! أنا لا أتهم البلقاسي ولا ابن عقيل ولا غيرهما في اقتصار يومهم دِقّه وجلّه على العلم المجرد فقط.. معاذ الله، فمثلهم لا يُتهم في دينه، فلا ريب أنهم يعملون بالعلم، أو أنهم ابتغوا بهذا العلم الذي صرفوا عليه ليلهم ونهارهم ونومهم وراحتهم وطعامهم وشرابهم أن يكون من أرجى أعمالهم التي تدخلهم الجنة بعد رحمة الله.. أحسبهم والله حسيبهم، ولكني أنقد الاحتفاء بفعلهم وذكره على سبيل التعظيم وكأنه مقياس العلم وحده، ومثل هذا المقياس ينطبق على سائر ما ورد في الكتاب من أمثلة؛ مما هو خارج عن قدرة الشخص العادي ومما يتفاوت فيه الناس! فحتى ابن الجهم الذي ذكره المؤلف بأنه كان يطرد النوم بالقراءة والنظر في الكتب واحتفى بصنيعه؛ ذكر في موضع آخر أن الحسن اللؤلؤي يقول عن نفسه أنه كان لا ينام إلا والكتاب على صدره، أي أن النوم كان يدهمه أثناء القراءة! هذا غير أن بعضهم ممن ذُكروا في الكتاب كان يتفاخر بأنه لا ينام الليل إمعانًا في المطالعة والعلم.. كيف ورسول الله- صلى الله عليه وسلم - كان ينهى عن ذلك أولئك النفر الذي افتخر أحدهم بتركه النوم للصلاة والعبادة وقال له:"وأصلي وأنام"؟! وهذا في أمر الصلاة التي هي من أجلّ الطاعات، فكذلك طلب العلم وغيره!، ثم يذكر المؤلف أن تقي الدين ابن دقيق العيد حين وصل إليه كتاب (الشرح الكبير) اشتغل بمطالعته حتى اقتصر على الفرائض من الصلوات وترك النوافل، وصحيحٌ أن تقديم العلم على الرواتب يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، لكن كان من الأجدر أن ينبّه المؤلف على هذه المسألة والتفصيل فيها؛ لكي لا يتخذها البعض مساغًا فيترك النافلة متى شاء بحجة طلب العلم!
ثم إن ذكر خبر ثعلب النحوي أو خبر محمد بن أحمد البغدادي اللذان كان لا يمشيان إلا وفي يديهما كتابٍ ينظران فيه حتى أن ثعلب صدمته فرس وهو يقرأ فألقته في هوة، فمات في اليوم الثاني بسببها، والبغدادي ربما سقط في جرف أو خبطته دابّة بسبب القراءة؛ لم لا يقابله التنبيه على فعليهما وضرره : ﴿أَفَمَن يَمشي مُكِبًّا عَلى وَجهِهِ أَهدى أَمَّن يَمشي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُستَقيمٍ﴾، ﴿ وَلا تُلقوا بِأَيديكُم إِلَى التَّهلُكَةِ﴾ ؟!

إن ذكر نماذج تكاد تكون غير واقعية (إمكانًا لا حدوثًا) ثم الاقتصار والتركيز عليها لا يزيد الأمر إلا إغرابًا أو إنكارًا أو تعجيزًا، وفي كل الحالات لا يزيده إلا بعدًا! فالنفس التي تروم بلوغ قمة الجبل بوثبة واحدة وهي في أخمص السفح لن تستطيع، ربما ستحاول المرة بعد المرة، حتى إذا استبانت العجز كرهت القمة وصورتها وفكرتها، أو قنعت منها بالنظر من بعيد بإعجاب وتسبيح وتمجيد لخالقها الذي رفعها وأعلاها فوق كل البشر ! هذه هي النفس الإنسانية بصورتها الطبيعية البسيطة، ولكل قاعدة شواذ بعد ذلك! 
كم وددتُ حقًا لو فصّل الشيخ علي العمران بعد ذكر هذه النماذج في شأن الأولويات في حياة المرء وأن هناك أمور تقدّم على أخرى سواءً بالمُطلق أو في زمانٍ ومكان معينَين، كم وددت لو فصّل كذلك في شأن قدرات الناس وتفاوتها حتى في طلب العلم والصبر عليه، فمن تميّز في شيء تواضع في آخر، كمن يتميز في نسخ الكتب حتى يتكسر القلم في يده، ويتواضع في قراءتها والدأب على دراستها المِرار الكثيرة..وغير ذلك، بل حتى تفاوت القدرات واختلاف الأمزجة في الشخص الواحد من حين لآخر؛ فهذا الإمام ابن حجر العسقلاني وهو حافظ عصره، كان يظهر التأسف في تقييد ما يسمعه من الفوائد، وغيره كثير. ولا يعني تفاوت القدرات أنه ينبغي لطالب العلم ما لا ينبغي لغيره؛ سواء بلغ فيه درجة متقدمة أم لا، إذ أن العلم كما قلنا لا يؤخذ بمراغمة النفس وحملها الشديد على ما تكره، أو ما يصلح لغيرها ولا يصلح لها، أو ما هو سابقٌ لأوانه، فحتى العلّامة جمال الدين القاسمي الذي أورد المؤلف من كتابه "الفضل المبين" خبر قراءته للمطولات مثل صحيح مسلم، وسنن ابن ماجه، والموطأ، وتقريب التهذيب؛ يذكر في كتابه الآخر "قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث" أنه قرأ هذه المطولات إثر بعضها في شهور متجاورة تقريبا، ولكنه يحذر من ذلك ويقول :"فأجهدت نفسي وبصري، حتى رمِدتُ بإثر ذلك، شفاني الله بفضله، وأشفقتُ من العودِ إلى مثل ذلك، وتبين لي أن الخيرة في الاعتدال، نعم لا ينكر أن بعض النفوس لا تتأثر بمثل ذلك لقوة حواسها، وللإنسان بصيرة على نفسه، وهو أدرى بها".

إن العلم بحر عظيم واسع لا وجهة تؤديه ولا طريق يُقسّمه، فأبحر فيه أنى شئت عالمًا، أو عاملًا، أو عالمًا عاملًا، أو حافظًا، أو فاهمًا، أو متفكرا، أو متسائلا، أو ناسخًا، أو مؤلفًا ومصنفًا.. كن ما ينفعك وتُجز به عند الله ويقربك منه ولا يسخطه منك، وهذه ليست دعوةً للتهاون بالعلم والتلكؤ فيه، وإن أمةً كان أول دينها :"اقرأ" لحقيقٌ بها أن تصِل الأول بالآخر وتكون هذه الكلمة نبراس الزمان الذي لا ينطفئ مهما أظلمت الأيام؛  بل أن يكون المرء فيه وسطًا بين الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء، وأن يُحدّث الناس فيه بما يطيقون.. فما تطيقه طبقةٌ لا تقدر عليه غيرُها، وما يطيقه أهل قرنٍ لا يُطيقه غيرهم؛ كما قال الحافظ الذهبي معلّقًا على خبر قراءة الخطيب البغدادي لصحيح البخاري في ثلاثة مجالس: "وهذا شيء لا أعلم أحدًا في زماننا يستطيعه!".. هكذا ببساطة.. فلكل وقتٍ ولكل حالٍ ظروفٌ ورجال! وإني مما أنقد الشيخ علي العمران عليه في كتابه أنه يذمُّ الذين يقرؤون الكتب بالحاسب الآلي ويظهر لهم الكتاب بـ(كبسة زر) ويقول عنهم أنهم إن ظنوا أنهم سيلحقون العلماء وينضمّون إلى ركبهم بهذا الفعل السهل فقد خابوا وخسروا! .. سبحان الله! غفر الله لك شيخنا الفاضل! وهل يجب أن يتعنّى الناس في طلب العلم ويضربون له أكباد الإبل مسيرة الشهر أو الشهرين كما في السابق حتى يكونوا علماء عن حقٍ وصدق؟! لماذا يجب أن نقفوا خطى الأوائل حذو القذة بالقذة ونجعل ذلك مقياس العلم وحده؟! أوَليس من رحمة الله ولطفه بهذه الأمة أن يسّر لها أسباب الأخذ بالعلم كما لطف بها وبالبشرية غيرها حين يسّر لها هذه المخترعات والآلات والأجهزة التي سهّلت حياتها وحسّنتها؟ وليست القضية أن نلوم من يقرأ من حاسبٍ أو (آيباد) بل اللوم على من تتوفر له هذه التسهيلات ثم يتقاعس في الطلب ويشتري به ثمنًا قليلا!

مرةً  أخرى: حدّثوا الناس بما يعقلون، بما يقربهم..لا يُبعدهم، بما يُعينهم.. لا يُعجزهم، بما يُرغّبهم.. لا يُحرجهم، حدّثوهم عن قرائن العلم من تقوى وورع وآداب وسلوك، حدثوهم عن أحوال العلماء وأنهم ونحن ومن قبلنا الأنبياء والرسل بشرٌ نأكل الطعام ونمشي في الأسواق، ونعمل ونتزوج وننام، ونملّ ونضجر، وننشط وننبعث؛ وأذكر هنا أمرًا طريفًا أنني قرأت في أحد المواقع الإسلامية المعروفة سؤالًا أرسله أحدهم يسأل فيه إن كان السلف يعملون في مهنة أو حرفة أم كانوا فقط متفرغين للعلم؟ ويشكو فيه السائل أنه حين يقرأ في سير الصحابة وأنهم مع ورعهم وتقواهم كانت لديهم أعمال ومهن يزاولونها فإنه يشعر بالسعادة وحب العمل الصالح ونشاط الحياة وانبعاثها، بينما حين يقرأ في سير السلف فإنه يشعر بالحزن والفتور لما يصوّر له من أنهم فقط كانوا مشتغلين بالعلم والحفظ ومعزولين عن الحياة! فأجابه الشيخ بأن الأمر ليس كذلك، بل إن أكثر السلف كانوا يعملون بالتجارة والحدادة والزراعة وغيرها، بل بعضهم اشتهر بمهنته ونُسب إليها؛ كالآجرّي والبحراني والحداد وغيرهم.. وهكذا ينبغي أن يكون! العلم لا يعني نبذ الحياة، بل هو جزءٌ أصيل منها يخالُطها حتى العظم، متفاعلٌ معها تسير به ويسير بها، فمعلومٌ أن أوّل العلم وابتداءه كان سؤالًا ولّدته ملاحظة الأشياء من حولنا والتيقظ لدقائقها وأسرارها، ثم التأمل فيها واستقراؤها.

وختامًا: لا يشكك أحد في أهمية هذا الكتاب وجهد مؤلفه الفاضل وأثر مضمونه خاصة في شحذ الهمم والمسارعة للعلم وتوقيره وإجلاله، ولا يشكك أحد في أن "اقرأ" هي الأولى وهي الآخرة، ولكن أستطيع أن أقول أن نقدي ليس للكتاب والمؤلف بقدر ما هو نقدٌ للفكرة، إذ أنها رائجة ومنثورة في كثير من الكتب!  هذا وإن صوابي من الله، وخطأي من نفسي والشيطان.

الاثنين، 5 أغسطس 2019

تأمل في سورة التكاثر

كنت أتأمل في سورة التكاثر؛ فلفت نظري ذكر مرتبتين من مراتب اليقين مجتمعتين في سورة واحدة: علم اليقين :"كلا لو تعلمون علم اليقين"، وعين اليقين :"ثم لترونّها عين اليقين"، ومراتب اليقين كما هو معلوم ثلاثة، وهي على الترتيب :
 ١-علم اليقين: مثل : علمك بأن في هذا الوادي ماء .
 ٢- عين اليقين: مثل: رؤية الماء في الوادي .
 ٣-حق اليقين: مثل : الشرب منه، أو الخوض بقدميك فيه.
فما الحكمة من ذكر مرتبتين من مراتب اليقين في سورة لا تزيد آياتها عن الثلاثة أسطر؟ 
يظهر لي والله أعلم أن لذلك علاقة بالتكاثر والاشتغال الزائد بالدنيا عن الآخرة، وهو طبيعة بشرية إن لم تُشذّب وتُهذّب كانت كالمخالب التي تستنزف الإنسان وتخلد به إلى الأرض. ليس كل اشتغال بالدنيا مذموم، ولولا ذلك لما جعل الله المباحات، بل لما جعل الله أصل الأشياء الإباحة؛ قال تعالى :"قل من حرّم زينةَ الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصةً يوم القيامة"، وفي الحديث الصحيح :
عن حنظلةَ الأسيدي رضي الله عنه، وكان مِن كتَّاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلتُ: نافَق حنظلة! قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكِّرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافَسْنا الأزواج والأولاد والضَّيْعات، فنسينا كثيرًا، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: نافَق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وما ذاك؟))، قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافَسْنا الأزواج والأولاد والضَّيعات، نسينا كثيرًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده، لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذِّكر، لصافحتكم الملائكة على فُرشكم وفي طرقكم، لكن يا حنظلة ساعة وساعة))، ثلاث مرات؛ رواه مسلم،وغيرها من النصوص التي تبين سماحة الشريعة ومراعاتها لمقتضى الطبيعة البشرية المجبولة على النزوع إلى الدنيا، إلا أن هذا النزوع ينبغي أن يكون له حد إن تجاوزته النفس شطّت وتمرّدت وطغت، والقليل من الاشتغال بالدنيا مباح، والكثير منه مذموم قد يكون حرامًا، لذلك كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته أحرص على هذا القليل من أن يزيد،  فيُفتح بابٌ يدخل معه شرٌ قد يهلك به البلاد والعباد، والدنيا والدين ! عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : إنا لجلوس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد ، فاطلع علينا مصعب بن عمير ، ما عليه إلا بردة له مرقوعة بفرو ، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكى للذي كان فيه من النعمة والذي هو فيه اليوم ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلة ، وراح في حلة ؟ ووضعت بين يديه صحفة ورفعت أخرى ، وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة ؟ " ، قالوا : يا رسول الله ! نحن يومئذ خير منا اليوم ، نتفرغ للعبادة ، ونكفى المؤنة . قال : " لا أنتم اليوم خير منكم يومئذ " . رواه الترمذي.. انظر كيف كان يذكر لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- النبوءة المتحققة ويفصّل لهم فيها وكأنه يرسم لهم المشهد بكل أبعاده ليغري به نفوسهم، ثم يضعهم موضع الاختبار والسؤال، فبماذا أجابوه؟ هم يومئذ خير ولكن ليس لكثرة المال ونعيم الحال كما سيجيب أمثالنا، بل لأنهم سُيكفون السعي للرزق ليتفرّغوا للعبادة! لو كان داعيةٌ أو مصلح مكان رسول الله-صلى الله عليه وسلم- لسرّه جوابهم وطمأنه عليهم، ولكن الرسول كان ينظر بعين الغيب وبصر الحقيقة : "بل أنتم اليوم خيرٌ منكم يومئذٍ" ولو كُفيتم السعي والطلب لتتفرغوا لأمر الآخرة! ومصعب بن عمير ؟ ألم تذرف عيناك متوجّدًا عليه يا رسول الله حين ذكرت ما كان من أمره ثم صار؟! : "بل أنتم اليوم خيرٌ منكم يومئذٍ" ولو بات أحدكم يربط الأحجار على بطنه من الجوع!
ورغم ما كان عليه الصحابة من الإيمان والإسلام كان رسول الله يخشى عليهم وعلى أمته تكاثر الأموال والإقبال على الدنيا؛ قال صلى الله عليه وسلم :"والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكنِّي أخشى أَنْ تُبْسَط عليكم الدُّنيا كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم، فتَنَافَسُوها كما تَنَافَسُوها، وتهلككم كما أهلكتهم"، لاحظ أن الخشية هنا من"البسط" في الدنيا لا من الدنيا نفسها لأن :" ما قلّ وكفى خيرٌ مما كثر وألهى" كما في الحديث الصحيح.
هذا الفهم لطبيعة البشر وضابط اشتغالها بالدنيا فقهه وفطنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكان لا يعطي المسلمين من غنائم الفتوحات وبيت المال إلا حقهم فقط ولا يزيد، ويمنعهم من اقتناء الثروات وتشييد القصور وامتلاك المساحات الشاسعة خوف الالتهاء بالدنيا عن الآخرة، ولهذا لما تولى من بعده عثمان بن عفان -رضي الله عنه- واتسعت الفتوحات في عهده شرقًا وغربًا؛ سمح لهم بامتلاك ما كان عُمر يمنعهم عنه، فكان الرخاء الاقتصادي والاجتماعي سمة بارزة في عهد عثمان رضي الله عنه، ويشير المؤرخون أن هذا الرخاء والإقبال على الدنيا كان من أهم أسباب الفتنة التي أدّت إلى استشهاده لاحقًا رضي الله عنه، لأن الناس لا يعصمهم من الفتن والهرج والمرج فيها إلا مخافة الله والزهد في الدنيا.
 
على الصعيد الأممي أو التاريخي: التكاثر رأس الفتن والأمراض التي بُليت بها الأمة منذ أُفول عصر الراشدين إلى يومنا هذا: تشتت الأمة فرقًا وطوائف، تآمر المسلمين على بعضهم، تعدد الدول الإسلامية وتناحرها مع بعضها، الاستنصار بالعدو، غلبة العدو وتمكنه، الغزو الثقافي والفكري من الأعداء، وغيرها من الأدواء التي دواؤها أمرٌ واحد وهو التمسّك بالدين والتخفّف من الدنيا، وتزاحم الدنيا لن يحلّ أبدًا مكان الإيمان المنفرد، ولن تغني الكثرة شيئًا ولو تعاظمت.
وعلى الصعيد الفردي والاجتماعي: التكاثر أخو الغفلة، وجماع أمرهما الإعراض؛ فمن كثر ماله قد يلتهي، ومن يلهو يستغني، ومن يستغني يطغى ويتكبّر، فيقسو القلب وتموت الروح وينغمس العبد في الشهوات والمنكرات والمعاصي وينسى أمر الآخرة.. وشيئًا فشيئًا يصبح المال هاجس رأسه وحاكم علاقاته، فيتوجس من الأيادي التي مُدّت لمصافحته، أنها مُدّت تبغي صدقة، ومن النظرات المتوددة له، أنها تستطلع مخابئه، ويفحص الكلام الذي قيل والكلام الذي لم يقال؛ ماذا أراد صاحبه؟ هل أراد به وده وصداقته حقًا؟ أم أراد به قناطيره؟ وهكذا يبني المال بينه وبين الناس جُدرًا، فتنشأ الطبقات في المجتمع، وتفشو أمراض القلوب من غيرة وحقد وحسد وكراهية وطمع، ويسعى الناس إلى مكاثرة بعضهم البعض ويصبح المال شغلهم الشاغل، إذ به يتمايزون ويترافعون، فتُنسى بذلك معايير الآخرة ويصبح الترافع بالتقوى والدين شيئًا كأساطير الأولين
والمتأمل لسورة التكاثر؛ يجد حتى في أسلوبها وسرد آياتها حقيقة ما يفعله التكاثر في النفوس وكيف يستشري في القلوب حتى يغطّ الإنسان في سكرةٍ لا يوقظه منها إلا الموت! انظر كيف بدأ الخطاب القرآني بتقرير فعلهم :"ألهاكم التكاثر" ثم ماذا بعد؟ وما الفصل التالي من هذه القصة الإنسانية؟ ليس إلا الفصل الأخير! النهاية! :"حتى زرتم المقابر"! لا فصول أخرى في قصة هذا الإنسان اللاهي، هو في غفلةٍ ثابتة وإعراضٍ أُفقي وإن ارتفع خط أرباحه وتنوعت أمواله، وإن لم يتداركه الله برحمته فلن يوقف زحف لهوه إلا الموت! فصلان لا ثالث لهما! والانتقال القرآني بحرف (حتى) في قوله : "حتى زرتم المقابر" عميقٌ دقيق يشوّق السامع ثم يصدمه في آن؛ إذ أن الفصل التالي لم يكن إلا النهاية.. في المقابر!
فلا عجب إذن لإبطال هذا السحر وهذه القوة العاتية أن  يحمل الخطاب القرآني في هذه السورة تقاريع صارمة ونُذر مُرعبة تُقرن بمرتبتين من مراتب اليقين تزيد المعنى مهابة والصورة قُربًا مثل: "علم اليقين" و "عين اليقين"، فالدنيا مهما اقتربت وصارت بين يديك فهي ظنون وأوهام، والآخرة وإن بدت لك بعيدة فهي اليقين التام!
 
...................

*من المفسّرين من فسّر التكاثر بالأموال، ومنهم من فسّره بالمال والأولاد، ومنهم ومن فسّره بالرجال والقبائل والعشائر ...إلخ؛ لكني ركّزت هنا على المال باعتباره أكثر هذه الملهيات شيوعًا وأشدها تأثيرًا في النفوس.. هذا والله أعلم.