الأربعاء، 1 نوفمبر 2017

"يسألونك عن الساعة".. مشكلة الوقت

تتعدد أحلامك وتتلاحق أهدافك وتكثر أشغالك.. تسرع بين هذا العمل وذاك.. تتنقل بين الأعمال وأنت لاهث.. وتقف الساعة فوق رأسك كمُديرٍ فظّ يصرخ في وجهك ويزيد كمد قلبك ويستعجلك بإنهاء الأعمال ثم تمضي.. وأنت تذهب من بعد مُضيّها في نهاية يومك مستلقيًا على وسادة الخَلاص، لا تدري هل تفرح بفوزك في إنهاء الأعمال بوقت قصير.. أم تحزن من التعب الذي نالك وترك قلبك منهكًا وروحك سجينة!
يحدث  أن تعيش صراعًا حقيقيًا مع الساعة.. أو الوقت بمفهومنا المعاصر بالتحديد.. فيحدث أن تعيش صراعًا بين ما قالوا وبين ما تقول؛ ونفسك بينهما تتقطع حسرات.. يحدث أن تعيش صراعًا بين ما يجب وما يجب؛ وهل يتعارض واجبان أو حقيقتان في الوقت ذاته ؟ في علم المنطق يكون الجواب لا، فلا يوجد تعارض بين قطعي وقطعي في الوقت ذاته؛ إلا أن يكون أحدهما ظنيًا في الأساس فتوهمته قطعيًا، إذن فما هي الحقيقة في الوقت؟ هل هي السرعة/الكم .. الساعة ؟ أم هي الكيف/التمهل .. الانفساح والامتداد؟ 

منذ مدة وأنا أعيش هذا الصراع، ويدفعني إليه أمران:
 *الأول: دعوات الترغيب في إنجاز الأعمال الكثيرة في مدة قصيرة والحرص على استغلال الوقت بأقصى ما يُستطاع، لأن العمر قصير.. والأعمال كثيرة والأهداف عديدة، ومن يُسرع يفوز، ولا عزاء للمتمهلين..
*الثاني: ميلي نحو الكيف والعُمق والشعور على حساب الكم والسطح والعبور الخاطف، فـ الندى الذي يُنعشك خيرٌ من الانهمارِ الذي يُغرقك..

تواجد هذين المُتناقضَين في نفسي هو ما أربكها حقًا، فلو كنت أنتهج أحدهما ولا أبالي بالآخر لما حدث شيء، ولكنني : أرغب في إنجاز أقصى ما أستطيعه من أعمال وأهداف وأعمال كثيرة في وقت قصير +أحب عيش اللحظة واستشعار ما أفعله!
ويزداد شعوري بضغط الوقت وخنقِ الساعة عندما أكون في فترة انشغالات رسمية كدراسة أو انشغالات عائلية أو اجتماعية وما شابه..وعندما أحس بأني فرّطت في سنواتي الماضية ولم أقضِ أوقاتها كما يستحق حقًا.. أو عندما أشعر بأن الأوقات المقبلة لا تتسع لما خططته لها من أهداف، وأنه يجدر بي أن أسرع وأعمل بشكل أكثر.. هنا حقًا أشعر وكأن الزمن يلتف حولي كزوبعة، وأنا الرمال التي يعبث فيها كما يشاء!


أعود للسؤال الذي لا أنتهي منه حتى أعود إليه:
ما هي الحقيقة في الوقت؟ هل هي السرعة/الكم .. الساعة ؟ أم هي الكيف/التمهل .. الانفساح والامتداد؟ 

تكلّمت الأستاذة علياء المؤيد في السنابشات مرة عن المقولة الشهيرة "ما عندي وقت!" وأذهلني كلامها حقيقة لأنه لامسني كثيرًا، ولأنه يعرض وجهة نظر مختلفة عما تعودنا عليه، بل لم أتوقع وجود وجهة نظرٍ كهذه لأن السرعة في العمل وتحكيم الوقت أصبحت من المسلّمات بالنسبة لنا
وشاهدت مرة في الجزيرة الوثائقية الوثائقي الرائع سحر الوقت الذي تحدث عن هذا الموضوع وتطرق إلى اختراع الساعات وما حدث بعده من تزايد متطلبات وأعباء الحياة في العالم الحديث، فتسارع إحساسنا بالوقت، ونشأت نتيجة لذلك المفاهيم المعاصرة في تنظيم الوقت واستغلاله وانتشر تأثيرها على أغلب سكان العالم الحديث، والتي تركز أغلبها على أسلوب السرعة والكم في الإنجاز أكثر من الكيف، فأصبح العالم نتيجة ذلك ساحة من الراكضين اللاهثين المتطاحنين مع أعمالهم وأوقاتهم.. في المقابل وسط هذه المعمعمة نشأت دعوات وحركات ومؤسسات معاكسة وفريدة تؤمن بأهمية الوقت ولا تلغي وجوده، ولكنها ترى أن المبالغة في ضبطه وتحكيمه ما هو إلا اختراع بشري، وأننا بهذا الاختراع ارتكبنا جريمة في حق ذواتنا وإنسانيتنا وفي حق أعمالنا وأحلامنا التي اعتقدنا أن السرعة في تنفيذها هي الخيار الأنسب لها..
أبقتني هذه المعلومات في ذهول، وصرت من بعد معرفتها أقلّبها في نفسي.. وأشعر بأن الله أرسلها لي وأراني إياها كآية أو معجزة لم يرتد طرفي منها حتى اليوم، وتمحور فكري حولها وحول هذا التساؤل
هل هناك فعلًا وقت يكفي؟ هل هيَ الحقيقة تتكشّف أمامي؟ أم أنا التي أوهم نفسي أو يوهمني غيري بأن لا وجود لهذا الوقت؟!
وهل أدى اختراع الساعات وتجزئة الوقت لأرقام دقيقة إلى تفاعلٌ إيجابي مع الوقت أم سلبي؟
أعتقد بأن الجواب غير قطعي ويختلف من أحوال إلى أخرى.. مشكلتنا الحقيقية مع السرعة أنها تؤثر في أهم الأشياء لدينا.. الأشياء التي تغير في وجودنا وتمنحه معنًى مختلف، هذا الاختلاف الذي لولا التمهّل والهوادة لما كان له وجود ولأصبحت كل الأشياء تحمل معنًى متشابهًا ونحن الإنسان الآلي الذي يتعامل معها بأسلوب واحد، كالصلاة.. قراءة القرآن ومختلف العبادات.. أو القراءة والهوايات والفنون الجميلة وعلاقاتنا الاجتماعية.. أتساءل ما قيمة الوجود ولذة الحياة إذا لم نمنح هذه الأشياء قدْرها الحقيقي من البطء اللذيذ؟ بل حتى في أوج استغراقنا بها تتسلل إلينا صور الأعمال التالية تستعجلنا في الإقبال عليها وإنجازها، ثم إذا أقبلنا عليها تستعجلنا الأعمال التي تليها.. وهكذا! ذلك أن السرعة ليست مشكلة ظاهرية تتعلق بالحركات التي نؤدي بها، بل هي مشكلة يتشرّبها عقلنا اللاواعي وتتناولها سائر أجهزتنا وأعضائنا فتحدث مع الوقت بغير إرادة منا!

 إذن.. فما هو وجودنا؟ هل هو الوقت ؟ وهل الوقت هو الساعة بمعناها الدقيق المُنقبض؟ أم هو الزمن بمعناه الفسيح المُنشرح؟

تأملوا مثلًا  ذلك الرسام المبدع الذي يرسم لوحته المذهلة باستغراق وينسى الوقت.. ويخلع الساعة والأرقام من روحه قبل معصم يده.. يحشُر الوقت في ريشته، يحركه معها أينما ذهبت.. لأن الزمن الحقيقي في نفسه وروحه، وعمره في وجوده وإحساسه لا في ساعته..
بل حتى في حياة خير الخلق وسيد القدوات محمد-صلى الله عليه وسلّم- أكاد أجزم أنه لا يوجد هذا المفهوم عن الوقت! فمن خلال معرفتي المتواضعة بسيرته-صلى الله عليه وسلم- واطلّاعي على بعض الأحاديث التي تخص هذا الشأن لم أجد ذلك، صحيحٌ أنه كان من أشد الناس على استغلال وقته بالخيّر النافع ودعوة المسلمين لذلك-وهذا أمرٌ مسلّم به وليس هو المقصد من التدوينة- لكنك لا تجد هذا التعسّف في سلطة الوقت عنده أبدًا، بل على العكس فقد جاءت أحاديثٌ كثيرة تدعو إلى إتقان العبادة والخشوع وهذا يحتاج إلى تؤدة وصبر وهو ما يتنافى بالطبع مع السرعة والعجلة:

من لي بمثلِ سيركَ المُدلّلِ
تمشي رويدًا.. وتجي في الأوّلِ *

أعتقد إذن بأننا لا يجب أن نسأل أنفسنا عن الوقت أو الساعة.. بل نسأل عن الزمن المُستحق للأشياء التي نحبها ونريدها، أو فلنسميها بـ"الأولويات" .. عن الزمن المقدّر لها تقديرًا في كتاب الكون وميزان الحساب؛ فلا نبخسها بإسراع أو نقتلها ونقتل أنفسنا بمماطلة أو تباطؤ.. ذلك أننا لا نستطيع إلغاء وجود الوقت أو الساعة، ولا نستطيع المبالغة في التحاكم إليها، بل نوازن بين الأمور ونسدد ونقارب، وكل شخص هو أدرى بمصلحة نفسه وأولوياته وأحلامه..فاستفتِ قلبك وإن أفتوك الناس وأفتوك..

الثلاثاء، 3 أكتوبر 2017

ما زلت في منطقة الراحة!


أُصبتُ بالزكام مرة؛ فلم أستطع النوم لضيق التنفس الذي أشعر به.. تأخر الوقت، مرت ثلاث ساعات منذ آويت إلى فراشي، عيناي ثقيلتان وجسمي مُتعب، ولديّ في الصباح دوامٌ ينتظر أن آتي إليه وقد نلت حظي من النوم والراحة.. كل ما كان بيّ وقتها يدعو للنوم ويستنجد به، ولكن سلطان المرض كان أقوى من النوم.. والمفترض بي كما عهدت من نفسي أن أبكي في مثل هذه الحالات أو أطلق تأوّهات الضيق والشكوى تنفيسًا مما أجد، ولكنني عجبت لكمية الرضا والاطمئنان التي سُكبت في صدري وقتها؛ فكرت وقلت في نفسي: الحمدلله.. على كل حال ها أنا أستلقي بملئ جسدي على وسادةٍ لينة وفراش لذيذ وأقبض على لحاف وثيرٍ دافئ، وتداعب جلدي نسمات التكييف الباردة.. الماء قرب رأسي والدواء في متناول يدي، هدوء الليل المريح يلفعُ ما حولي، أمنُ الله وأمانه يحوطُ البلاد والعباد، أهلي نائمون هانئون لا يشتكي أحدٌ منهم همًا ولا غمًا، لا نشتكي فقرًا أو مرضًا.. أيامنا حافلةٌ بالنعم، والكثير والكثير.. والأهم من ذلك.. أن لي ربًا فوقي يسمعني ويعلم بحالي وإذا سألته يعطيني وإذا استعذته يعيذني، وما زال يعطني ويغدق علي.. 
وحتى إن مسّني الضر فهو كفارة لذنوبي ورفعة لمنزلتي بإذنه سبحانه.. وإن لم أنم جيدًا اليوم سأنام غدًا أو بعد غد.. وإن تغيّبت عن الدوام أو حضرت إليه متعبة فبعذر وقدَر.. وما زال المؤمن ما عاشَ ينتقل من خيرٍ إلى خير حتى وإن أصابه الضرّ..

**

تشتكي جدتي من أمراض تُقرّح جسدها المنهك، وهمومٍ وهواجس تجرّح قلبها الضعيف، وسنين وأحقاب تضيف للعمر عمرًا آخر من ثقلها وطولها، ورغم ذلك أراها شديدة التعلق بالله مقبلةً عليه حامدةً له، مؤمنةً أن الدنيا دار ممر وابتلاء، وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها، وأنه كفارة ورفعة لها، فأنظر إليها وأنا أتفكّر أن أحدنا لو أصابه ما أصابها أو أقل مما أصابها بكثير لجزِع وربما تسخّط وشكى ربّه! .. أنظر إليها وأنا أهزأ بصبري الرقيق وقوة احتمالي المزعومة! 
لقد شقّت جدتي أغمار العمر لأنها تعلم أنه مهما أصابها فهي في عطايا ونِعم تؤهلها بفضل الله للعيش والحياة أكثر وأكثر!

**

قبل أيام كنا في سفرٍ خارج البلاد، وكانت رحلة عودتنا في وقت متأخر من الليل وتصادف ليلة أول يومٍ من العام الدراسي الجديد، فتشكّى أهلي وتشكّيت معهم من هذا التوقيت، فالنوم الذي جاهدوا لتنظيمه في الليل سينفرط منهم في يوم واحد، والرحلة في وقتٍ كهذا مملة وساكنة، فالبعض يحاول النوم، والبعض يتململ منتظرًا الوصول، والوصول لن يعقبه الخلاص؛ فبعده الإجراءات وطريقٌ آخر إلى مدينتنا التي تبعد عن الرياض ساعةً تقريبًا.. تضايقنا من هذا الأمر واشتكينا.. لكني ذكّرت نفسي ونبهت مَن حولي أن هذا السفر نعمةٌ كبيرة أروَحت نفوسنا واستمتعت بها كثيرًا، وأنه قبل ساعاتٍ فقط كنا نضحك مستمتعين في إحدى المطاعم هناك.. أننسِفُ سعادة تلك النِعم وغيرها الكثير والكثير جدًا بضيق يومٍ واحد ؟!! فماذا كنا نفعل إن كنا نعيش في زمن يلزم السفر به أيامًا وشهورًا ومصاعب ومشقات كثيرة؟! وهي بعدُ خمس ساعات فقط ونعود إلى وطنٍ يلُمّنا وبيتٍ يضُمنا وأهلٍ وأحباب يشتاقونا وينتظرونا، وهذا التعب إنما هو يوم واحد يضيع بعدها ويختفي في زحام الأيام السعيدة والنعم الغزيرة؛ إن جاز حقًا أن نسميه بالـ"تعب" أو الـ"ضيق"!

**

هذه أمثلة بسيطة فقط رغبت بها أن أقول لنفسي ولمن غيري ممن يشتكي من أي شيءأنه مهما حصل لك فإنك كنت ولا زلت في محيط النِعم.. غارقٌ فيه.. أو على السطح منه.. المهم أنك لم تزل مبلولًا منه، ولم تُرمى يومًا على يابسة الشقاء والعدم!
مهما كنت في قعر الألم أو دَرك التعب، فتحسّس حولك، تأمل منطقة الراحة التي لا ريب أنك تقع فيها، تأمل التفاصيل ستجد أنها كليّات.. فتّش عن المنسيات، ستندهش كم أنها حاضِرات! تفكّر في الخفايا، سيبهرك ما لها من قوةٍ وتجليّات! عُدّ الآلام التي تشعر بها ثم عُدّ في مقابلها النعم التي كنت فيها وما زلت فيها.. والأهم من ذلك استشعر وجود تلك النعم ثم احمد الله وكن من الصابرين الراضين..