كغريقٍ يصارع الأمواه والظلمات واليأس، قد أحاط به الموت من كل مكان ثم يُلقى إليه لوح النجاة فيستمسك به بكل ما أوتي من قوة.. يرى فيه الحياة ولمّا يخلص من الموت والخطر بعد؛ فما الذي فعله به لوحٌ صغير وموجةٌ واحدة من أمواج البحر هي أكبر منه وأعظم وما الذي أعطاه له من حياة وأمل؟ فانظر إلى رحمة الله كيف جعل لبعض الصغائر قوة قادرة على تفتيت أعصى الأهوال والكبائر! لقد كنتُ أنا كهذا الغريق، وكان البحر هو آلام المخاض والوضع الشداد، وكانت طفلتي "سناء" هي الخشبة التي لمّا لاحت لي تبدّت لي الحياة.. قاهرةً بسناها القوي الشفيف كل ظلمات الألم! لا أنسى ولن أنسى.. والتقريب والتشبيه هو أجدى ما تفعله الكلمات هنا؛ تلك اللحظة التي رفعوها أمام عيني حين أخرجوها من بطني وأنا وسط أرطال من الصراخ والألم، وحين رأيتها خمدت فجأة ثائرة توجعي وانهالت الدموع من عيني صارخة : الحمدلله الحمدلله الحمدلله! تلك كانت قرة عيني الأولى بها..! أسأل الله أن يتبع القرة بالقرة ممتدة إلى بعد موتي برًا ودعاءً.
السبت، 15 أكتوبر 2022
الأمومة.. المبتدى
الجمعة، 1 أبريل 2022
رمضان .. شهري الأثير
رمضان 1442 هـ:
السبت، 19 مارس 2022
"حملته أمّه وهنًا على وهن"
"مبروك حبيبتي .. حامل!"
انهملت عبراتي ووقعتُ على الأرض ساجدة شكرًا وحمدًا؛ خبرٌ كنتُ أترقّبه، كأنما خُتم على دعواتي وصلواتي لا يفارقها ضراعةً ولهجًا، تمرّ الأيام وأتسلّى عنه بأعمال وإنجازات ولهو ولا يزال هو كالنقش في قلبي تسفي عليه الرياح تراب الأيام ويظل رسمه ومكانه باديًا لا يُطمس، رغم عدم مرور الكثير على زواجي إلا أن اللهفة أقوى من الانتظار، والتطلّع أشدّ من الصبر.. حين كنت أترقب الحمل كانت تلوح أمام عيني صورته الوردية التي لا يُكتب إلا عنها! صورةٌ وردية أكلح ما فيها ثقل بطن الأم وثقل حركتها معه وآلام ظهرها ومفاصلها! ربما يكون سبب ذلك بعض غفلتي عن الواقع والحقيقة، وربما يكون بسبب اعتقادي أنه رغم تعب الحمل وثقله وآلامه إلا أن حلاوته وفرحته تذيب ذلك كله! وما هي إلا أيام قلائل بعد يوم البشرى ذاك حتى بدأت أعراض الأشهر الأولى من الحمل تدبّ نحوي؛ فأستشعر يومًا بعد آخر معنى قوله تعالى :"حملته أمّه وهنًا على وهن" فبكل ما في كلمة :"وهْن" من خفة وخفوت تكون آلامه، وهنٌ تستشعر معه أيام عافيتك وقوتك، ضعفك الحقيقي، صورة أمك وهي حبلى بك وبإخوتك، وأن مغانم الدنيا بمغارمها وليست بالمجّان، حق الأم العظيم حدّ أن يُجعل تحت قدميها الجنة، وأشياء كثيرة.. أيام ولحظات صعبة أزحزح فيها أنا الزمن من ثقلها، وزاد من ثقلها أني فتاة لا تقرّ إلا على مَعين العمل والإنجاز، واللهو والمرح، فأصبحت أسيرة الأمرين: الوهن ونفسي المتحفّزة.. أصبحتُ أسيرة الخمول والإرهاق والنوم.. الفراش هو وطائي اللّين ومنتهى آمالي؛ فلا أبالي إن استلقيت عليه بنداءات الجِدّ والعمل.. الخمول يستوطن جسدي وروحي! أصبح الطبخ جهادًا بالنسبة لي؛ فأطهو وأنا أرتدي الكمامة كي لا تثير الروائح كبدي. أما الروائح .. فشأنها عظيم! رائحة طعام تأتي من بعيد فيرتعد لها كبدك قشعريرة واشمئزازًا.. كأن الروائح وباءٌ تهرب منه ! لا أبالغ إن قلت أني أريد المكوث عند أهلي أقصى ما أستطيع لهذا السبب! حسنًا: ولماذا لا أطلب الطعام من المطاعم؟! أما الطعام فشأنه أعظم! نزل وزني كيلوغرامات.. لا أشتهي أي شيء، وأتخوف من الأطعمة أن تضرني.. أصبح القيء أمرًا معتادًا؛ وأحيانًا أشعر بعده براحة، وأحيانًا أشعر بعده بتعب وحرقة تشعل جوفي، فأصبحت أتخوف من الزيارات لهذا السبب..
أما الكآبة والخمول وتدنّي الهمّة فعنوان تلك المرحلة! كانت يدي ترتخي نحو القاع بسهولة ويسر لتلتقط السفاسف ومضيّعات الأوقات فلا أُبالي! ثم يصحو ضميري فجأة فأتقطّع على وقتي الضائع حسرات، فأحاول النهوض فيتهاوى جسمي وتتلاشى أنفاسي وأعود إلى ما كنتُ فيه.. أنشطُ وأجَدّ ما كان فيّ ضميري الذي كانت تذهب صرخاته عليّ أدراج الرياح! لذلك أرى أن أجدى ما تفعله المرأة هنا أن تستسلم ولا تقاوم، وإن أحسّت من نفسها بوادر نشاط فلتقتنصها ما استطاعت، ولا بأس أن يغلب خمولها نشاطها.. الله سمّاها "وهنًا" وكفى بها عذرًا وحجّة!
وتمرّ الأيام.. وتعلّمك رسائل الضعف والقوة، والخمول والنشاط.. وتحمد الله أن ضعفك هذا بما فيه من تبريح لا يعدو الصحة والعادة، وأنه أمر طبيعي لا يدخل في مسمى المرض.. وأنه مرور وعبور لا مكوث وتطاول.. فتستشعر آلام المرضى الذين يعانون كما تعاني أو أشد، لكنهم مرضى وأنت طبيعيٌ صحيح مهما تألمت.. أذكر في تلك الفترة أخبرتني أمي عن أحد القريبات -رحمها الله- التي أصيبت بالسرطان وكيف انتشر السرطان في جسدها وعن معاناتها في تجرّع الكيماوي وآلامه وأنها كانت تتقيأ أي شيء باستمرار، فحمدتُ الله على ألمي الصغير الذي يعقبه فرحة مرجوّة -بإذن الله- مقابل آلامها التي الله وحده أعلم بمنتهاها وعاقبتها .. غفر الله لها والحمدلله على كل حال..
مرّت الشهور الثلاث الأولى (مرحلة الوَهن كما أسمّيها) على خير وأجر -بإذن الله-.. وشيئًا فشيئًا بدأ النور يبدد ظلام الونى والوهن، بدأت الأحاسيس الحلوة والملتمعة تتقاطر في القلب وتبلّ عروق الروح.. وكأنه السلام الوديع الذي يعقب هرج الحرب ومرجها فتتفجّر معه الآمال وتنطلق الأحلام وتتعلّق فيه القلوب بمستقبل يملؤه زينة الحياة الدنيا وأمل الأيام.. شيئًا فشيئًا تعودين كما أنتِ ببطنٍ صغير يكاد لا يُرى تطوف خواطرك حوله، شيئًا فشيئًا تحاولين استدراك ما فات؛ فنفسُك وطفلك الذي بين أحشائك يتسابقان فيك كفرسي رهان، فتحاولين إعطاء كل منهما ما يليق به من الاهتمام والتقدير.. فسبحان الله كيف ينتهي الألم ويحل مكانه السرور! وهذا من رحمة الله أن جعل الأم تنتقل في حملها بين ثقلٍ وخفّة فتستشعر به صورة حياتها المقبلة : التعب والفرح، الصبر والراحة، القلق والأمل! فالحمدلله دائمًا وأبدًا.. الحمدلله من قبل ومن بعد.. الحمدلله الكريم المتفضّل ذي اللطف والجلال والعظمة والكمال .
السبت، 12 فبراير 2022
أدب بلا أدباء!
كنتُ أتصفح الانستقرام فشاهدتُ قصة فُلانة التي عُرفت بثقافة وقلمٍ جميل تابعتها لأجلهما؛ فإذا هي غير التي عرفتها منذ سنوات وقد تغيّرت اهتماماتها كثيرًا؛ أصبحت من المفتونين بالقهوة ومريدي المقاهي والمطاعم.. لا يكاد يمر يومان إلا وتراها في مقهى أو تستعرض إعلانًا لقهوة أو لباسٍ أو حذاء أو تحف أو هدايا، ليس هذا فقط بل أصبحت من زوّار الفعاليات المتنوعة التي لا نسب بينها وبين الثقافة والأدب لا من قريب ولا بعيد؛ والتي لو زار إحداها الطنطاوي أو المنفلوطي لَخرَج وقد تعكّرت روحه وفسدت نفسه ولبث أيامًا يحاول استعادة عافية أدبه وقلمه! مما جعلني أتساءل عن الفارق بين صاحبتنا ومشاهير السنابشات جوّالي الشوارع والأماكن المزدحمة سوى أنها تكتب أحيانًا من بقايا أدبها القديم نصوصًا اختلط فصيحها بعامّيّها قصدًا لا عَرَضًا!
السبت، 11 سبتمبر 2021
ألبانيا .. أرض النسور
أحب أن تكون لدي رؤى سابقة عن المدن والبلدان التي أسافر إليها.. لا تعجبني كثيرًا فكرة المفاجآت أو ترك الأمور للصدف والاكتشاف هنا؛ لأني أؤمن أن للمدن روحًا قد لا تأتلف مع أرواحنا، فنحن في السفر لا نمرّ مرورًا كعابري سبيل، أو ننزل ضيوفًا نُقرى ونُضاف في ثلاثة أيام، نحن نمكث أكثر من ذلك؛ فتُطرح المؤنة والكلفة بيننا وبين المدن.. وندخل مزاراتها ونلج أسواقها وحاراتها بلا استئذان.. نستألفها وتستألفنا، ونعقد صداقة وصحبة منها، وربما وقعنا في حبها!
الاثنين، 26 يوليو 2021
بطولة العطالة
{وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى}
أنت لا تملك إلا سَعيَك.. ليس آمالك التي تتخدّر بها، أو أفكارك التي تزهو بها، أو أحاديثك التي تدندنها، أو مُتعك التي تلهو بها.. ليس لك إلا ما عملت وما ظهر على لسانك أو جوارحك، أو نيّة حسنة وعزم صادق اطّلع الله عليه فأثابك عليه.
شاعت ظاهرةٌ منذ زمن حتى اليوم خاصة عند الشباب، وهي ما أسميها :"بطولة العطالة"؛ أي أنك لن يوضع لك القبول بين القوم ولن تبرز عندهم أحيانًا إلا إن كنت خاملًا عاطلًا متمددًا بين اللذّات والمتع، يغدو يومك ويروح بين نُصبها وتماثيلها ! حتى أنك قد تعمل وتتحرّك وتنتقل من هنا إلى هناك لكن شغلك هذا ما زال دائرًا في ظلال هذه المعاني السطحية غير مكلّفٍ نفسك بالغوص في الأعماق! بدأت ألحظُ هذا المعنى بارزًا في المرحلة المتوسطة بالذات، لا زلت أذكر تلك الأيام حين نرى طالبةً نجيبة متفوقة نشيطة تشارك في الإذاعات والمسابقات فإن هذا الأمر الذي هو سرّ تميزها يصبح ملمزًا فيها ومحط سخرية بها في أعيننا! ولا عجب أن أمسَتْ بفضل هذه النظرة كاتبةُ هذه المقالة طالبةً عادية بعد أن كانت من المتفوقات، وطالبةً مزعجة للمعلمات بعد أن كانت مؤدبة.. ليس هي فقط، بل كُنّ زميلاتها كذلك.. ثم لما انتقلنَ للمرحلة المتوسطة اجتمعن فيما بينهن وأخذن على أنفسهن عهدًا جماعيًا أن يتحدْن ويتمرّدن على ماضيهنّ المشرّف! والحمدلله أن هذا الاعوجاج اعتدل في نهاية الثانوية بفضل المعدّل التراكمي المُصلت على رؤوسهن! العجيب أننا كنا في متوسطة إدراتُها من أشدّ الإدارات في مدينتنا رقابةً على الطالبات وضبطًا لهنّ، وتُسجّل المشرفات التعليميات والمديرات بناتهن فيها لهذه السمعة، ورغم ذلك أبَينا إلا أن نطرح التعهدات والتهديدات بإبلاغ ولاة أمورنا بمشاغباتنا جانبًا ونستمرّ في غيّنا! أنا أقص عليكم هذا الخبر كمثال لترسّخ هذه العطالة في عقولنا اليافعة ذلك الوقت وحمل نفوسنا عليها رغم معاكستنا لتيار القوانين والأخلاق والعقل، وهذا ما نجده عند اليافعين والشباب حتى الآن متخذًا صورًا مختلفة في البيت والمدرسة والشارع وشبكات التواصل وغيرها، فتجد مثلًا الصورة المثالية للحياة عند الشاب أو الفتاة أن يجلس أمام الشاشة متنقلًا من فيلم إلى فيلم وبجانبه صحن الفشار والبيبيسي.. ثم يخرج المطاعم باحثًا عن ضالّته في وجبة شهيّة.. ثم يخرج لأصحابه ممضين لياليهم باللهو واللعب.. أو ترى الفتاة أن أحلام حياتها بين بريق المناكير وعلب المكياج أو صبغات الشعر والقصّات والملابس.. أو أن يعلّق أحدهما ثريّا حياته في السفر والتنزّه؛ فإن زُحزح عن بيته أو مدينته وذرع الأرض فهو من الفائزين! ولكن هل الأمر بهذا السوء ؟ من منّا لا يحب هذه المتع ويحب أن يتفسّح في أرجائها؟ كلنا يحب ذلك.. إلا أنه بالغ السوء حقًا حين تصبح الحياة دائرة عليها فقط، وبالغ السوء حقًا حين يؤدي هذا النوع من الحياة إلى قلب المفاهيم ومحوها؛ فلا يصبح للتفوّق معنى، ويصبح العلم والقراءة محض جدية وثقل، والإنتاج جهدًا وكدًا لا طائل منه، والعمل والإنجاز سفاهةً يشفق على أصحابهما العاطلون! أذكر مرةً في الجامعة كانت تدرس معنا طالبة متميزّة أنشأت من المبادرات والأعمال ما لا تفعله طالبة في عمرها الآن؛ فكنت أمتدحها أمام زميلاتي؛ فقالت إحداهن: "نعم.. ولكنها مسكينة لم تستمتع بحياتها!" قد ذهبَ من قال:
بصرتُ بالراحة الكبرى فلم أرَها
تُنال إلا على جسرٍ من التعبِ!
برأيي أن وجود هذا النمط في مجتمعاتنا يرجع إلى أسباب من أهمها:
تكريس هذه المعاني والصور في الأفلام والمسلسلات، وأن الحياة السعيدة لا تكون إلا بالتنزّه والتسوّق وشاشات السينما وحفلات الرقص والسمر مع الأصدقاء، حتى على مستوى الأمهات والعجائز؛ فتظهر هذه المواد مثلًا صورة الأم التي يكون استمتاعها بالوقت حين تقضيه في زيارات الجارات والصديقات، أو في مشاهدة البرامج التلفزيونية الترفيهية والمسابقات وغيرها فقط.. نعم هناك أفلام ومسلسلات تتحدث عن أشخاص ناجحين لكنها قليلة بالنسبة لغيرها وباعتبارهم استثناءً ومعدودين.. أيضًا سببٌ آخر مهم وهو أُمّ الأسباب حقيقة، ويرتبط مع السبب الأول وغيره بعلاقة عكسية؛ فكلّما زاد هذا نقص ذاك، وكلما زاد ذاك نقص هذا، ألا وهو غياب المرجعية الإسلامية ونصوص ومفاهيم الكتاب والسنة عن سماء الجيل وأُفقهم، ولا شك أن القرآن والسنة تؤسس لمفهوم الحق في الإنسان والكون باعتباره قوةً عميقة راسخة تصدع كل الباطل والخور والسطحية حولها وتشظّيها، وبرهان ذلك النظري مبثوث في نصوص الوحيين، أما برهانه التطبيقي ففي عمل القرون الأولى من الأمة وحضارتها، ثم انحدار هذه الحضارة شيئًا فشيئا وارتباطه بالابتعاد عن هذه المرجعية، رافق هذا الانحدار الديني انحدارًا نفسيًا وسلوكيًا يتمثّل في ضعف الهمة والهشاشة النفسية والميل للدعة والكسل وسفاسف الأمور، أيضًا من الأسباب التي ترجع للتدين وجود صورة نمطية منتشرة للشخص المتديّن الزاهد الذي يحصر تعبّدَه بعبادات ومظاهر معيّنة فقط ولا يوسّعها لدائرة تشمل العلم والبحث والحَرَكية والإنجازات الدَعَوية؛ فإذا تديّن الشاب أو الفتاة ينبغي أن يكون تديّنه بهذه الصورة المتخشّعة التي تعتبر الفاعلية والسعي ضربًا من الأمور الهامشية التي لا يُلتفت لها! أيضًا من الأسباب وجود فهم اجتماعي خاطئ يختزل النفع والعمل والفاعلية في مقاعد الدراسة أو الوظيفة والعمل خارج المنزل، وربّما هناك أسبابٌ أخرى، لكن بنظري هذه أهم الأسباب.
قد يعتبر البعض المراحل الانتقالية التي يمر بها الإنسان كمرحلة "المراهقة" سببًا لهذا الطيش واللامبالاة التي يعيشها الشباب الصغار.. حسنًا؛ سأخبركم أمرًا قد يُدهش بعضكم! في المرحلة المتوسطة ذكرت لنا معلمة الدين أنه لا يوجد شيء اسمه مرحلة "المراهقة" وأن هذا المسمى مخترعٌ غربي يبرّرون به طيش ونزوات أبناء هذه المرحلة؛ فجّرت كلمتها هذه إنكارًا واستغرابًا في عقولنا آنذاك، وعارضناها وجادلناها حميّةً عن طيش عمرنا وجهالته أن يخمد فورانَه أحدٌ ولا يطلق له العنان! ومنذ ذلك الحين وكلمتها محفورة في عقلي أبحث عن تصديق لها أو تكذيب..لتنبثق أمام عيني فيما بعد شواهد متواترة من السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي لفتية قادوا جيوش أو برزوا في علمٍ أو استلموا مهمات ومسؤوليات وهم لا يزالون بعد في مرحلة "المراهقة" وبعضهم دون الثامنة عشرة! كأسامة بن زيد رضي الله عنه حين كلّفه النبي -صلى الله عليه وسلّم - بقيادة جيش وهو دون العشرين! وأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها حين تركت أهلها المشركين وخرجت وحدها مهاجرة من مكة إلى المدينة وهي لا تزال صغيرة بل في السادسة عشرة كما قيل! ومحمد بن القاسم الثقفي حين قاد الجيوش وفتحت على يديه البلدان وهو لا يزال بعد في السابعة عشرة! والإمام الشافعي حين قال له شيخه "آن لك أن تُفتي" وعمره لم يجاوز الخامسة عشرة أو الثامنة عشرة ! وغيرهم وغيرهم.. فلماذا لم يجارِ هؤلاء نزواتهم واحتياجاتهم وخصائصهم العمرية ويفسحوا لطيشهم وغرارتهم العنان! أؤمن أن لهذه المرحلة خصائص متغيرة وميل للّهو وغرائز وشهوات ظاهرة، وأن ذلك مما يُراعى ويُنظر.. وهو كما قالت عائشة رضي الله عنها: "فاقدروا قدر الجارية الحديثة السّن الحريصة على اللهو"، ولكن أؤمن أن هذه المرحلة هي أوان تفجّر القوة والفتوة واتّقاد العقل وسيلان العاطفة والجموح نحو الحياة؛ فهي أولى أن تُحوّر للخير والعلم والصراط المستقيم؛ وما تسقيه اليوم تحصده غدًا، ومن شبّ على شيء شاب عليه؛ ويكفيك أن تعلم أن الإسلام ينظر للشاب أو الفتاة أنهما بمجرد بلوغهما أصبحا مكلّفين عاقلين، عمومًا هذه حلقة رائعة علمية موثّقة للأخ سعد القحطاني تحدثت عن مفهوم "المراهقة" وتطوره وتبدّله عبر السنين : (خرافة المراهقة)
إذن لا أسباب حقيقية ترجع إلى عمرٍ أو دينٍ أو فكرٍ قويم تبرّر أو تشرعن هذه العطالة، إنما هي أهواء وطبائع فاسدة وجاهلية حديثة ابتُلي بها شباب هذا العصر، والحل أن تُنشر دائمًا ثقافة العمل والنفع والانتاجية الخالية من الشوائب والمنظورات الاجتماعية والفكرية الخاطئة، سواء بنصوص من تراثنا الإسلامي، أو من ثقافات ومرجعيات أخرى؛ لأن الغرض أولًا هو الحشد لفكرة العمل في النفس واعتبارها خصيصة إنسانية تستقيم بها حياة المرء والناس.. أحب كثيرًا تأمل ما قاله أحد الصالحين: "يا بني، همّتك فاحفظها لأنها مقدمة الأشياء" وقد أوجز بهذه الكليمات اليسيرات دروسًا عديدة في تطوير الذات وفن الحياة والسعي للأحلام وتحقيق الذات! فمن لا همّة له، لا عمل له ولا إنجاز في صغير الأمور وكبيرها، ولاحظ قوله: "فاحفظها" لأن الهمة تُحفظ بالحركة والسعي، وتفسد بالكسل والعجز! مهما كانت ظروفك؛ أبقِ شعلة الحياة "الهمة" مشتعلة في أعماقك، ولو كان ضوؤها وإحراقها لا يجاوز إبهامك.. قد يأتي يومٌ وتصبح شمسًا ! عن عبيد الله بن زياد قال: كان لي خالٌ يقول لي: "يا عبيد هِمَّ؛ فإن الهمة نصف المروءة"، وأحب مقولة عمر -رضي الله عنه-: "إني أكره الرجل يمشي سبهللًا، لا في أمر الدنيا ولا في أمر الآخرة!"؛ قد تكره ما تفعله الآن لأنه بنظرك ليس من معالي الأمور أو من أمور الآخرة، ولكن حتى الأمور الدنيوية اليومية فعلك لها هو دلالة نفعٍ وحياة فيك، وتستطيع تحويلها لنيّة خير يمتد أجرها إلى الآخرة بإذن الله، المهم أن لا تكون "سبهللًا"؛ تحدثت الأديبة (ميّ زيادة) في مقالة لها رائعة بعنوان (غاية الحياة) عن أوجاع النساء وقتامة أرواحهن المتمثلة في داءِ واحد يسلب ما فيهن من ماء الحياة وبريق الإنسانية، ألا وهو "الفراغ" والفراغ من القيمة بالذات؛ تقول ميّ:
"كثيرات هنَّ التعبات اللاتي وقعن فريسة ذلك الشلل المعنويِّ، مولِّد المجازفة والانحطاط الذي يدعى: السآمةَ، فيجرين هنا وهناك هربًا منه مخاطِرات بما وجب صونه، ناسيات ما عليهنَّ أن يذكرنه، ومنهن من لا تطيق البقاء يومًا واحدًا بلا زيارات واستقبالات وأحاديث جارات وخالات وعمات، كأنها تخاف الاختلاء ومقابلة نفسها وجهًا لوجه فتفقد بذلك أعظم تعزيةٍ وأعظم أمثولة في الحياة، وإن أحسنت القراءة دفنت سآمتها في الروايات دون أن تفقه ما فيها من مغزًى اجتماعيٍّ أو أخلاقيٍّ، مكتفيةً بتتبع الصلة الغرامية والاستسلام إلى ما يُبديه أبطالُ الرواية من انفعالٍ اصطناعيٍّ مضخَّمٍ، جاهلةً أنها بتطلب ذلك التحريض القهريِّ تُطفئ نور ذهنها وتُضعف من نفسها جميعَ القوى حتى قوة الحب الذي ينتقم من مُهينيه ومُزيفيه انتقامًا صارمًا.
وكيف نتناول ذلك الدواء ونتغذى بذلك القوت الإلهي؟ السبيل واحد لا ثاني له، وهو: العمل، العمل الذي ينير العقل، ويفتح القلب، ويملأ الوقت، ويحبو الحياة طعمًا لذيذًا، ويروِّح النفس الواجمة، ويرضي الطباع الساخطة، ويصرف العواطف المتلازبة في منافذ ومخارج حسنة العائدة على المرأة الواحدة وعلى من يلوذ بها. فلتعمل المرأة أيَّ عملٍ ينتظر يدًا تقوم به، وكل عمل تشعر من نفسها بميل جِدِّيٍّ إليه، وسواء كانت مشتغلة لتعيش أو لتلهو، لا فرق بين نوع العمل من علم وفن وخياطة وتطريز وتدبير منزل أو بيع في المخازن، فالأمر الجوهريُّ هو الاجتهاد، ووضع قلبها وفكرها في ما تعمله لتتقنه وتكبر به مهما كان صغيرًا حقيرًا، ولكن لفظة الحقارة لا تصلح لمعنى العمل؛ لأن كلَّ عمل شريف في ذاته، وليس منظِّف الشوارع بين الغبار والأقذار بأقلَّ أهمية من الرجل العظيم في قصره بين التهليل والإكبار، ولا هو أقلُّ نفعًا لأمته وللإنسانية."
عثرت على مقولة مؤخرًا أحب استذكارها كلما شعرتُ بالضياع أو بهتت في عيني نضارة الحياة: "إنّ التشاغلَ بالدفاتر والمحابر والدفاتر والدراسة؛ أصلُ التعبّد والتزهّد والرئاسة والسياسة" ؛ أؤمن كثيرًا أن العمل والتشاغل بما نفعله ترياق فعّال لكثير من همومنا وأحزاننا، وأن الجلوس بلا فعل شيء هو موتٌ بطيء يزحف على أعضائك واحدًا تلو الآخر زحف الثعبان، وكلما كان العمل جيدًا زاكيًا كلما جاد العقل وزكا الفؤاد وتفتحت في روحك أزاهير الحياة الطيبة! وإلا فما هي الحياة الطيبة؟ في القاموس المحيط: طابَ يَطِيبُ طابَاً وطِيباً وطِيبَةً وتَطْياباً: لَذَّ وَزَكَا، أي أن جواب الحياة الطيبة ببساطة هو : اللذيذة الزاكية، وما معنى اللذيذة الزاكية؟ (اللذة) في معجم لسان العرب هي: نقيض الألم،و(الزكاء): تأتي بعدة معانٍ ، وأصلها في اللغة كما في لسان العرب: الطهارة والنماء والبركة والمدح، أي أن الحياة الطيبة ليست فقط في الأشياء التي نستلذها، أو أن مفهوم اللذة لا يقتصر على الغرائز والمحسوسات كما اعتدنا أن نتصوّر، بل الأشياء التي نستلذها وتزكو بنا، اللذائذ الزاكية، المجردة والمحسوسة، الغائبة والمشهودة! فعلينا أن نبحث عن الحياة الطيبة في هذين الأمرين: اللذة، والزكاء، ولن تجتمع اللذة والزّكاء إلا في عمل صالح في الدنيا والآخرة!
قد يرى العاطلون أن العمل إتعابٌ للعقل وخدش لنعومة الجسد وإرهاق للروح، وأن المتعة والراحة أن تبتعد عن ذلك، ولم يتفكروا يومًا أن متعتهم وراحتهم هذه ميّتة باردة لا طعم لها ولا لون، وأن طعم المتعة والراحة الحقيقية تُذاق بعد العمل.. بين أوقات الإنجاز.. في توازنات الحياة وإعطاء كل شيء حقه؛ فهكذا لن يُضيّع العمر ولن تُهمل الراحة ولن تُلغى البهجة والمتعة.
السبت، 10 أبريل 2021
بين مدينتين
مرّ عامٌ ونصف تقريبا على زواجي وانتقالي للعيش من "الخرج" المدينة التي ولدت وعشت فيها ومنها أهلي إلى "الرياض" عاصمة البلاد ومدينتها الكبرى التي لا تنام، وأنا لا أقيس الوطن بالبلاد التي ننتمي إليها أو الجنسية التي عُلّقناها أو المدن والقرى التي وُلدنا فيها أو غيرها من أشياء اكتسبناها ولم نخترها.. نعم كل تلك فيها معنًى من الوطن ..ولكن الوطن الحقيقي برأيي هو ما حوته حدود صدرك وجرت فيه عروق دمك وبُسطت له أرض قلبك وهبّت عليه أرواحٌ من روحك.. الوطن هو الشعور الذي يسعك والحب الذي يدفئك والسكينة التي تمدّك وتمتدّ بها ولو كان مداها وأقصاها الحي الذي تعيش فيه أو حتى جدران بيتك أو غرفتك، الوطن هو صوت أبيك وابتسامة أمك ومناكفة إخوتك واجتماع قرابتك وضحكات أصدقائك وشمسٌ تداخلك أشعتها كل صباح وعصافيرٌ تضج قرب نافذتك وليل تغشاك سكينته وسَحَرٌ تُجلّلك قدسيته وأريكتةٌ ألِفتَ القراءة عليها ورفوفٌ تُغريك كُتبُها وطعامٌ مذاقه حنانُ أمك وقهوة نشوتُها تحلُّقُ عائلتك وطفولة حيّة وفتوةٌ نزقة مستوفزة وحاضرٌ طامحٌ وما هو أكثر وأكثر مما استوطنك قبل أن تستوطنه ومما هو "وِطـاء" ليّنٌ رحْـب قبل أن يصير "وطن"؛ لذلك نحب المدن ونحامي عنها، ولولا ذاك لاستوت "الخرج" مع باقي المدن، ولم يكن لها من فضيلة عندي سوى أنها منبت عائلتي وموطن أجدادي، وهي مع ذلك فضيلةٌ لها حنينٌ يعزف على وَتَرٍ لا ضاربَ لعوده سوى أنه ممتدٌ كدماء الأجداد السارية في عروقك، ولو تأملت المعنى الذي ذكرته لوجدت أنه وحده الذي يزن لفظ "الوطن" وزنًا لا زيادة فيه؛ فكم من شقيٍ يعيش في وطن آبائه وأجداده ودار طفولته وصباه وهو مع ذلك يخطو فيه على مثل الشوك؛ ينزف دمه ويُنكّد عيشه، وكم من سعيد يعيش في وطن آخر غير منبت أهله وأصله، وهو مع ذلك على مثل ريش النعام؛ ليّنٌ وطاؤه رغِدٌ عيشه.. هذا هو المعنى الخاص للوطن، وهو ألصق بالفرد من المعنى العام؛ والمعنى العام هو ما تعارف عليه الناس بينهم؛ وهو قطعة الأرض الكبيرة المترامية الأطراف التي يعيش فوقها مجتمع من الناس اتصلوا بينهم برابطةٍ ما، والدين أو اللغة أو الثقافة والهوية هي العُرى الأكيدة التي تشدّك لهذا الوطن، وبحسب وجودها فيك بحسب وجود الوطن فيك، والأغاني والقصائد والأعياد الوطنية بواعثٌ من أخطر وأوهى البواعث في آن لمثل هذه المعاني الوطنيّة، ولو عُدمت هذه البواعث في بعض الأوطان الفاسدة لانقطعت أسباب الانتماء بينها وبين مواطنيها، وعادت محبتهم سبابًا، واستيطانهم اغترابًا!
أحب في "الخرج" مزارعها التي تحوطها، تربتها الرطبة، وهواءها الذي يتنفّس الزروع.. زافرًا رائحتها خلَلَ بعض أرجاء المدينة، نخلها الوفير، وتمرتها الطيبة، وعيونها السحيقة التي يتعب المطر في ملئ أغوارها؛ أرضٌ يكتب الماء قصتها ويصوّر معالمها، فكانت تسمى سابقًا بـ "السيح" وهي الآن "الخرج"؛ والسيح مأخوذ من سيحان الماء من عيونها، والخرج من خراج الأرض من الزروع، وكلا الاسمين وجهان لصورة واحدة هي النبع والخضرة، أحب فيها مدنيّتها التي لا زالت منقسمة بين الجِدّة والانفتاح، والتقليد والمحافظة.. تشدّها إلى الأول ضرورةُ الزمن السائر، وتبقيها على الثاني ضرورة الهوية والماضي الحاضر، يدعوها إلى الأول قربها من الرياض وتردد أهلها عليها، ويثبتها على الثاني أنها لا زالت تلك المدينة التي تخفي في داخلها طباع القرية.. فلا هي تلك، ولا هي تلك.. أحب أنها مسقط رأسي وملعب طفولتي ومدرج شبابي وتراب بيتنا وموطئ قدَمي والدَيّ وكفى، وإن لمعاهد الصبا وذكرياته لصوقًا بالقلب وأطلالًا لا تملك إلا أن تقف عندها يموج بك الشوق والحنين.. وإن عشنا فيها أيامًا صعبة ومسّنا فيها الضرّ :
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبدًا لأول منزلِ
أحب في بيتنا اتساعه بالحب قبل اتساعه بالمكان، وحبوره بالطمأنينة قبل حبوره بالنور:
أحبِب فيغدو الكون قصرًا نيرًا
وأبغض فيمسي الكون سجنًا مظلمًا
ويقال أنه حين ضاق بميسون الأعرابية قصرُ معاوية بن أبي سفيان الفسيح وتمنّت العودة إلى خيمتها النائية في البادية أنشأت تقول أبياتًا من ضمنها:
وبيتٌ تخفقُ الأرواح فيه
أحب إليّ من قصرٍ مُنيفِ!
فطلّقها معاوية وعادت إلى خيمتها مغتبطة جذلى.. إنما يعمر مسكنَ الإنسان نفسُه؛ فإن نهضت فيه نهض، وإلا انهدّ وتقوّض!
وأحب في بيتنا غرفتي.. تلك الجنة الصغيرة المبنيّة من رخامٍ وجدار! غرفتي التي تعاقبت عليها فصول نفسي وحُفرت فيها أعماقها وأغوارها.. وسادة دموعها ومخدع آمالها وأريكة تأملها ونافذة فكرها وخيالها.. غرفتي المفتوحة على الشرق فهي تشرق مع الشمس؛ وقد عببتُ من وحي هذا الإشراق ومعناه الكثير، وامتزج ضياؤه مع معنى اسمي "نورة" فشكّل في نفسي شمسًا أخرى لا ترضى بالأفول، وإن دارت عليها كُرة الحياة دورتها يُعزّيها أنها ستشرق من جديد. كان من عاداتي في بيتنا والتي لم أنقطع عنها حتى الآن المشي قبل الغروب في الفناء وترديد الأذكار والتسابيح مع الطير وتحت السماء المتموجة بصُفرة الأصيل.. لحظاتٌ ساحرة مليئة بالبهاء والجلال، وخفّةٌ في النفس كخفّة ذلك النسيم الذي اشتبه عليه أمرك: أأنت ريشة أم إنسانٌ طائر؟ ليحملك معه! تلك الذكرى هي كالشذرة الذهبيّة من جواهر تلك الذكريات.
يقع بيتنا في طرف الخرج، أو في ضاحيتها تقريبا، في حيّ تكثر فيه الأراضي الفارغة إذ لم تعمّر بيوته كلها بعد، وعلى بعد كيلومترات منه تقع مزارع غنّاءَ بالنخيل الباسقات، كان لهذا الموقع أثره في ازدحام سمائنا بالعصافير، وفي الهواء الذي نتنفّسه ونقائه وهبوبه ورائحته المنعشة أحيانًا.. حتى إن اسم حيّنا "حيّ الورود"؛ فكأن زكاء الهواء نسيمُ بستان مترعةٌ أرضه بالورود. أزعم أن لذلك الجو الذي كنت أعيش به أثره في شخصيتي وأدبي، والإنسان يتطبّع بما يحيطه أيضًا، والرافعي يقول:
"وإنما قوة الشعر في مساقط الجو، ففي كل جوّ جديد روح للشاعر جديدة؛ والطبيعة كالناس: هي في مكانٍ بيضاء، وفي مكان سوداء، وهي في موضع نائمة تحلم وفي موضعٍ قائمة تعمل، وفي بلد هي كالأنثى الجميلة، وفي بلد هي كالرجل المصارع؛ ولن يجتمع لك روح الجهاز العصبي على أقواه وأشدّه إلا إذا أطعمته مع صنوف الأطعمة اللذيذة المفيدة ألوانَ الهواء اللذيذ المفيد"
ثم تزوجت وانتقلت للعيش في الرياض تلك المدينة المضطربة اضطراب الطريق في الجبال.. صاعدًا ونازلًا، لا تهدأ، متفجرة بالناس.. وبالفرص والأرزاق والترفيه كذلك، وقد أخذتُ من طبعها الذي لا يهدأ طبعًا لحياتي وأسلوبي بعد الزواج إذ أصبحتُ سيدة منزلٍ مستقل وربّة أسرة جديدة بإذن الله، فزاد جهدي ومسؤولياتي وأصبحت في وقتي ساعية بين أعمالي المختلفة. وحين افتتحتُ حياتي الزوجية في بيتي الجديد كان من أصعب ما واجهته هو نقل الإلف الذي صحبته والتناغم الذي راقصته والقرار الذي تنعّمته في/ من بيت أهلي إلى عشي الصغير هذا.. لم يكن الأمر سهلًا لفتاة ألوفةٍ و(بيتوتيةٍ ) مثلي تُكنّ الوفاء لأصغر شيءٍ أحبّته وصاحبَته زمنًا! كنتُ أبحث في عشّي الصغير عن زوايا بيتنا.. عن جدرانه وأنواره الشمسيّة الداخلة من فتحاته المتعددة .. عن أشياء كثيرة فيه! ولكن الزمن مرّ، ويومًا بعد يوم كنتُ أعقد مع الأشياء الجديدة صداقةً.. فإلفًا.. فتعلّقًا.. فوفاءً .. فجمالًا وإحساسًا فريدًا مختلفًا! أن أكون سيدة منزل مستقل وهذا المنزل هو (مملكتي) أنا بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.. ثم أن تكون هذه الوظيفة لها ما بعدها إذ ستثمر بإذن الله أبناء وأسرة، ولها ما قبلها ومعها وبعدها : زوجٌ وحبيب وشريك قلبٍ وحياة بإذن الله.. أنتِ له وهو لك كشجرة يُستظلّ بها أو يُجنى من ثمرها.. بردًا في الضرّاء وغدقًا في السرّاء؛ أن أكون في كل ذلك هو هبةٌ إلهية وعطاءٌ ورزقٌ جميل!
أعطاني الزواج أشياءً قد لا أتحصّل مثلها في العزوبية؛ أولها أني أحببتُ الطبخ كثيرًا وكأني ولدتُ في المطبخ! كنت أطبخ في بيت أهلي ولكن ليس بصفة مستمرة وبمساعدة الخادمة، فضلًا أني كنت كثيرًا ما أفعله إرضاءً لأمي ليس إلا، ولكن حين تزوجت مارسته أولًا على طريقة :"إذا كنت مُجبرًا فاستمتع" ثم هداني الله سُبلَه وأحببته وأدركت أنه فنٌّ وذكاء يُتقن بالإحساس ويلَذّ بالحبّ.. ثم أي شرفٍ أحسنُ من أن تدلّل بطنك؟ ثم تكون بعد ذلك أنت من صنع هذا الطعام اللذيذ؟ :)، ومهارات منزلية واجتماعية عديدة أزعم أني لم أكن لأكتسبها وأنا فتاةٌ منزوية في ظلّ والدَيّ.
في كنف هذا التغيير الظرفي والحياتي تغيّرت شخصيتي واهتماماتي؛ حتى قراءاتي وميولي العلمية تغيرت بدرجةٍ ما، وقد فصّلت شكل هذا التغيير هنا، ولا يُلام المرء على ذلك ولا يُستغرب، بل الغرابة أن يكبر عمرك وتتلقّفك الظروف وتمرّ عليك الأحوال وأنت ثابتٌ على حالك، وهذا لا يدل على صلابتك كما تزعم وتكابر، بل يدلّ أنك خشبة أو جدار لا بشر وإنسان ! حين أصبحتُ زوجة أصبحت اهتماماتي وميولي قويمة كالمسؤولية التي تقلّدتها والميثاق الغليظ الذي صرت طرفًا فيه؛ فكان لذلك أثره على الأدب والكتابة.. أصبحتُ منظّمةً وجادّة أكثر، والأدب مُنسرحٌ وليّنٌ أكثر.. فتغيّرت على الأدب وتغيّر هو عليّ؛ صرتُ أمكث المُدد الطويلة لا أمطر منه قطرة، وإن جاءت فهي واحدة لا تروي الغليل، أو يجيء غيثه معه ظلماتٌ وبرق ورعد؛ تقصف أفكارُه أو تخطف الأبصارَ حُجَجُه، ليس له من المعنى الرقيق والإحساس الجميل إلا قطراتٌ تتساقط عليك هنيهة قبل أن يروعك مرة أخرى صوت رعده وضوء برقه.. وهذا الأمر له حسناته كما له سيئاته.
وبعد، فإن سألني سائل: أين تجد نورة نفسها وأين تلقي عصا روحها فتقول أن هذا هو وطنها: الخرج أم الرياض؟ هذا البيت أم ذاك؟
مرة أخرى: لماذا نضيّق معنى الوطن ونحصره في بقعةٍ معيّنة وصورة شاخصة وكأنه لفظٌ خلَعَ معناه أو قصةٌ مُسحت شخوصها أو خبرٌ أُهملت حقيقته؟ ألا يكون معناه أكبر وأصغر في آن؟ ألا يكون يكون واقعًا في روح الإنسان قبل أن يقع في الخريطة .. فيكون وطنًا متنقلًا يحمله معه أينما يذهب؛ فروحه تلقي على الموجودات انعكاسها، وتتجاذب مع أشباهها هنا وهناك فيتحقق له وجودٌ ووطنٌ أينما يكون؟ نعم.. كلهم أهلي، هناك حبيبٌ وهنا حبيب، وأنا لكليهما أنتمي.






