الأحد، 9 فبراير 2025

علّمتني سنـاء ..



سنتان ونصف هي عمري الأمومي الذي أدخلتني في زمانه صغيرتي الحلوة سناء، سنتان هي رحى مشاعر شتى تُذر وتتخلق شيئًا آخر، تدور وتختلط وتضطرب، تسرع وتتردد سرعةً وتردادًا أشبه بقلب الأم القَلق اللاهف المؤمل المنقسم بين نفسه وقطعةٍ من نفسه، سنتان هي انغماسٌ في تجربة إنسانية كاملة وسمتني -وما زالت- بصبغة أخرى غير التي عرفْتُ وعُرفت بها نفسي. 

لم تشرع لي الأمومة في بداياتها أبوابها طواعية ولم تفرش من تحت قدمي سجادها الوردي الحرير الذي صوّروه لنا، كانت (كما بلوتها أنا) صعبة لحدّ الحيرة، محيّرة لحدّ الوعورة، لم أرفضها وأنفر منها بحمدالله ولكن مخاضها الشعوري كان عسيرًا وأصعب من مخاضها الجسدي.. لم يكن سهلًا علي الانتقال من عريشي الياسميني المنفرد إلى دَغلٍ تزحمني فيه شجيرات وعشائش أخرى.. تُضيّق خطوي أحيانًا.. تجعلني أقدّر وأفكر عدة مرات قبل الخروج منها والعودة إليها! تُربةٌ وحياةٌ أخرى نقلتني إليها الأمومة، ولكني-بحمدالله- نَمَوتُ بها شجيرةً في نهاية المطاف؛ وما زلتُ أتباسق وأعلو، وأثمر وأعطي، وأضمّ سناء إلى صدري وأنا أردد قول الأعرابية :

"يا حبذا ريح الولد .. ريح الخزامى في البلد

أهكذا كل ولد؟ .. أم لم يلد مثلي أحد؟!" 

وأحمد الله على نعمة الأمومة الجزلى .

علمتني هذه التجربة القصيرة عمرًا الغزيرة أثرًا أشياء كثيرة، تتغير وتتشكل في كل مرحلة من مراحل سناء العمرية، ولكن أهمها : الصبر والتصبّر! فلو جمعتُ كل نصيحة صبر نصحوني بها؛ ما ألقيت لها أذني كما فعلت حين جاءت سناء، ولو تتبعت كل أثرٍ وخبر يحث عليه؛ ما أخصب وأثمر كما في تجربتي في الأمومة! ذلك أنه لا سبيل للأم إلا الصبر، وصبرها ليس علقمًا مرًا، بل تخلط فيه حلاوة الإشفاق على صغيرها ورجاءَ أن تبلغ به غاية محابّها وآمالها.. قليلٌ ما جربت في عمري أن تفور كبدي وتنشق غيظًا حتى كأنها -بلا مبالغة- أرض بركانية تلمع من تحتها النيران، ثم تلتئم فجأة وتنطفئ جمارها وتغور حتى كأنها ما وُجدت! ولكني حين أصبحت أمًا جربت هذا الأمر مرات كثيرة .. فسبحان من سكب في قلوب الأمهات صبرًا وحنانًا.

علمتني هذه التجربة كيف تتشكّل نفس الإنسان من عوامل تُرى ولا تُرى أحيانًا، وتُصنع أحيانًا وأحيانًا تطرأ، وتُختار أحيانًا ويجبر عليها أحيانا! مذهل حقًا أني أنا الأم المدادُ العريض في هذه الصفحة البيضاء الفارغة.. وليست صفحة في كتاب أو لوحة على جدار؛ بل نفس إنسانية غضة ناشئة بكل ما تحمله هذه الكلمة من كثافة معنوية! مذهل حقًا حين أرى أثرًا نفسيًا وسلوكيًا ولغويًا فيها سببه أنا، ثم إنه قد لا يكون سببًا مباشرًا، بل حصيلة تراكمات وطبائع نفسية متأصلة ظهرت بغير اختيار مني على طفلتي.. فكل صفة على ابنك هي شائبةٌ من صفاتك وأثر سابق منك أو من حتى عائلتك وأجدادك، مذهل ومخيفٌ في آن! ومع ذلك .. فقد علمني هذا الامتحان التربوي والنفسي كيف أفقه النفس الإنسانية بناءً وصناعةً؛ فسابقًا كانت علاقتي بالنفس علاقة شعورٍ وأدب، وخواطر وعواطف.. أي علاقة انكفاء لا إعلاء، ودوران لا تسديد!

علمتني هذه التجربة مسيرة اللغة في الإنسان، وكيف تتشكل في دماغه من إشارة وكلمة وسياق وعبارة.. وصورة وإحساس وشعور ومشهد! علم لسانيات ولغويات أتلقى دروسها تطبيقيًا لا نظريًا أمامي، وفيلم وثائقي يشرح لي اللغة أنا فيه المُخرج وصغيرتي هي المؤدّي والمُعِدّ في آن! لكم كان فاتنًا بالنسبة لي -وأنا الأديبة العاشقة للغة- حين أعلمها كلمة جديدة وأفكر كيف أوصلها لها وأدسّها في وعيها وتركيزها! وقد تعلمت أن اكتساب اللغة عند الطفل يتم كثيرًا بطريقة السياق لا الإفراد؛ بمعنى أنك حين تعلمه كلمة جديدة تأتِ بها في سياقات مختلفة: أنشودة أو بيت شعر، أو جملًا بمعانٍ مختلفة تُقال أمامه، ثم تترك لذكائه الفطري وصفاء عقله الصغير أن يلتقطها ويفهمها ويترجمها إلى لغته الناشئة.. من بين مراحل سناء العمرية المختلفة كانت مرحلة تكوّن اللغة واكتساب الكلمات هي الأحب والأمتع بالنسبة لي! فحين أتذكر كيف كانت حين ولدتُها وأن لغتها كانت مجرد بكاء وأصوات لا معنى لها ونظرات وإشارات عشوائية.. ثم كيف أصبحت الآن أسبح بحمد ربي الذي علم الإنسان معجزة البيان! 

علّمتني الأمومة أن كل أُمٍّ مهما هُمّشت في نظر من حولها ومهما بَدَت حقيرة وضئيلة في عَينيْ نفسها فإن لها من التأثير والمِلئ في عيني صغيرها ما يشبه أثر نبيٍّ في نفوس أتباعه! أولم يقل صلى الله عليه وسلم :"فأبواه يهوّدانه أو يمجسّانه أو ينصّرانه…" ؟ لم يعطني أحدٌ ثقةً في الكلام ويقينًا في الإقناع كما أعطتني سناء حين أحادثها وأعلّمها، أشعر أن تعليمي لها يُسدّد كالسهم فيصيب في قلبها الغض موقعه.. وتلك عظمة الأمومة وإبهارها، وأمانتُها ومخوفها.

علمتني الأمومة أن كل أُم هي أُمّ بطريقة أو بأخرى مهما غالوا في قدسيتها وزادوا، ومهما أعادوا وفصّلوا ونقّحوا! لا أخبركم كيف تعرقلت كثيرًا بتنظيرات الأمومة الجمّة الزبدِ منها والحقيقي، اللغو والفَصْل، المثالي والواقعي في عمري الأمومي القصير! وغالبها بالطبع منثور في وسائل التواصل، ولا أنكر أن كثيرًا منها بحمدلله لم آخذه على علّاته بل كان دافعًا لي للقراءة والبحث في شأنه..وعرفت منه أن غالبها أتى من الغرب أو متأثر بمشاربهم وأساليبهم.. وسأنشر بإذن الله مقالةً كتبتها بهذا الخصوص أفصل فيها بالأمثلة والشواهد أكثر، ولكني أريد القول هنا أنه سواءً إن اختارت الأم أن تقتصر على وظيفتها الأمومية بين جدران منزلها، أو اختارت الخروج لوظيفة أخرى (بحدٍ معقول وساعات معقولة) أو أصرّت على مواصلة دراسة أو طلب علم أو ممارسة هواية- سواء خلال سنتي طفلها الأولى أو بعد ذلك- فهي أمٌ طالما لم تُفرّط! وضعوا تحت "تفرط" ألف خط، فهو المعيار هنا، لا الإفراط أو الإفراط الذي يتمظهر بمظهر التوسط! 

وكيف تعرف الأم حدّ التوسط الحقيقي أو حدّ التفريط الذي لا تزلّ عنه؟! من وجهة نظري بعدّة أمور:

-عدم الإكثار من متابعة حسابات الأمهات والتربويين والتربويات في وسائل التواصل، والاقتصار على حسابات أصحابها مشهود لهم حقًا بالنفع والخبرة وأصالة المرجع والمنهج. وللأسف أن غالبية حسابات الأمهات في وسائل التواصل طرحها متأثر بالمناهج الغربية! وإن كنت عمومًا لا أحبذ الاعتماد على وسائل التواصل بل تكون شأنًا ثانويًا وإضافيًا، ويكون الاعتماد على تربوي مشهود له بأصالة المرجع وطول الخبرة.

-أن تحاول الأم إكمال حياتها بصورة طبيعية، كما كانت سابقًا.. ولكن كيف والأمومة تتطلب ما تتطلب؟! نعم.. سوف تضاف لحياتها مسؤولية جديدة تزحم وقتها وربما تثقلها قليلًا، ولكن لا بد ألا يزاد في قَدْرها، وليس هذا تنظيرًا لا واقعية فيه.. بل لأن الطفل يتعلم بالتوازي مما يلاحظه من الحياة المستمرة حوله وليس بحاجة أن يُفرد له وقت مستقل وأنشطة خاصة! نعم يحتاج بعضًا من ذلك، ولكن ليس كل يوم وليس أغلب الوقت! هذه عادة غربيّة بامتياز.. تعزل الطفل عما حوله، بل وكثير منها تُصغّره ولا تبلغه مبلغ الكبار! وهناك استقراءات وشواهد.

-أن تقرأ الأم في التربية قديمًا وطريقة الأمهات في التنشئة والرعاية سواء على سبيل التقليد والاتباع لها أو الموازنة والتسديد والمقاربة معها! وخيرٌ من ذلك وأظهر وألزم .. أن تقرأ كيف كان يربي خير المرسلين صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلفهم من بعدهم الأطفال والأبناء، فهم خير مثال وفي طريقتهم ما يزيح عن النفس حرج التقصير وضائقة الغلو.

-لا أصدقَ للأم من حدسها.. ولا أوثقَ من ملاحظتها ونظراتها لصغيرها، ثم لا أحسن من الموازنة بين الحقوق المختلفة: حق ربها، وحق نفسها، وحق زوجها، وحق بيتها وأبنائها.. ومن الله الهداية والتوفيق والعون والتأييد، لأن هذه الأمور تتطلب قوةً وانتزاعًا للنفس؛ فليس سهلًا لقلب الأم المشفق الضعيف أن يصمد أمام زحام العتب والنصائح والنظريات المتعلقة بفلذة أكبادها، وغالبية من حولها يسبحون مع هذا التيار ولا يحاولون معاكسته.


أقرّ الله كل أمٍّ بأبنائها وأعانها في نفسها وفيهم، وبلّغها ما ترجوه من خيري الدنيا والآخرة.


الأربعاء، 8 يناير 2025

عادت لنا شامٌ وعدنا

صدمنا خبر تحرير سوريا صدمة الفرح.. حتى تعرّج فينا الشعور أول الأمر بين معقولية حدوثه والنشوة بحصوله،فكنا بين الارتياب أن سرعة هذا النصر وسهولته فيها دَخَن وعواقبه لا تزال مقلقة، وبين تمنيه واللهفة عليه.. ولكن متى يتوب الإنسان عن قياس كل شيء بعقله وتقدير الأمور بمنطقه ظانًّا أنه الراشد المهتدي؟! إن سنن الله وقدرته وتدبيره وعظمته فوق كل شيء! ولئن كان نصر الثوار عزًّا وظفرًا واستعلاءً عند الساسة والخاصة، فهو فرح ورحمة وفرج وشجن عند الشعب والعامة.. فهو فتح الفتوح في حياة الساسة والناس؛ خاصةً بعد الذي رأيناه من إطلاق المظلومين والمعتقلين وعودة الغائبين والمنقطعين إلى أرضهم وديارهم.. وأنا هنا أكتب عن مشاهد عودة هؤلاء إلى أوطانهم.. أكتب عن الفرح برجوعهم أوطانهم بعد زوال غول الطغيان والفساد الذي أظل البلاد والعباد أكثر من ٥٠ عاما، وبعضهم مكث في المنفى أكثر من ٤٠ عامًا؛ فكأني به يشعر بفرحٍ يشبه برْد الرؤيا المبشرة يراها المغموم فيستيقظ ضاحكًا مرتاحًا، لقد كان التحرير قصيرًا كرؤيا المنام وحدوثه أسرع من تحقق الأحلام، وبلا إرهاصاتٍ سوابق أو تنبؤات تبشر أو تنذر.. شيءٌ كردّ الطرف أو انفلاق الصبح، شيءٌ كالخيال! فهل تعجبون أن صارت فرحتهم فرحتين وزِيد في وقعها وانضباطها حتى غدت كنشوة الطرِب وصخب الأطفال؟ أما من فارقوا البلاد قريبًا إبان الثورة فهم وإن لم يطيلوا البقاء في الخارج إلا أن الثأر لم يزل قريبًا والدم ما برح نازفًا والبيت مهدّمًا والنفس متبعثرة.. فرجوعهم كان رجوع الظافر في الحرب والقاطف لثمار الصبر ! ثم إن العودة لدمشق وأرض الشام لا يشبهه شيء؛ فإن زارها أحدٌ شعر أنه حطّ على أرض التاريخ والخلائف .. فكيف بأهلها ومن غاب عنها وعاد إليها ؟ إن أهل الشام غصنٌ من دوحتها التي لم تزل جذورها تضرب في الأرض وغصونها وأفنانها تتباسق في السماء.. ترى شَمم الشام يلوح في وجوههم وياسمينها وبيوتها وشرفاتها تطيف في أرواحهم ومزاجها وطبيعتها تمد طباعهم ونفوسهم .. هم منها وهي منهم وإن حاول الطغاة أن يزيحوهم عن تاريخهم ويقطعوا أواصرهم بماضيهم! ورغم ذلك لم يزل في النفس غصة على أولئك الذين لن يعودوا للأبد: لن يرجع الكل يا شمّاءُ وآ أسفًا فهل حفظتِ لنا آثار من رحلوا ؟! * منذ رأيت إياب المنقطعين إلى دمشق ودموعهم وفرحتهم تذكرت شيخنا الأديب علي الطنطاوي ووجده ودموعه على دمشق وأمنيته أن يعود إليها قبل الممات ويدفن فيها! إن روح الميت قد تشعر بما يلمّ بأحبابها من الأحوال، ودمشق ليست مدينة علي الطنطاوي فحسب؛ بل هي والدة وهو ابنها، أو هو والدٌ وهي ابنته! فهل بلغه وشعر به في قبره نبأُ النصر المجيد والفتح المبين الذي تكللت به حبيبته دمشق؟! وهل أحس به غيره ممن مات بعيدًا عنها منقطعًا محرومًا مشتاقًا إليها؟! أن ترحل عن موطنك مختارًا ثم تتسلى عنه بغيره وقد تنساه في ماضي الذاكرة فذاك ليس الشأن.. بل الشأن في الإبعاد وأن تضيق عليك تلك الأرض الواسعة فتُطرد منها منبوذًا معاقبًا .. وقد فقه الكفار ذلك فصاروا يتحدون رسلهم وأنبياءهم بالطرد والإبعاد من أرضهم إن هم استمروا بدعوتهم لهم: " لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودنّ في ملتنا" ، وقد تحشرج بنبيّنا صلى الله عليه وسلم الشوق والحسرة على مكة قبل أن تفارق عينيه ويطول غيابه عنها وذلك حين وقف مودّعًا لها وهو في طريقه مهاجر إلى المدينة فقال: " واللَّهِ إنَّكِ لخيرُ أرضِ اللَّهِ، وأحبُّ أرضِ اللَّهِ إلى اللَّهِ، ولولا أنِّي أُخرِجتُ منكِ ما خرجتُ" وأن تُسد في وجهك منافذ العودة ويُختم على ماضيك وأحبابك وذكرياتك هناك بالطرد والمنفى لَهو القهر المضطرم بالحسرات، والأشواق المسفوحة بالآهات.. اللهم هيء للغائبين سبيلًا إلى أوطانهم آمنين غانمين، ونحِ اللهم الظلم والظالمين عن بلاد المسلمين واكلأ البلاد والعباد بالعدل والإيمان والأمن والسلام..

الأحد، 3 نوفمبر 2024

على بوابة الثلاثين..

كمن يتحاشى أن ينظر في المرآة إلى عيبٍ في منظره معلًّلا نفسه بأنه غير ظاهر، أو ليس بالشيء الناشز ؛ أتحاشى أنا عمري الثلاثين الذي بلغته منذ عامٍ في التقويم الهجري! أقول في نفسي: ليس بعد .. التقويم الميلادي أضبط.. ثم إن العمر مجرد رقم، والعمر النفسي والتأريخ الشعوري أضبط وأدق، وها قد حلّ تاريخ عمري الثلاثون بالتقويم الميلادي هذه المرة، والعيب في المرآة يلحّ أن يُهذَّب أو يُزال! فأين أنا من الجلوس على ربوة العمر أتأمل طلل العشرين المهجّرة للتو.. وأتأمل بروج الثلاثين خلف تلك الأسوار والطرقات المجهولة ؟! فأبكي على ما فات أو أستدرك له؟ أم أودّعه لطيفًا خفيفًا كما جاء مرّ ؟! هيهات.. أنّى في دنيانا السلام المبرأ من الأذى والأكدار ؟!أنى منها الصواب المنزه عن الخطأ والندم؟! مُحال! يسمّي بعض أهل اللغة من بلغ الثلاثين كهلًا، فهل آنستُ من نفسي رُشدًا يجوّز إطلاق الكهولة عليّ بحكم أني بلغت الثلاثين؟ أم أنه كما قلت بأن العمر مجرد رقم، وأنه ليس نهرًا بل جدولًا صغيرًا تعبره بخطوة إلى ضفةٍ كأنها الأولى التي خلَّفتها ! هذا السؤال أحرى بأهل الفكر والاجتماع والمتأملين من الناس أن يتفكرونه ويتباحثونه، ولا تطرحوه رجاءً على أصحاب تطوير الذات والذين يضعون قوالب جاهزة عن الأعمار ومعالمها النفسية وما ينبغي عليك فعله في كل عمر! أما أنا فالجواب النظري العام لا يزال مبهمًا في عقلي، أما الجواب الشخصي المحسوس فهو أني مررتُ من الأحداث والأدوار والتجارب والمسرات والآلام في عقدي العشرين ما أسنّ رمحي وشدّ قلبي وأنضج عقلي حتى غدوتُ فتاةً أخرى غير ما كانته قبل خمس سنوات وغير ما هو قبل عشر سنوات! ورغم ذلك.. ما زلتُ أحنّ إلى بعض ما كان وإن كان الذي هو كائنٌ أسوغ في العقل والعُرف والمكانة أحيانًا، إلّا أن القلب يتمنى ويشتهي مباحاتٍ ومندوحاتٍ أُحلّت له، ولكن إذا جاء الواجب وحُدّتِ الحدود وخُطّت وأضحى ما وراء الحدّ حرامًا وذنبًا؛ انتصب العقل آمرًا وناهيًا فلا مجال للقلب إلا الإذعان! لقد كان عقْدًا مليئًا بتدبير الله واختياره الحكيم العليم، كانت يده سبحانه تدفعني إلى المضي في طرقات لولاها لبقيت ساكنة في مكاني لا يحركني شيء.. أخبط ذات اليمين والشمال، ويعجبني هدوء مكاني واستقراره وابتعاده عن الزحام ومواضع الأقدام، وأحسب أني على خير وهون.. ولكن الله يسوقني ويوجّهني إلى غير ما أرغب ، ثم أُراني أدرك لاحقًا أني في الطريق الصحيح .. فأحمد الله على لطفه وخِيرته.. وتقديره وهداياته، ونِعمٍ ومسخّراتٍ ما زالت تُصب عليّ أينما توجهت ..

السبت، 1 يونيو 2024

نعمة التكيّف



أكثر ما يخشى فقده الإنسان هو الإلف.. إلفُ الأشياء.. الأوقات.. الأمكنة..الأشخاص؛ الإلف هو جوهر الفقد وسبُبه! وبالنسبة لامرأةٍ منضبطة توّاقةٍ مثلي؛ كنتُ دومًا أخشى فقد الحياة التي تعوّدتها والرخاء الذي عايشته؛ وإن كان رخاءً نسبيًا أقتاته هُدنةً بين معارك المشاغل والالتزامات! كنتُ أخشى الأمور الحادثة التي تستولي على محبوباتي وأوقاتي المعتادة.. أخشى المشاعر الجديدة التي تربك سلام مشاعري القديمة، أخشى جرْس الخاطر المتوجّس الذي يزعج طمأنينة جوانحي.. أخشى أن أفشل في التوافق مع كل ذلك وأستمر في خوض معاركٍ معها أبد الدهر! لذلك أحمد الله أن زاد لي في نعمة الخيال واللهفة والتشوّف للمجهول ولم يجعلني واقعية أقيس المستقبل بقياسات الواقع فأقدّر الصعوبات بأوزانها الدقيقة وأشذّب من المباهج ما زاد منها وأخشى اللحظة التالية لأني أبصرت سوءً يطل برأسه منها! بل جعلني أخوض غمرة الجديد وأنا غير آبهةٍ بما تحته.. فإذا عايشته وعرفته قلقت مما كان فيه فأخوض حروبي معه أو أخضع له! هل هناك تضادٌ بين الأمرين؟ بين أن أخشى الجديد وأتلهّف له؟! لا .. فأنا أخشاه بعد وقوعه لا قبله!

كنتُ قبل الزواج قلقة بعض الشيء من هذه المرحلة الجديدة من حياتي، متخوفة من المسؤوليات والالتزامات والتقيّد بنفس السلسلة مع قيد شخصٍ آخر.. خائفةً أن تختنق رغباتي ومحبوباتي وأوقاتي الهانئة في زحام الحياة الجديدة .. فلما تزوجت لم يكن الأمر سهلًا كما توقعت، اعتركت وحاولت وجاهدت في سبيل التوفيق والتوافق.. ثم بفضل الله ثم بفضل تعاون الرفيق نجحت! لا لم تعُد حياتي كما كانت قبل الزواج؛ ولكنها أخذت طورًا جديدًا كبرتُ فيه أنا، ولكنها اختلفت و إن لم تكن تشابهت، ولكنها انتقلت وإن لم رجَعت! وكان هذا انتقالًا واختلافًا يسيرًا إلى ما سيكون! وذلك حين أصبحتُ أمًّا؛ هنا لم تنقلب أوقاتي فقط.. إنما انقلبت نفسي وروحي خلقًا وشيئًا آخر! لقد كانت الأمومة منذ اليوم الأول جوهرةً وهِبَةً فريدةً لا يشبهها شيء في بريقها وثمنها بالنسبة لي، ولكنها أُلقيت في صحراء مترامية من نفسي، ثائرةً رمالُها من كل جانب متوقّدةً شمسُها لا تعرف البرودة والسكينة.. صحراءَ لولا بريق الجوهرة ونفاستها لابتلعتها برمالها! لقد ظلّ الأمران فيّ يصطرعان عهدًا من الزمان.. بريق الجوهرة ووداعتها وسحرها.. واصطراع الرياح والرمال من حولها واتساع الغايات وبعدها، وقد ظللتُ أطلب الله غيثًا يخمد التراب ويُنبت اليباب ويزهر الأرض كل مشرقٍ خلّاب، ظللتُ أطلبه روحًا ونفسًا تشبه هذه الجوهرة.. تصبر عليها صبر الصائغ على جواهره يصوغ منها عقود الدرّ وخواتم الجُمان.. يتعلّم معها حرفةً ومهارات جديدة لا بأس.. وحياةً جديدة لا بأس! فما ملَك من لا بَذَل.. ولا أُعطيَ أحدٌ إلا والابتلاء في عطائه! وجاء الغيث على مكث متمهلًا، ولكنه يُغيّر ويصبغ الحياة لونًا جديدًا في كل مرة.. وصارت الجوهرة دائمًا نصب العينين حُبًا وحرصًا وخشيةً! لا يهمني الآن كم خسرتُ من ذاتي القديمة وأهدافي التي كانت قبل الأمومة.. بل يهمّني مقدار النجاح الذي أنجحه كل مرة في اختباراتها وأطوارها! الأمومة منهجٌ جديد .. امتحان مفصلي لا تشبه قياساته وأدواته ما سبق! ! وأن تؤخذ بأنها رباطٌ ومسؤولية، خيرٌ من أن تُرى بأنها مجرد مناغاةٍ وأُغنية.. والسعيدةُ من أُعطيت عزمًا لهذا وسَعَةً لذاك؛ فحازت الخيرين معًا! 


ما أريد قوله لكل من هابَ أمرًا سيستقبله أو خشيَ شيئًا ظنّ أن نفسه لن تقدر عليه: أن الله الذي خلق الإنسان بهذه الخِلقة الفريدة روحًا وعقلًا وجسمًا وأعطاه كل هذه القدرات والمواهب قد أعطاه معها نعمةً عظيمة اسمها (التكيّف) فهو يتكيّف مع الظروف كلها خيرها وشرها عسرها ويسرها طال الزمان أو قصر -بإذن الله- .. ولا يخفى أن جزءً من صعوبة الأمور ليست في ذاتها، بل في استصعابنا نحن لها وعسر نفُوسنا وثِقَلها! فلنوطّن أنفسنا على الرحابة والسَعَة، ولننثر على أشواكنا زهور الفأل والأمل! 

تتبدّل الحياة وتمضي.. ونتبدل نحن ونمضي معها.. كأن أيامنا الذاهبة عنا الخشب المتساقط من نحتِ النجّار للجذوع.. يحزنُ الجذوعَ تساقطُها واطّراحُها ولكنها تبينُ أخيرًا عن قطعة منحوتة مصقولة .. مختلفة عن سابقتها ولكنها أصبحت رائعة!

نحنّ لأيامنا القديمة نَعَم، ولكن ما نحن فيه خير.. وربما كان أبقى! 

 .....

هنا التدوينة منشورةً في موقع الألوكة:

https://www.alukah.net/literature_language/0/169476

الثلاثاء، 30 يناير 2024

قصة نضال الذاكرة

قليل في حقّك يا غزة.. قليل في حقك يا فلسطين .. قليل في حق كل مظلوم مستضعف! ولكن حسبي أن أعظم الجهاد كلمة؛ فلربّما ألهبت كلمةٌ.. وأخمدت كلمةٌ !
ولكن حسبي وعذري أنها ما أستطيعه، ولوددتُ أني أطيق أكثر منه.. ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها !







قصتي :(نضال الذاكرة):


الاثنين، 28 أغسطس 2023

سنة حلوة يا سنـاء




 إلى نبضي الأول، إلى ابنتي، وصديقتي، وأمي الصغيرة: سنـاء .. في يوم ميلادها الثاني، في عامها الأول:


أنتِ التي أحييتِ الأم فيني، وبَذَرَت يداكِ الصغيرتان مشاعر شتّى ما كنتُ أحسب أن أرضي خصبةً لها، ولكنك كنتِ كمزارع صبور تتعاهدينها بالسقاية دائمًا حتى في اللحظات التي توشك فيها على الذبول! نلد الأبناء وهم يلدوننا.. نحنو عليهم ونعانقهم ونضمّهم عطفًا ومواساة ولكن أحضانهم الصغيرة تبادلنا كذلك من الشعور.. فلا ندري من فينا الأم ومن فينا الولَد! 

صغيرتي سناء،

تمنّيتُ منذ اللحظة التي علمتُ فيها بحملي بك أن تكون بكري فتاة، أعوّض فيها فقدي للأخت؛ فتكون أختي وابنتي وصديقتي، فأكرمني الله بك وكنتِ أنتِ ! فيا لسعدي وفرحتي بك!

صغيرتي سناء، 

للطفل الأول حُبٌ مختلف.. تحبينه قبل أن تُلقى نطفته في رحمك حتى! حين تعدكِ به الآمال ويشوّقك له نداء الفطرة والغريزة، فترسم لكِ وله صورة أمومية حالمة، تظل تهدهد القلب إلى أن يأتي! وتحبينه حين يتخلّق في بطنك، وهنا تفور حقًا تلك المشاعر الهادئة الخفيّة في تلك المرحلة الحالمة وتتكثّف وتتمايز ويصبح لها حسُّ واسمٌ ومسمى! فمرةً محبة، ومرة لهفة، ومرةً قلق، ومرة خوف، ومرةً أمل! وتحبّينه حين يولد، وهنا تتجسّم المشاعر وتشخص بوضوح أمام العينين، وتصبح حقائق صارخة بعد أن كانت سارية في الوهم والخاطر.. تصطدم بكِ عند انتصابها أمامك حينًا، وترشدك وتعدّل مسارات نفسك حينًا، وتبهجك بحضورها ورؤيتك لها حينًا؛ فمرةً صبرٌ وتجلّد، ومرةً نضجٌ وتبصّر، ومرةً إخفاق وخيبة، ومرةً انتظار وأمل، ومرة ضعف وجزع، ومرة رحمة، ومرة قلق، ومرة كَلَف، ومرةً حُب.. حبٌّ لا يشبهه أي حب آخر! لأنه خليط تلك المشاعر مجتمعة! فهل سمعتِ يا صغيرتي بحبٍّ كهذا؟! لا أظنه يوجد إلا في قلوب الأمهات! وحده قلب الأم تتقلّب فيه تلك المشاعر المتعاكسة، وفضاءُ المحبة والحنان هو وعاؤها جميعًا!

صغيرتي سناء،

أشعر بالبهجة والزهو حينما جعلتِني أنا من يصوغ لك مشاعرك تجاه هذا العالم؛ حين تنظرين مثلًا نحو طائر أو منظر غريب.. أو تسمعين صوتًا ما، فتنظرين إلي مباشرة لتَرَي ردّة فعلي، فأتعمّد ظهور ملامح الدهشة الفَرِحة في وجهي، فتسكُن صدرك تنهيدة اطمئنان متبوعة بدهشة مثل دهشتي على وجهك، فصرتُ كذلك أتعمّد حين أسمع صوتًا مخيفًا أن تسكُن ملامحي وإن كان القلق يهزّ داخلي لتظلّل الطمأنينة وجهكِ وقلبك على الدوام.. فأي فخرٍ وأي مسؤولية أعظم أن يكون وجهك بوابة عبور لشعور إنسان نحو هذا العالم؟! ثم إني والله أتجدّد بك وأكتشف العالم مرة أخرى بدهشاتك ونظراتك المبهورة.. فأيّنا يرى العالم بعيني الآخر.. أنا أم أنتِ ؟

صغيرتي سناء،

لقد أحببتك مرة ثانية حين أحبّك والديّ وأحبّاني فيكِ.. حين أضفتِ لفصولهما فصلًا آخر من فصول الشباب قد ظنّا أنه مات مع العمر وانطوى مع تقدّم السنّ، فكنتِ أنتِ إشراق مشاعر الأبوة فيهما الغاربة منذ دهر، وصوت الحنان والمناغاة الأنيس في أرض العمر الموحشة، وأخوالك الشباب.. ماذا فعلتِ بهم؟ كنتِ أنتِ تهاوُن هيباتهم، وعطف جذوعهم المنتصبة.. فيا لبركتك على الجميع!


 ثم لتعلمي يا صغيرتي أن أمكِ مهما أحبتك فإنها تُطلقك، تُطلقك من مدى قلبها إلى آمادك وآماد الحياة الرحبة، تُطلقك ليرتخي قلبُها فلا يتهتّك بطول الشدّ والربط، تُطلقكِ لتكوني أنتِ وتكون هي! قد يسمّون هذا الإطلاق تقصيرًا أو لا مبالاة.. فليسمّونها ما شاؤوا.. سيشهد حبك لقلبي في ضربات الخوف والقلق وليالي المرض والسهر ودعوات السجود وإعداد طعام الهناء والعافية وحسن التعليم وصدق التربية.. وكل مفترقات المحبة والحرص؛ والله الوكيل نستعينه في كل أمر، وبه توفيقنا وعليه اعتمادنا، فمن وفّقه فهو الموفّق، ومن خذله فهو المخذول.. ولا حول ولا قوة إلا به..


أمك التي تحبك كثيرًا:

نورة


السبت، 4 فبراير 2023

إغراء الطفولة

أتأمل تخلّق الإنسان وانتقاله من طور إلى طور في ابنتي وأنا أسبّح بالذي خلق الإنسان من عدم فجعله سميعًا بصيرًا.. أتذكر حين ولدتها كيف كان منتهى آمالي أن تصوّب إلي فقط نظرةً ذات معنى.. أن تلتفت إليّ إذا ناديتها ؛ كانت مجرد قطعة لحم، تأكل وتصيح وتنام، ثم ها هي تكبر مرة بعد مرة وفي كل مرة يزيد فيها شيء.. يتحسّن سمعها ويتطوّر نظرها وتتصلب عظامها فأردد دائمًا الآية الكريمة: "والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة"، أتأمل جرمها الصغير ولطافة كل شيء فيها ورقّته.. حتى قلبها لم أرَ أرقّ منه! يرفّ لكل شيء خوفًا ويرهف لكل شيء دهشة واستغرابًا؛ إخالها لو أُوتيت القدرة على الكلام والبيان وهي في سنها هذا لأصبحت شاعرة تلتقط دقائق الخطرات وتتتبع أصاغر الدهشات!.. تذيبني تلك اللطافة التي تخفّ عن الغلاظة والثقل، وذلك الطهر الذي لا يخالطه كدر، وأتمنى أحيانًا لو بقيت هكذا ولا تكبر!.. ستكبر.. نعم، وستتفتح أزهارها دومًا أمام عيني وسيعبق شذاها في البيت رقةً وصبا ومرحًا وشقاوة، ستسبيني في كل مرة، ولكني أشعر بالقلق حين أفكر بالحياة الطويلة التي ستستقبلها وما سوف تكابده من أقدار ومخاوف وآلام؛ لأن درب الشقاء في الحياة يجانب دومًا درب النعيم، وأغصان الشجرة الوارفة وورقها الناعم وثمرها الغض يسبقها جذعها الخشن الذي يدمي اليدين والقدمين التي تتسلقه وتروم جناه! ستكبر وستزداد آلامها ومخاوفها.. ستعرف أن للخوف صورًا أعمق وأرسخ من رمشة عين وهزة قلب وسيتكثف هذا اللطف وستتسنّى هذه الطهارة، وكأن الكدر هو شرط الحياة والعمر المتطاول! ولكن ماذا عليها لو كبرت وتمدد جلدها وامتشق عظمها ولكن روحها تبقى غضّة بارقة البراءة ؟! ما الروح لولا طفولة القلب؟ ولماذا نصرّ على استبقاء الأحزان في أعماقنا زاعمين أننا نتقوى بذلك لننال فضيلة الصبر؟ لماذا لا نصبح كالأطفال.. دموع الليل يجفّفها ضياء الشمس ، وأحقاد خصوماتنا يغسلها اللعب والحلوى .. لماذا لا نمرّ على الآلام لمامًا ونعطيها منّا حظ لحظتها فقط ثم بعد ذلك نغشّيها ظلام التسلّي والنسيان؟! فأن تكون طفلًا هو طريق السعادة المختصر ! تخلع جسدك جانبًا وتعرّي أعماقك.. وتطلق روحك صاخبةً تضحك، وقاصية الخيال تحلم، وصريحة الحزن تبكي.. أن تنهمر مشاعرك مصوّبة كالسيل فلا تلتفت لأحد عن يمينك أو يسارك إلا أن يكون معك أمامك أو خلفك! لستَ أنانيّ الشعور ولكنك صادق التعبير، لست منطويًا لا تبالي بأحد ولكنك تزخر بنفسك وتملأ حظّها نصيبًا موفورًا.. صراحة الطفل تخجلنا حينًا بل وتجعلنا ننفر منه حينًا، وفي مقابل هذه الصراحة والوضوح تكمن في الطفل غفلة وبراءة هي سرّ لطفه وحسنه لذلك نحن نحبهم وتخلب قلوبنا أحاديثهم وأفعالهم.. هل رأيتَ أننا نهوى في الأطفال ما نفقده؟ فنحب صراحتهم وتبدّيهم لأن عواطفنا مشوبةٌ معكّرة يتناوبها رأينا فيها حينًا ورأي الناس عنها حينًا آخر، ونحب غفلتهم لأننا نتحسس الحياة ونتقصّاها حتى لكأننا نريد أن نقشع الغيوب ونحيط بالأحداث خُبرًا.. لا أقول أن نكون إما هذا وإما ذاك ولكن لماذا لا نقدر المعاناة تقديرًا صائبًا لا تضخمه الأوهام ولا يقزّمه الحمق فنأخذ من الغفلة أو الصراحة بحسب ما يناسب المقدار؟! اثنان هما حياة العواطف وغضارتها: طفولة القلب، والخيال والجمال! وبحياة العواطف يحيى الأدب ويخضلّ الفكر ويعشوشب كل قفار؛ لا أنسى ولن أنسَ زمانًا كنت خالية البال من الشؤون والمسؤوليات.. ليس لي من الاشتغال إلا ما بين يدي من كتاب أو قلم، أو معرفة وهواية وفنّ! فلا أجاوزه إلا لخيال مجنح أو جمال حالم يتراءى في العالم من حولي ، فكان الخيال يمدّد آفاق قراءاتي وأدبي وعالمي من سعته، والجمال يرطّبها من رقّته وروعته! زمانًا كان الشعور فيه شمسًا تذُرّ الأرض والتِلال وتحرّك الأشباح والظلال، وتقتم القلب أو تُنيره، وتعشو البصيرة أو تهديها! وأنت في هذا كله طفلٌ سارحٌ بين روحك والحياة.. ينتهي يومك رغمًا عنك ويضطرك الليل إلى الذهاب إلى فراشك.. ترقد في فراشك فترمق الغد لا بعين الهواجس والتكاليف؛ بل بعين المباهج الموعودة.. مباهج الشمس والألعاب والحكايا والكتب، مباهجٌ مألوفة ويوميّة .. نعم! ولكنها موعودة منتظرة للقلب أبدًا! فكأنما هي الموعودات المبهمات اللائحات من سجف الغيب، لا المتكررّات الواضحات المشهودات! فهل نملك الجرأة أن نثور ونلقي الواقع والأعباء جانبًا.. أو هل نستطيع أن نصبح أطفالًا طوال الوقت ؟! لمَ لا نحاول!