نورة المحسن

"مُختلفًـا ألوانُـه"

السبت، 17 يناير 2026

عام ونصف بين رياض السُنّة


 

بحمدالله وكرمه تخرجت من معهد النجاح لتعليم الوحيين والذي يُعنى بالسُنّة وعلومها بعد عامٍ ونصف من رحلة هي من أمتع الرحلات وأجمل ما مرّ بي في الحياة.. عامٌ ونصف من نفح النبوة والكلم الطيب وسواء السبيل، عامٌ ونصف من نعيم الجنان عُجّل إلينا.. فالحمدلله الذي منّ عليّ ويسّر لي مدارسة الوحي الثاني من الكتب الستة والوقوف عند أحاديثها تأملًا واستنباطًا وشرحًا.. والحمدلله الذي منّ علينا بهديٍ يتتبع أخفى المسالك فيسلّ صوابها من خاطئها كما تُسلّ الشعرة من العجين؛ هديٍ هو من الإنسان روحه العُليا التي فيها العقل ببصيرته والوجدان برهافته، والنفس بزكائها.. هديٍ هو النعيم يجالسك فيه أهل السماوات وخيار أهل الأرض لا يشقى بهم جليس، ولو أدركه الناس لزهدوا بالأثمان والقناطير! ثم هو بين هذا وذاك علمٌ يرفع الحُجب عن كل شيء، يرينا هديَ المعاش وسننه العليّة، ومعارج المعاد ومنائر التقوى البهيّة، يبصّرنا لواعج القلوب وخفايا النفس وثغراتها، ويملؤها ويقيمها ويهذّبها تهذيبًا قويمًا من لدنٍ حكيم خبير.. ويعرّفنا الفتن ووقائعها ومواقعها، والغيوب وأنباءها وأخبارها، وما تربص وما استتر من جنٍّ وشياطين وترصدها الشرور لبني آدم، يعلمنا شأن ما نُبصر وما لا نُبصر.. ثم هو ليس أيّ علمٍ؛ بل علمٌ يروّي القلوب فتنبت الكلأ والعشب الكثير..علمٌ هو زلفى وقربة إلى المولى عز وجل إن احتُسب..

 .. الحمدلله الذي جعل المعيقات التي مرّت تنقلب مُعِيناتٍ ومُذلّلات كما تقول أستاذتي.. أيام عشتها جعلتني أعيش في دنيا ليست من دنيا الناس، كأن بيني وبينهم حجابٌ من غيم رقيق فلا أكاد أتبيّن من أمرهم شيئًا إلا ويَغُمّ عليّ آخر.. هانئةً في نعيم السنّة وسموّها فتصبح الأشياء الأُخَر نزولًا ودَرَكًا ! فالحمدلله الذي جعل الوحيين روحًا من عنده، ورَوْحًا من نعيمه! الحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات.. الحمد لله رب العالمين

مرسلة بواسطة نورة.. في 9:10 م هناك تعليقان (2):
إرسال بالبريد الإلكترونيكتابة مدونة حول هذه المشاركة‏المشاركة على X‏المشاركة في Facebook‏المشاركة على Pinterest

الأربعاء، 26 نوفمبر 2025

على عتبة الميلاد

(1)

أكملت قبل أيام عامي الـ ٣٢ حسب التقويم الهجري؛ أصدقكم القول أنه التبس عليّ هل أكملت عامي الواحد والثلاثين أم عامي الثاني والثلاثين؟ قد تسارعت الأيام وتداخلت حدودها واختلطت بقاعها فما تمايز عامٌ منها عن آخر، بل إني ما زلتُ أشعر أني للتو أكملتُ الثلاثين، ولمّا يفارقني ظلال العشرينات بعد! وأمرٌ آخر أشعرني برهبة.. وهو أن عامي القادم بإذن الله سيكون الثالث والثلاثين، وهو عمُر أهل الجنة.. وإذ شارفته؛ فإن ميعاد الدار الآخرة إزاء بصري، وسؤالها وماذا أعددتُ لها يطيف بفكري! فاللهم عمرًا وعملًا يوازي ذلك الجزاء والنعيم، وإن كان لا يُنال إلا برحمتك وفضلك! 

 

(2)

بماذا نقيس قيمة الأيام الأعوام؟ بنهاياتها؟ حين يطير كل شيء ولا يحطّ إلا المشهد الأخير بشعوره ومعناه، فيعشعش في غصن القلب ويولّد فراخًا وذكريات وأحاسيس تعيش معك إلى عامك الآخر؟ أم نقيسها بمجموعها وبالعقل الذي يقرّر أن ما غَلَب غُلّب وإن جار عليه إحساس وشعور لا يختار إلا ما أدمى القلب وهتّك الروح؟! .. يفجؤك حدثٌ تتحاشاه وأمر تتوقّاه منذ زمن، ترى المستقبل معه هواء من القلقِ والأوهام، لا يثبت في فكرك تصوّر ولا رؤية، ولا تدري كيف تؤول الأمور من بعده! لكنك حين تتذكر أنه قدر من الأقدار المدبّرة المقدرة من لدن حكيم عليم رحيم يسمع مناجاة قلبك وخلجات صدرك وحشرجات أنفاسك تسكن وتسلّم، والحمدلله على نِعم تبرهن على ألطافه، ورحماتٍ تغيث في أقداره..

 

(3)

ثمة أيام تودّ لو زوي العمر كله وضُمّ فيها.. أيام مصرّاةٌ بالخير مما لو بُسط لكان في كل ناحية من جوانحك منارة وفي كل أفقٍ من روحك نجمة، تلك هي أيام دراستي في معهد النجاح الذي يعنى بالسنة وعلومها، وهي وإن كانت دراسة لها تكاليفها ومجهودها إلا أني لا أجهَد فيها إلا بمقدار ما تجهد النحلة تنتقل من زهرةٍ لأخرى ومن حقل إلى آخر لتجني عسلًا حلوًا سائغا للشاربين..فالحمدلله على هكذا لحظات تجعل ما دونها من مصاعب وهموم مغفورًا مطمورًا!

 

(4)

حين كان لدي ابنة واحدة كان في بيتي شمسٌ حيّية، سنيّة؛ ضوؤها الماء الزلال رقة وترسّلًا.. ويكفيك إشراقة اليوم بإطلالها، وحين رُزقتُ في عامي هذا بأختها تعالت الشمس وسطعت وتوهجت.. وصارت الأيام فيها صخبًا وحياة! أصلحهما الله وبارك لي فيهما، رغم امتلاء أيامي بهما حتى أكاد لا أجد في بعضها نفاذًا إلى نفسي إلا أن تغريدهما وصخبهما يشاغلني عن همّ نفسي وأسى قلبي وأستشعر به صوت الحياة وطربها وغناءها وضحكها ! 

 

(5)

في هذا العام لم أكن في وصالٍ دائمٍ مع الكتابة، كنتُ أقصدها غِبًا..لمامًا؛ أحيانًا كارهة وأحيانًا مختارة! تارةً لانشغالي ومسؤولياتي المفروضة عليّ، وتارة لانشغالي الذي فرضته على نفسي؛ أي بدراستي بالمعهد، وكنتُ أقول في ذلك أني وإن انقطعت عن الكتابة حرفًا وتأليفًا إلا أني لم أنقطع عنها مادةً وجوهرًا، إذ أن مشكاة المعاني وجذوة الفصاحة تُوقد في روحي كل يوم حين أتدارس -بفضل الله- وحي الله ونوره في كَلِم سيد الفصحاء -صلى الله عليه وسلم- ، وقد جربت عدة مرات أن أكتب بعد انقطاع وقد توضأ قلبي للتو من معين حديثه العذب الشريف فإذا بي أتدفّق وكأن محبرتي لم تغبرّ وقلمي لم يجف! على أن هذا لا يحدث دومًا؛ وتبقى الدُربة ثقاف القلم ويقينه الذي لا يُكذّب! 

ولكنني حين اشتغلت بالسُنّة وحقّها وحقيقها وجِدّها وفصل خطابها رأيت أن في الدنيا أمورًا هي أحقّ أن تشغل متون صحاف حياتك لا هامشها، وهي أحق بذلك من غيرها! هنا ضربني سؤال الأولويات ومشروع الحياة ضربة تقريرٍ وتقريع، ولا مفر من الإقرار له؛ فصرتُ أتساءل عن جدوى كتاباتي ولمَ أكتب؟ لا عن جدوى الكتابة نفسها، فالكتابة لي عين ثالثة أبصر بها فكر عقلي وخطرات قلبي وأتلمّح بها المعاني ورؤى الحياة وغيوبها؛ فإن عمَيتْ صرتُ طينةً لا تبالي ولا تشعر! وصار سؤال الكتابة ووجهتي فيها هاجسي وحيرتي التي لم تنجلِ بعد، وأدعو الله أن يجلوها لي في أقرب وقت.

(6)

أشعر مؤخرًا وكأني أركض على فرس، تراهن الريح على سبْقها، وتمر بي في سباقي مرائي الحياة ومشاهدها ومواقفها سريعًا ، فلا تستقر عليها العين حتى تجوزها، ولا الفكر حتى يخطئها.. ثم ما ألبث أن أصل إلى وجهتي التي قُدّرت لي؛ فهل استمتعتُ بالرحلة حتى أعذِر الوجهة؟ أم هل اخترت الوجهة حتى أغفر سرعة الرحلة؟! حسبي أن من السرعة رحمةً تشفيك من مضّ الحوادث وبطئها، وتعبر بك أيامك الثقيلة التي ما ظننت أن تنتهي، وحسبي أن نعم الله علي وستره ولطفه فوق كل شيء وجبرًا وهناءً لكل شيء. 

مرسلة بواسطة نورة.. في 8:09 م ليست هناك تعليقات:
إرسال بالبريد الإلكترونيكتابة مدونة حول هذه المشاركة‏المشاركة على X‏المشاركة في Facebook‏المشاركة على Pinterest

الاثنين، 2 يونيو 2025

تجربة الدراسة مع الحمل والأمومة

 "من أخذ بالسُّنة بعد القرآن فقد أبصر بكلتا عينيه" 

*الشيخ يحيى اليحيى



ما أصدق هذا القول! رضي الله عن قائله وأرضاه! 

أتساءل بعد تدارسي لمختصر البخاري وزوائد مسلم؛ ما الذي كان يحدوني لتدارس الحديث والسُّنّة؟! أهو حُبٌ طبعي ركّبه الله في قلب كل مسلم لنبيه صلى الله عليه وسلم ؟ لخُلقه وقداسته وخَلقه وشمائله؟ أم هو تشوّفٌ لنور هديه الذي يجلو الظلمات وينير عتمات الفكر والشعور والطريق؟ أم هو تشوق لسِيَر خير القرون وأخبارهم وآثارهم؟ أم هو فزّةٌ لما لا أعلمه ولذّة العلم والتعلّم؟ ربما كانت جميعًا.. ولا ريب أنها نورٌ على نور.. 

صلى الله على محمد.. تستشعر بتدارس حديثه عظمة هذا الدين وتسرب نوره إلى دقائق المسالك والتفاصيل.. تستشعر النور في أبسط الأشياء.. تستشعر غياث الوحي يروي أوغل البذور فتنبت، ووالله إني لأقوله حقيقة وليس من مجاز القول! فأن يرشدك أحد كيف تتصرف في أمر شيء.. وأن يرشدك لحسن التصرف وأرقاه شيء آخر.. ويا سعد من أبصر ذلك بعينيه!


نعم ..الحياة والوقت لا يكفيان لقراءة كثير من الكتب أو ذوق عديد من العلوم والمعارف.. وكم كادت كثبان الحسرة والضيق تدفنني حين أُشغل بأمومتي ومسؤولياتي عن القراءة والتعلم لولا الاحتساب واستشعار قيمة ونعمة ما أنا فيه.. ولكن المرء حين يتدارس الوحيين ويعبّ من معينهما يشعر أن الأمر مختلف تمامًا؛ فكل أشتات المعرفة مجموعة فيهما، وكل قيمة وثمن وبريق مستودعةٌ في منجم كنوزهما، وكل دقيقة فيهما غنيمة، وكل وقت فيما سواهما غبن، وكل خاطرٍ فيهما وصول وظفر، وكل شعور فيما سواهما مُضيٌّ وسؤال! أنزلهما ربّ الحياة.. أفلا يعلّمان الحياة؟!

ومنذ أن سمعت بمعهد النجاح لتعليم الوحيين والذي يُعنى بالسُّنّة وعلومها وأنا أرغب بالدراسة فيه ولم ييسر لي الله ذلك أول الأمر، ثم حين رأيت الوقت مناسبًا وسجّلت فيه وقُبلت؛ علمتُ بحملي بطفلتي الثانية "دانية" فشعرتُ وكأن الأمر أُسقط في يدي! لم أجرّب الدراسة وأنا متزوجة فضلًا عن أن أكون حاملًا وأُمًّا لطفلة أخرى! دعوتُ الله كثيرًا بالتيسير وقررتُ المضيّ قُدمًا.. كنت في بداية الدراسة لم تزل موجات الوحام تراوحني بين فترة وأخرى، وكان وجهي كما قيل لي شاحبًا متعبًا، ثم ارتفع البطن وثَقل الوزن وازدادت آلام الظهر والساقين.. وضاعف ذلك طول مسافة الطريق بين بيتي والمعهد ثم طول الجلوس في المحاضرات، وأيضًا ذهاب سناء معي وإيابها لأضعها في حضانة المعهد.. والصبر على شقاوتها أصلحها الله.. انتهى الفصل الأول برحمة الله وأنا في منتصف الشهر السابع تقريبا.. وخواطر تأجيل الفصل الثاني للعام المقبل تملأ نفسي.. ولكني رغم ذلك لم أؤجل! تسألوني لم؟ لأن موعد ولادتي بحكمة الله ولطفه كان يوافق شعبان ويسبق إجازة مدتها أسبوع ، ثم بعدها بقليل يحين شهر رمضان والمعهد أصلًا يتوقف عن الدراسة في رمضان! فسبحان المدبّر الحكيم! كنتُ حين علمت بداية حملي بموعد ولادتي المقدّر بين يدي رمضان شعرتُ بالحزن، ولكني حين علمت حكمة الله في ذلك لأجل موافقة الإجازات فلا يفوتني من الدراسة شيء حمدته سبحانه على جميل تدبيره! 

نعم حين ثقلت أكثر ووصلت شهرَيّ الأخيرين في الحمل تمنيت الاعتذار والتأجيل مرات عديدة ولكن لطف تيسير الله وعونه كان يحملني في كل مرة ويُضجعني على وسائد اليُسر فأقوم بعدها خفيفة نشيطة! 

ثم ولدتُ بفضل الله قبل رمضان بأسبوعين، ولم يَفُتني من الدراسة إلا أسبوع واحد، ثم رجعنا نستأنف الدراسة بعد العيد وقد صار عمر دانية قرابة الشهرين، قد هوى عني ثقل الحمل ربما من جانب.. ولكن أتاني ثقل أمومة طفلين من جانب آخر وتحدي حملهما معي كل صباح وعدم استقرار نوم دانية أحيانا.. نعم كان لديّ عاملة تعينني بعد الله ولكن الأمر لا يزال شاقًا ومرهقًا وسعيدًا في آن! فبقدر ما كانت العودة للدراسة في هذا الوقت الصغير والحسّاس من عمر دانية صعبة ومربكة بقدر ما ساعدتني هذه العودة على سرعة انتظام حياتي بعد الإنجاب وإزاحة مشاعر وأحاسيس الفوضى والكآبة والشعور بالضياع واللاإنجاز التي ترافق الأنثى أحيانًا بعد الولادة! فسبحان من جعل حياتنا تسير في ضفيرة من الإحساس المركب وتضاربٍ من الشعور فلا سعد خالص يُثملك ولا حزن قاهر يدفنك! 


كم تمنيت مرات عديدة وأنا أترنّح في أثقال الحمل والأمومة والمسؤوليات أني خضتُ هذه التجربة قبل أن أصبح أمًا.. وكم نظرتُ بغبطةٍ إلى الطالبات العزباوات أو المتزوجات ولمّا يصبحن أمهات بعد أو اللاتي لديهن أبناءٌ كبار يعتمدون على أنفسهم؛ كم تمنيتُ أني مثلهنّ غاديةً ورائحةً لمقاعد الدراسة بخفة ومولِية الدروس والتكاليف تركيزًا أكبر، ولا أقول هذا جحودًا لنعمة الأمومة، بل أحمد الله عليها وعلى عافية طفلتَيّ وحسن خلقهما وخُلقهما ليل نهار .. ولكني تمنيت أني درستُ قبل ذلك.. ثم حين أرى تياسير الله وتوفيقه لي وألطافه بي فلا أظن أمًّا أحيطت بهذه الألطاف والتياسير مثلما أحاطني الله بها! ثم أدرك أنها خطًى مرسومة وأقدامٌ ماضية لا تُصدّها عراقيل ولا تُقدّمها تياسير؛ فقد اعتذرت طالبات عزباوات عن الإكمال لظروف صادفتهنّ ولم يجدن منها مخرجًا، وأكملتُ أنا الأم لطفلتين أكبرهما لم تجاوز الثالثة وأصغرهما لم تجاوز الثلاث شهور ! فسبحان المقدّر المدبّر الميسّر.. ربّ إن علمتَ منا في طلب هذا العلم خيرًا فاقبله منا وضاعفه وزكّه وانفع به ولا تجعل عاقبة كدّنا ووصبنا أوصب منه وأرهق في الآخرة واجعله حجةً لنا لا علينا.. ولسانًا ناطقًا عنا وفعالًا دالةً علينا يا رب العالمين..

مرسلة بواسطة نورة.. في 7:54 م هناك 4 تعليقات:
إرسال بالبريد الإلكترونيكتابة مدونة حول هذه المشاركة‏المشاركة على X‏المشاركة في Facebook‏المشاركة على Pinterest

الأحد، 9 فبراير 2025

علّمتني سنـاء ..



سنتان ونصف هي عمري الأمومي الذي أدخلتني في زمانه صغيرتي الحلوة سناء، سنتان هي رحى مشاعر شتى تُذر وتتخلق شيئًا آخر، تدور وتختلط وتضطرب، تسرع وتتردد سرعةً وتردادًا أشبه بقلب الأم القَلق اللاهف المؤمل المنقسم بين نفسه وقطعةٍ من نفسه، سنتان هي انغماسٌ في تجربة إنسانية كاملة وسمتني -وما زالت- بصبغة أخرى غير التي عرفْتُ وعُرفت بها نفسي. 

لم تشرع لي الأمومة في بداياتها أبوابها طواعية ولم تفرش من تحت قدمي سجادها الوردي الحرير الذي صوّروه لنا، كانت (كما بلوتها أنا) صعبة لحدّ الحيرة، محيّرة لحدّ الوعورة، لم أرفضها وأنفر منها بحمدالله ولكن مخاضها الشعوري كان عسيرًا وأصعب من مخاضها الجسدي.. لم يكن سهلًا علي الانتقال من عريشي الياسميني المنفرد إلى دَغلٍ تزحمني فيه شجيرات وعشائش أخرى.. تُضيّق خطوي أحيانًا.. تجعلني أقدّر وأفكر عدة مرات قبل الخروج منها والعودة إليها! تُربةٌ وحياةٌ أخرى نقلتني إليها الأمومة، ولكني-بحمدالله- نَمَوتُ بها شجيرةً في نهاية المطاف؛ وما زلتُ أتباسق وأعلو، وأثمر وأعطي، وأضمّ سناء إلى صدري وأنا أردد قول الأعرابية :

"يا حبذا ريح الولد .. ريح الخزامى في البلد

أهكذا كل ولد؟ .. أم لم يلد مثلي أحد؟!" 

وأحمد الله على نعمة الأمومة الجزلى .

علمتني هذه التجربة القصيرة عمرًا الغزيرة أثرًا أشياء كثيرة، تتغير وتتشكل في كل مرحلة من مراحل سناء العمرية، ولكن أهمها : الصبر والتصبّر! فلو جمعتُ كل نصيحة صبر نصحوني بها؛ ما ألقيت لها أذني كما فعلت حين جاءت سناء، ولو تتبعت كل أثرٍ وخبر يحث عليه؛ ما أخصب وأثمر كما في تجربتي في الأمومة! ذلك أنه لا سبيل للأم إلا الصبر، وصبرها ليس علقمًا مرًا، بل تخلط فيه حلاوة الإشفاق على صغيرها ورجاءَ أن تبلغ به غاية محابّها وآمالها.. قليلٌ ما جربت في عمري أن تفور كبدي وتنشق غيظًا حتى كأنها -بلا مبالغة- أرض بركانية تلمع من تحتها النيران، ثم تلتئم فجأة وتنطفئ جمارها وتغور حتى كأنها ما وُجدت! ولكني حين أصبحت أمًا جربت هذا الأمر مرات كثيرة .. فسبحان من سكب في قلوب الأمهات صبرًا وحنانًا.

علمتني هذه التجربة كيف تتشكّل نفس الإنسان من عوامل تُرى ولا تُرى أحيانًا، وتُصنع أحيانًا وأحيانًا تطرأ، وتُختار أحيانًا ويجبر عليها أحيانا! مذهل حقًا أني أنا الأم المدادُ العريض في هذه الصفحة البيضاء الفارغة.. وليست صفحة في كتاب أو لوحة على جدار؛ بل نفس إنسانية غضة ناشئة بكل ما تحمله هذه الكلمة من كثافة معنوية! مذهل حقًا حين أرى أثرًا نفسيًا وسلوكيًا ولغويًا فيها سببه أنا، ثم إنه قد لا يكون سببًا مباشرًا، بل حصيلة تراكمات وطبائع نفسية متأصلة ظهرت بغير اختيار مني على طفلتي.. فكل صفة على ابنك هي شائبةٌ من صفاتك وأثر سابق منك أو من حتى عائلتك وأجدادك، مذهل ومخيفٌ في آن! ومع ذلك .. فقد علمني هذا الامتحان التربوي والنفسي كيف أفقه النفس الإنسانية بناءً وصناعةً؛ فسابقًا كانت علاقتي بالنفس علاقة شعورٍ وأدب، وخواطر وعواطف.. أي علاقة انكفاء لا إعلاء، ودوران لا تسديد!

علمتني هذه التجربة مسيرة اللغة في الإنسان، وكيف تتشكل في دماغه من إشارة وكلمة وسياق وعبارة.. وصورة وإحساس وشعور ومشهد! علم لسانيات ولغويات أتلقى دروسها تطبيقيًا لا نظريًا أمامي، وفيلم وثائقي يشرح لي اللغة أنا فيه المُخرج وصغيرتي هي المؤدّي والمُعِدّ في آن! لكم كان فاتنًا بالنسبة لي -وأنا الأديبة العاشقة للغة- حين أعلمها كلمة جديدة وأفكر كيف أوصلها لها وأدسّها في وعيها وتركيزها! وقد تعلمت أن اكتساب اللغة عند الطفل يتم كثيرًا بطريقة السياق لا الإفراد؛ بمعنى أنك حين تعلمه كلمة جديدة تأتِ بها في سياقات مختلفة: أنشودة أو بيت شعر، أو جملًا بمعانٍ مختلفة تُقال أمامه، ثم تترك لذكائه الفطري وصفاء عقله الصغير أن يلتقطها ويفهمها ويترجمها إلى لغته الناشئة.. من بين مراحل سناء العمرية المختلفة كانت مرحلة تكوّن اللغة واكتساب الكلمات هي الأحب والأمتع بالنسبة لي! فحين أتذكر كيف كانت حين ولدتُها وأن لغتها كانت مجرد بكاء وأصوات لا معنى لها ونظرات وإشارات عشوائية.. ثم كيف أصبحت الآن أسبح بحمد ربي الذي علم الإنسان معجزة البيان! 

علّمتني الأمومة أن كل أُمٍّ مهما هُمّشت في نظر من حولها ومهما بَدَت حقيرة وضئيلة في عَينيْ نفسها فإن لها من التأثير والمِلئ في عيني صغيرها ما يشبه أثر نبيٍّ في نفوس أتباعه! أولم يقل صلى الله عليه وسلم :"فأبواه يهوّدانه أو يمجسّانه أو ينصّرانه…" ؟ لم يعطني أحدٌ ثقةً في الكلام ويقينًا في الإقناع كما أعطتني سناء حين أحادثها وأعلّمها، أشعر أن تعليمي لها يُسدّد كالسهم فيصيب في قلبها الغض موقعه.. وتلك عظمة الأمومة وإبهارها، وأمانتُها ومخوفها.

علمتني الأمومة أن كل أُم هي أُمّ بطريقة أو بأخرى مهما غالوا في قدسيتها وزادوا، ومهما أعادوا وفصّلوا ونقّحوا! لا أخبركم كيف تعرقلت كثيرًا بتنظيرات الأمومة الجمّة الزبدِ منها والحقيقي، اللغو والفَصْل، المثالي والواقعي في عمري الأمومي القصير! وغالبها بالطبع منثور في وسائل التواصل، ولا أنكر أن كثيرًا منها بحمدلله لم آخذه على علّاته بل كان دافعًا لي للقراءة والبحث في شأنه..وعرفت منه أن غالبها أتى من الغرب أو متأثر بمشاربهم وأساليبهم.. وسأنشر بإذن الله مقالةً كتبتها بهذا الخصوص أفصل فيها بالأمثلة والشواهد أكثر، ولكني أريد القول هنا أنه سواءً إن اختارت الأم أن تقتصر على وظيفتها الأمومية بين جدران منزلها، أو اختارت الخروج لوظيفة أخرى (بحدٍ معقول وساعات معقولة) أو أصرّت على مواصلة دراسة أو طلب علم أو ممارسة هواية- سواء خلال سنتي طفلها الأولى أو بعد ذلك- فهي أمٌ طالما لم تُفرّط! وضعوا تحت "تفرط" ألف خط، فهو المعيار هنا، لا الإفراط أو الإفراط الذي يتمظهر بمظهر التوسط! 

وكيف تعرف الأم حدّ التوسط الحقيقي أو حدّ التفريط الذي لا تزلّ عنه؟! من وجهة نظري بعدّة أمور:

-عدم الإكثار من متابعة حسابات الأمهات والتربويين والتربويات في وسائل التواصل، والاقتصار على حسابات أصحابها مشهود لهم حقًا بالنفع والخبرة وأصالة المرجع والمنهج. وللأسف أن غالبية حسابات الأمهات في وسائل التواصل طرحها متأثر بالمناهج الغربية! وإن كنت عمومًا لا أحبذ الاعتماد على وسائل التواصل بل تكون شأنًا ثانويًا وإضافيًا، ويكون الاعتماد على تربوي مشهود له بأصالة المرجع وطول الخبرة.

-أن تحاول الأم إكمال حياتها بصورة طبيعية، كما كانت سابقًا.. ولكن كيف والأمومة تتطلب ما تتطلب؟! نعم.. سوف تضاف لحياتها مسؤولية جديدة تزحم وقتها وربما تثقلها قليلًا، ولكن لا بد ألا يزاد في قَدْرها، وليس هذا تنظيرًا لا واقعية فيه.. بل لأن الطفل يتعلم بالتوازي مما يلاحظه من الحياة المستمرة حوله وليس بحاجة أن يُفرد له وقت مستقل وأنشطة خاصة! نعم يحتاج بعضًا من ذلك، ولكن ليس كل يوم وليس أغلب الوقت! هذه عادة غربيّة بامتياز.. تعزل الطفل عما حوله، بل وكثير منها تُصغّره ولا تبلغه مبلغ الكبار! وهناك استقراءات وشواهد.

-أن تقرأ الأم في التربية قديمًا وطريقة الأمهات في التنشئة والرعاية سواء على سبيل التقليد والاتباع لها أو الموازنة والتسديد والمقاربة معها! وخيرٌ من ذلك وأظهر وألزم .. أن تقرأ كيف كان يربي خير المرسلين صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلفهم من بعدهم الأطفال والأبناء، فهم خير مثال وفي طريقتهم ما يزيح عن النفس حرج التقصير وضائقة الغلو.

-لا أصدقَ للأم من حدسها.. ولا أوثقَ من ملاحظتها ونظراتها لصغيرها، ثم لا أحسن من الموازنة بين الحقوق المختلفة: حق ربها، وحق نفسها، وحق زوجها، وحق بيتها وأبنائها.. ومن الله الهداية والتوفيق والعون والتأييد، لأن هذه الأمور تتطلب قوةً وانتزاعًا للنفس؛ فليس سهلًا لقلب الأم المشفق الضعيف أن يصمد أمام زحام العتب والنصائح والنظريات المتعلقة بفلذة أكبادها، وغالبية من حولها يسبحون مع هذا التيار ولا يحاولون معاكسته.


أقرّ الله كل أمٍّ بأبنائها وأعانها في نفسها وفيهم، وبلّغها ما ترجوه من خيري الدنيا والآخرة.


مرسلة بواسطة نورة.. في 7:05 م هناك تعليق واحد:
إرسال بالبريد الإلكترونيكتابة مدونة حول هذه المشاركة‏المشاركة على X‏المشاركة في Facebook‏المشاركة على Pinterest

الأربعاء، 8 يناير 2025

عادت لنا شامٌ وعدنا

صدمنا خبر تحرير سوريا صدمة الفرح.. حتى تعرّج فينا الشعور أول الأمر بين معقولية حدوثه والنشوة بحصوله،فكنا بين الارتياب أن سرعة هذا النصر وسهولته فيها دَخَن وعواقبه لا تزال مقلقة، وبين تمنيه واللهفة عليه.. ولكن متى يتوب الإنسان عن قياس كل شيء بعقله وتقدير الأمور بمنطقه ظانًّا أنه الراشد المهتدي؟! إن سنن الله وقدرته وتدبيره وعظمته فوق كل شيء! ولئن كان نصر الثوار عزًّا وظفرًا واستعلاءً عند الساسة والخاصة، فهو فرح ورحمة وفرج وشجن عند الشعب والعامة.. فهو فتح الفتوح في حياة الساسة والناس؛ خاصةً بعد الذي رأيناه من إطلاق المظلومين والمعتقلين وعودة الغائبين والمنقطعين إلى أرضهم وديارهم.. وأنا هنا أكتب عن مشاهد عودة هؤلاء إلى أوطانهم.. أكتب عن الفرح برجوعهم أوطانهم بعد زوال غول الطغيان والفساد الذي أظل البلاد والعباد أكثر من ٥٠ عاما، وبعضهم مكث في المنفى أكثر من ٤٠ عامًا؛ فكأني به يشعر بفرحٍ يشبه برْد الرؤيا المبشرة يراها المغموم فيستيقظ ضاحكًا مرتاحًا، لقد كان التحرير قصيرًا كرؤيا المنام وحدوثه أسرع من تحقق الأحلام، وبلا إرهاصاتٍ سوابق أو تنبؤات تبشر أو تنذر.. شيءٌ كردّ الطرف أو انفلاق الصبح، شيءٌ كالخيال! فهل تعجبون أن صارت فرحتهم فرحتين وزِيد في وقعها وانضباطها حتى غدت كنشوة الطرِب وصخب الأطفال؟ أما من فارقوا البلاد قريبًا إبان الثورة فهم وإن لم يطيلوا البقاء في الخارج إلا أن الثأر لم يزل قريبًا والدم ما برح نازفًا والبيت مهدّمًا والنفس متبعثرة.. فرجوعهم كان رجوع الظافر في الحرب والقاطف لثمار الصبر ! ثم إن العودة لدمشق وأرض الشام لا يشبهه شيء؛ فإن زارها أحدٌ شعر أنه حطّ على أرض التاريخ والخلائف .. فكيف بأهلها ومن غاب عنها وعاد إليها ؟ إن أهل الشام غصنٌ من دوحتها التي لم تزل جذورها تضرب في الأرض وغصونها وأفنانها تتباسق في السماء.. ترى شَمم الشام يلوح في وجوههم وياسمينها وبيوتها وشرفاتها تطيف في أرواحهم ومزاجها وطبيعتها تمد طباعهم ونفوسهم .. هم منها وهي منهم وإن حاول الطغاة أن يزيحوهم عن تاريخهم ويقطعوا أواصرهم بماضيهم! ورغم ذلك لم يزل في النفس غصة على أولئك الذين لن يعودوا للأبد: لن يرجع الكل يا شمّاءُ وآ أسفًا فهل حفظتِ لنا آثار من رحلوا ؟! * منذ رأيت إياب المنقطعين إلى دمشق ودموعهم وفرحتهم تذكرت شيخنا الأديب علي الطنطاوي ووجده ودموعه على دمشق وأمنيته أن يعود إليها قبل الممات ويدفن فيها! إن روح الميت قد تشعر بما يلمّ بأحبابها من الأحوال، ودمشق ليست مدينة علي الطنطاوي فحسب؛ بل هي والدة وهو ابنها، أو هو والدٌ وهي ابنته! فهل بلغه وشعر به في قبره نبأُ النصر المجيد والفتح المبين الذي تكللت به حبيبته دمشق؟! وهل أحس به غيره ممن مات بعيدًا عنها منقطعًا محرومًا مشتاقًا إليها؟! أن ترحل عن موطنك مختارًا ثم تتسلى عنه بغيره وقد تنساه في ماضي الذاكرة فذاك ليس الشأن.. بل الشأن في الإبعاد وأن تضيق عليك تلك الأرض الواسعة فتُطرد منها منبوذًا معاقبًا .. وقد فقه الكفار ذلك فصاروا يتحدون رسلهم وأنبياءهم بالطرد والإبعاد من أرضهم إن هم استمروا بدعوتهم لهم: " لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودنّ في ملتنا" ، وقد تحشرج بنبيّنا صلى الله عليه وسلم الشوق والحسرة على مكة قبل أن تفارق عينيه ويطول غيابه عنها وذلك حين وقف مودّعًا لها وهو في طريقه مهاجر إلى المدينة فقال: " واللَّهِ إنَّكِ لخيرُ أرضِ اللَّهِ، وأحبُّ أرضِ اللَّهِ إلى اللَّهِ، ولولا أنِّي أُخرِجتُ منكِ ما خرجتُ" وأن تُسد في وجهك منافذ العودة ويُختم على ماضيك وأحبابك وذكرياتك هناك بالطرد والمنفى لَهو القهر المضطرم بالحسرات، والأشواق المسفوحة بالآهات.. اللهم هيء للغائبين سبيلًا إلى أوطانهم آمنين غانمين، ونحِ اللهم الظلم والظالمين عن بلاد المسلمين واكلأ البلاد والعباد بالعدل والإيمان والأمن والسلام..
مرسلة بواسطة نورة.. في 2:26 م هناك تعليقان (2):
إرسال بالبريد الإلكترونيكتابة مدونة حول هذه المشاركة‏المشاركة على X‏المشاركة في Facebook‏المشاركة على Pinterest

الأحد، 3 نوفمبر 2024

على بوابة الثلاثين..

كمن يتحاشى أن ينظر في المرآة إلى عيبٍ في منظره معلًّلا نفسه بأنه غير ظاهر، أو ليس بالشيء الناشز ؛ أتحاشى أنا عمري الثلاثين الذي بلغته منذ عامٍ في التقويم الهجري! أقول في نفسي: ليس بعد .. التقويم الميلادي أضبط.. ثم إن العمر مجرد رقم، والعمر النفسي والتأريخ الشعوري أضبط وأدق، وها قد حلّ تاريخ عمري الثلاثون بالتقويم الميلادي هذه المرة، والعيب في المرآة يلحّ أن يُهذَّب أو يُزال! فأين أنا من الجلوس على ربوة العمر أتأمل طلل العشرين المهجّرة للتو.. وأتأمل بروج الثلاثين خلف تلك الأسوار والطرقات المجهولة ؟! فأبكي على ما فات أو أستدرك له؟ أم أودّعه لطيفًا خفيفًا كما جاء مرّ ؟! هيهات.. أنّى في دنيانا السلام المبرأ من الأذى والأكدار ؟!أنى منها الصواب المنزه عن الخطأ والندم؟! مُحال! يسمّي بعض أهل اللغة من بلغ الثلاثين كهلًا، فهل آنستُ من نفسي رُشدًا يجوّز إطلاق الكهولة عليّ بحكم أني بلغت الثلاثين؟ أم أنه كما قلت بأن العمر مجرد رقم، وأنه ليس نهرًا بل جدولًا صغيرًا تعبره بخطوة إلى ضفةٍ كأنها الأولى التي خلَّفتها ! هذا السؤال أحرى بأهل الفكر والاجتماع والمتأملين من الناس أن يتفكرونه ويتباحثونه، ولا تطرحوه رجاءً على أصحاب تطوير الذات والذين يضعون قوالب جاهزة عن الأعمار ومعالمها النفسية وما ينبغي عليك فعله في كل عمر! أما أنا فالجواب النظري العام لا يزال مبهمًا في عقلي، أما الجواب الشخصي المحسوس فهو أني مررتُ من الأحداث والأدوار والتجارب والمسرات والآلام في عقدي العشرين ما أسنّ رمحي وشدّ قلبي وأنضج عقلي حتى غدوتُ فتاةً أخرى غير ما كانته قبل خمس سنوات وغير ما هو قبل عشر سنوات! ورغم ذلك.. ما زلتُ أحنّ إلى بعض ما كان وإن كان الذي هو كائنٌ أسوغ في العقل والعُرف والمكانة أحيانًا، إلّا أن القلب يتمنى ويشتهي مباحاتٍ ومندوحاتٍ أُحلّت له، ولكن إذا جاء الواجب وحُدّتِ الحدود وخُطّت وأضحى ما وراء الحدّ حرامًا وذنبًا؛ انتصب العقل آمرًا وناهيًا فلا مجال للقلب إلا الإذعان! لقد كان عقْدًا مليئًا بتدبير الله واختياره الحكيم العليم، كانت يده سبحانه تدفعني إلى المضي في طرقات لولاها لبقيت ساكنة في مكاني لا يحركني شيء.. أخبط ذات اليمين والشمال، ويعجبني هدوء مكاني واستقراره وابتعاده عن الزحام ومواضع الأقدام، وأحسب أني على خير وهون.. ولكن الله يسوقني ويوجّهني إلى غير ما أرغب ، ثم أُراني أدرك لاحقًا أني في الطريق الصحيح .. فأحمد الله على لطفه وخِيرته.. وتقديره وهداياته، ونِعمٍ ومسخّراتٍ ما زالت تُصب عليّ أينما توجهت ..
مرسلة بواسطة نورة.. في 6:42 م هناك 3 تعليقات:
إرسال بالبريد الإلكترونيكتابة مدونة حول هذه المشاركة‏المشاركة على X‏المشاركة في Facebook‏المشاركة على Pinterest

السبت، 1 يونيو 2024

نعمة التكيّف



أكثر ما يخشى فقده الإنسان هو الإلف.. إلفُ الأشياء.. الأوقات.. الأمكنة..الأشخاص؛ الإلف هو جوهر الفقد وسبُبه! وبالنسبة لامرأةٍ منضبطة توّاقةٍ مثلي؛ كنتُ دومًا أخشى فقد الحياة التي تعوّدتها والرخاء الذي عايشته؛ وإن كان رخاءً نسبيًا أقتاته هُدنةً بين معارك المشاغل والالتزامات! كنتُ أخشى الأمور الحادثة التي تستولي على محبوباتي وأوقاتي المعتادة.. أخشى المشاعر الجديدة التي تربك سلام مشاعري القديمة، أخشى جرْس الخاطر المتوجّس الذي يزعج طمأنينة جوانحي.. أخشى أن أفشل في التوافق مع كل ذلك وأستمر في خوض معاركٍ معها أبد الدهر! لذلك أحمد الله أن زاد لي في نعمة الخيال واللهفة والتشوّف للمجهول ولم يجعلني واقعية أقيس المستقبل بقياسات الواقع فأقدّر الصعوبات بأوزانها الدقيقة وأشذّب من المباهج ما زاد منها وأخشى اللحظة التالية لأني أبصرت سوءً يطل برأسه منها! بل جعلني أخوض غمرة الجديد وأنا غير آبهةٍ بما تحته.. فإذا عايشته وعرفته قلقت مما كان فيه فأخوض حروبي معه أو أخضع له! هل هناك تضادٌ بين الأمرين؟ بين أن أخشى الجديد وأتلهّف له؟! لا .. فأنا أخشاه بعد وقوعه لا قبله!

كنتُ قبل الزواج قلقة بعض الشيء من هذه المرحلة الجديدة من حياتي، متخوفة من المسؤوليات والالتزامات والتقيّد بنفس السلسلة مع قيد شخصٍ آخر.. خائفةً أن تختنق رغباتي ومحبوباتي وأوقاتي الهانئة في زحام الحياة الجديدة .. فلما تزوجت لم يكن الأمر سهلًا كما توقعت، اعتركت وحاولت وجاهدت في سبيل التوفيق والتوافق.. ثم بفضل الله ثم بفضل تعاون الرفيق نجحت! لا لم تعُد حياتي كما كانت قبل الزواج؛ ولكنها أخذت طورًا جديدًا كبرتُ فيه أنا، ولكنها اختلفت و إن لم تكن تشابهت، ولكنها انتقلت وإن لم رجَعت! وكان هذا انتقالًا واختلافًا يسيرًا إلى ما سيكون! وذلك حين أصبحتُ أمًّا؛ هنا لم تنقلب أوقاتي فقط.. إنما انقلبت نفسي وروحي خلقًا وشيئًا آخر! لقد كانت الأمومة منذ اليوم الأول جوهرةً وهِبَةً فريدةً لا يشبهها شيء في بريقها وثمنها بالنسبة لي، ولكنها أُلقيت في صحراء مترامية من نفسي، ثائرةً رمالُها من كل جانب متوقّدةً شمسُها لا تعرف البرودة والسكينة.. صحراءَ لولا بريق الجوهرة ونفاستها لابتلعتها برمالها! لقد ظلّ الأمران فيّ يصطرعان عهدًا من الزمان.. بريق الجوهرة ووداعتها وسحرها.. واصطراع الرياح والرمال من حولها واتساع الغايات وبعدها، وقد ظللتُ أطلب الله غيثًا يخمد التراب ويُنبت اليباب ويزهر الأرض كل مشرقٍ خلّاب، ظللتُ أطلبه روحًا ونفسًا تشبه هذه الجوهرة.. تصبر عليها صبر الصائغ على جواهره يصوغ منها عقود الدرّ وخواتم الجُمان.. يتعلّم معها حرفةً ومهارات جديدة لا بأس.. وحياةً جديدة لا بأس! فما ملَك من لا بَذَل.. ولا أُعطيَ أحدٌ إلا والابتلاء في عطائه! وجاء الغيث على مكث متمهلًا، ولكنه يُغيّر ويصبغ الحياة لونًا جديدًا في كل مرة.. وصارت الجوهرة دائمًا نصب العينين حُبًا وحرصًا وخشيةً! لا يهمني الآن كم خسرتُ من ذاتي القديمة وأهدافي التي كانت قبل الأمومة.. بل يهمّني مقدار النجاح الذي أنجحه كل مرة في اختباراتها وأطوارها! الأمومة منهجٌ جديد .. امتحان مفصلي لا تشبه قياساته وأدواته ما سبق! ! وأن تؤخذ بأنها رباطٌ ومسؤولية، خيرٌ من أن تُرى بأنها مجرد مناغاةٍ وأُغنية.. والسعيدةُ من أُعطيت عزمًا لهذا وسَعَةً لذاك؛ فحازت الخيرين معًا! 


ما أريد قوله لكل من هابَ أمرًا سيستقبله أو خشيَ شيئًا ظنّ أن نفسه لن تقدر عليه: أن الله الذي خلق الإنسان بهذه الخِلقة الفريدة روحًا وعقلًا وجسمًا وأعطاه كل هذه القدرات والمواهب قد أعطاه معها نعمةً عظيمة اسمها (التكيّف) فهو يتكيّف مع الظروف كلها خيرها وشرها عسرها ويسرها طال الزمان أو قصر -بإذن الله- .. ولا يخفى أن جزءً من صعوبة الأمور ليست في ذاتها، بل في استصعابنا نحن لها وعسر نفُوسنا وثِقَلها! فلنوطّن أنفسنا على الرحابة والسَعَة، ولننثر على أشواكنا زهور الفأل والأمل! 

تتبدّل الحياة وتمضي.. ونتبدل نحن ونمضي معها.. كأن أيامنا الذاهبة عنا الخشب المتساقط من نحتِ النجّار للجذوع.. يحزنُ الجذوعَ تساقطُها واطّراحُها ولكنها تبينُ أخيرًا عن قطعة منحوتة مصقولة .. مختلفة عن سابقتها ولكنها أصبحت رائعة!

نحنّ لأيامنا القديمة نَعَم، ولكن ما نحن فيه خير.. وربما كان أبقى! 

 .....

هنا التدوينة منشورةً في موقع الألوكة:

https://www.alukah.net/literature_language/0/169476

مرسلة بواسطة نورة.. في 1:47 م هناك تعليق واحد:
إرسال بالبريد الإلكترونيكتابة مدونة حول هذه المشاركة‏المشاركة على X‏المشاركة في Facebook‏المشاركة على Pinterest

الثلاثاء، 30 يناير 2024

قصة نضال الذاكرة

قليل في حقّك يا غزة.. قليل في حقك يا فلسطين .. قليل في حق كل مظلوم مستضعف! ولكن حسبي أن أعظم الجهاد كلمة؛ فلربّما ألهبت كلمةٌ.. وأخمدت كلمةٌ !
ولكن حسبي وعذري أنها ما أستطيعه، ولوددتُ أني أطيق أكثر منه.. ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها !







قصتي :(نضال الذاكرة):

https://www.alukah.net/literature_language/0/167387

مرسلة بواسطة نورة.. في 7:54 م ليست هناك تعليقات:
إرسال بالبريد الإلكترونيكتابة مدونة حول هذه المشاركة‏المشاركة على X‏المشاركة في Facebook‏المشاركة على Pinterest

الاثنين، 28 أغسطس 2023

سنة حلوة يا سنـاء




 إلى نبضي الأول، إلى ابنتي، وصديقتي، وأمي الصغيرة: سنـاء .. في يوم ميلادها الثاني، في عامها الأول:


أنتِ التي أحييتِ الأم فيني، وبَذَرَت يداكِ الصغيرتان مشاعر شتّى ما كنتُ أحسب أن أرضي خصبةً لها، ولكنك كنتِ كمزارع صبور تتعاهدينها بالسقاية دائمًا حتى في اللحظات التي توشك فيها على الذبول! نلد الأبناء وهم يلدوننا.. نحنو عليهم ونعانقهم ونضمّهم عطفًا ومواساة ولكن أحضانهم الصغيرة تبادلنا كذلك من الشعور.. فلا ندري من فينا الأم ومن فينا الولَد! 

صغيرتي سناء،

تمنّيتُ منذ اللحظة التي علمتُ فيها بحملي بك أن تكون بكري فتاة، أعوّض فيها فقدي للأخت؛ فتكون أختي وابنتي وصديقتي، فأكرمني الله بك وكنتِ أنتِ ! فيا لسعدي وفرحتي بك!

صغيرتي سناء، 

للطفل الأول حُبٌ مختلف.. تحبينه قبل أن تُلقى نطفته في رحمك حتى! حين تعدكِ به الآمال ويشوّقك له نداء الفطرة والغريزة، فترسم لكِ وله صورة أمومية حالمة، تظل تهدهد القلب إلى أن يأتي! وتحبينه حين يتخلّق في بطنك، وهنا تفور حقًا تلك المشاعر الهادئة الخفيّة في تلك المرحلة الحالمة وتتكثّف وتتمايز ويصبح لها حسُّ واسمٌ ومسمى! فمرةً محبة، ومرة لهفة، ومرةً قلق، ومرة خوف، ومرةً أمل! وتحبّينه حين يولد، وهنا تتجسّم المشاعر وتشخص بوضوح أمام العينين، وتصبح حقائق صارخة بعد أن كانت سارية في الوهم والخاطر.. تصطدم بكِ عند انتصابها أمامك حينًا، وترشدك وتعدّل مسارات نفسك حينًا، وتبهجك بحضورها ورؤيتك لها حينًا؛ فمرةً صبرٌ وتجلّد، ومرةً نضجٌ وتبصّر، ومرةً إخفاق وخيبة، ومرةً انتظار وأمل، ومرة ضعف وجزع، ومرة رحمة، ومرة قلق، ومرة كَلَف، ومرةً حُب.. حبٌّ لا يشبهه أي حب آخر! لأنه خليط تلك المشاعر مجتمعة! فهل سمعتِ يا صغيرتي بحبٍّ كهذا؟! لا أظنه يوجد إلا في قلوب الأمهات! وحده قلب الأم تتقلّب فيه تلك المشاعر المتعاكسة، وفضاءُ المحبة والحنان هو وعاؤها جميعًا!

صغيرتي سناء،

أشعر بالبهجة والزهو حينما جعلتِني أنا من يصوغ لك مشاعرك تجاه هذا العالم؛ حين تنظرين مثلًا نحو طائر أو منظر غريب.. أو تسمعين صوتًا ما، فتنظرين إلي مباشرة لتَرَي ردّة فعلي، فأتعمّد ظهور ملامح الدهشة الفَرِحة في وجهي، فتسكُن صدرك تنهيدة اطمئنان متبوعة بدهشة مثل دهشتي على وجهك، فصرتُ كذلك أتعمّد حين أسمع صوتًا مخيفًا أن تسكُن ملامحي وإن كان القلق يهزّ داخلي لتظلّل الطمأنينة وجهكِ وقلبك على الدوام.. فأي فخرٍ وأي مسؤولية أعظم أن يكون وجهك بوابة عبور لشعور إنسان نحو هذا العالم؟! ثم إني والله أتجدّد بك وأكتشف العالم مرة أخرى بدهشاتك ونظراتك المبهورة.. فأيّنا يرى العالم بعيني الآخر.. أنا أم أنتِ ؟

صغيرتي سناء،

لقد أحببتك مرة ثانية حين أحبّك والديّ وأحبّاني فيكِ.. حين أضفتِ لفصولهما فصلًا آخر من فصول الشباب قد ظنّا أنه مات مع العمر وانطوى مع تقدّم السنّ، فكنتِ أنتِ إشراق مشاعر الأبوة فيهما الغاربة منذ دهر، وصوت الحنان والمناغاة الأنيس في أرض العمر الموحشة، وأخوالك الشباب.. ماذا فعلتِ بهم؟ كنتِ أنتِ تهاوُن هيباتهم، وعطف جذوعهم المنتصبة.. فيا لبركتك على الجميع!


 ثم لتعلمي يا صغيرتي أن أمكِ مهما أحبتك فإنها تُطلقك، تُطلقك من مدى قلبها إلى آمادك وآماد الحياة الرحبة، تُطلقك ليرتخي قلبُها فلا يتهتّك بطول الشدّ والربط، تُطلقكِ لتكوني أنتِ وتكون هي! قد يسمّون هذا الإطلاق تقصيرًا أو لا مبالاة.. فليسمّونها ما شاؤوا.. سيشهد حبك لقلبي في ضربات الخوف والقلق وليالي المرض والسهر ودعوات السجود وإعداد طعام الهناء والعافية وحسن التعليم وصدق التربية.. وكل مفترقات المحبة والحرص؛ والله الوكيل نستعينه في كل أمر، وبه توفيقنا وعليه اعتمادنا، فمن وفّقه فهو الموفّق، ومن خذله فهو المخذول.. ولا حول ولا قوة إلا به..


أمك التي تحبك كثيرًا:

نورة


مرسلة بواسطة نورة.. في 11:22 ص ليست هناك تعليقات:
إرسال بالبريد الإلكترونيكتابة مدونة حول هذه المشاركة‏المشاركة على X‏المشاركة في Facebook‏المشاركة على Pinterest

السبت، 4 فبراير 2023

إغراء الطفولة

أتأمل تخلّق الإنسان وانتقاله من طور إلى طور في ابنتي وأنا أسبّح بالذي خلق الإنسان من عدم فجعله سميعًا بصيرًا.. أتذكر حين ولدتها كيف كان منتهى آمالي أن تصوّب إلي فقط نظرةً ذات معنى.. أن تلتفت إليّ إذا ناديتها ؛ كانت مجرد قطعة لحم، تأكل وتصيح وتنام، ثم ها هي تكبر مرة بعد مرة وفي كل مرة يزيد فيها شيء.. يتحسّن سمعها ويتطوّر نظرها وتتصلب عظامها فأردد دائمًا الآية الكريمة: "والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة"، أتأمل جرمها الصغير ولطافة كل شيء فيها ورقّته.. حتى قلبها لم أرَ أرقّ منه! يرفّ لكل شيء خوفًا ويرهف لكل شيء دهشة واستغرابًا؛ إخالها لو أُوتيت القدرة على الكلام والبيان وهي في سنها هذا لأصبحت شاعرة تلتقط دقائق الخطرات وتتتبع أصاغر الدهشات!.. تذيبني تلك اللطافة التي تخفّ عن الغلاظة والثقل، وذلك الطهر الذي لا يخالطه كدر، وأتمنى أحيانًا لو بقيت هكذا ولا تكبر!.. ستكبر.. نعم، وستتفتح أزهارها دومًا أمام عيني وسيعبق شذاها في البيت رقةً وصبا ومرحًا وشقاوة، ستسبيني في كل مرة، ولكني أشعر بالقلق حين أفكر بالحياة الطويلة التي ستستقبلها وما سوف تكابده من أقدار ومخاوف وآلام؛ لأن درب الشقاء في الحياة يجانب دومًا درب النعيم، وأغصان الشجرة الوارفة وورقها الناعم وثمرها الغض يسبقها جذعها الخشن الذي يدمي اليدين والقدمين التي تتسلقه وتروم جناه! ستكبر وستزداد آلامها ومخاوفها.. ستعرف أن للخوف صورًا أعمق وأرسخ من رمشة عين وهزة قلب وسيتكثف هذا اللطف وستتسنّى هذه الطهارة، وكأن الكدر هو شرط الحياة والعمر المتطاول! ولكن ماذا عليها لو كبرت وتمدد جلدها وامتشق عظمها ولكن روحها تبقى غضّة بارقة البراءة ؟! ما الروح لولا طفولة القلب؟ ولماذا نصرّ على استبقاء الأحزان في أعماقنا زاعمين أننا نتقوى بذلك لننال فضيلة الصبر؟ لماذا لا نصبح كالأطفال.. دموع الليل يجفّفها ضياء الشمس ، وأحقاد خصوماتنا يغسلها اللعب والحلوى .. لماذا لا نمرّ على الآلام لمامًا ونعطيها منّا حظ لحظتها فقط ثم بعد ذلك نغشّيها ظلام التسلّي والنسيان؟! فأن تكون طفلًا هو طريق السعادة المختصر ! تخلع جسدك جانبًا وتعرّي أعماقك.. وتطلق روحك صاخبةً تضحك، وقاصية الخيال تحلم، وصريحة الحزن تبكي.. أن تنهمر مشاعرك مصوّبة كالسيل فلا تلتفت لأحد عن يمينك أو يسارك إلا أن يكون معك أمامك أو خلفك! لستَ أنانيّ الشعور ولكنك صادق التعبير، لست منطويًا لا تبالي بأحد ولكنك تزخر بنفسك وتملأ حظّها نصيبًا موفورًا.. صراحة الطفل تخجلنا حينًا بل وتجعلنا ننفر منه حينًا، وفي مقابل هذه الصراحة والوضوح تكمن في الطفل غفلة وبراءة هي سرّ لطفه وحسنه لذلك نحن نحبهم وتخلب قلوبنا أحاديثهم وأفعالهم.. هل رأيتَ أننا نهوى في الأطفال ما نفقده؟ فنحب صراحتهم وتبدّيهم لأن عواطفنا مشوبةٌ معكّرة يتناوبها رأينا فيها حينًا ورأي الناس عنها حينًا آخر، ونحب غفلتهم لأننا نتحسس الحياة ونتقصّاها حتى لكأننا نريد أن نقشع الغيوب ونحيط بالأحداث خُبرًا.. لا أقول أن نكون إما هذا وإما ذاك ولكن لماذا لا نقدر المعاناة تقديرًا صائبًا لا تضخمه الأوهام ولا يقزّمه الحمق فنأخذ من الغفلة أو الصراحة بحسب ما يناسب المقدار؟! اثنان هما حياة العواطف وغضارتها: طفولة القلب، والخيال والجمال! وبحياة العواطف يحيى الأدب ويخضلّ الفكر ويعشوشب كل قفار؛ لا أنسى ولن أنسَ زمانًا كنت خالية البال من الشؤون والمسؤوليات.. ليس لي من الاشتغال إلا ما بين يدي من كتاب أو قلم، أو معرفة وهواية وفنّ! فلا أجاوزه إلا لخيال مجنح أو جمال حالم يتراءى في العالم من حولي ، فكان الخيال يمدّد آفاق قراءاتي وأدبي وعالمي من سعته، والجمال يرطّبها من رقّته وروعته! زمانًا كان الشعور فيه شمسًا تذُرّ الأرض والتِلال وتحرّك الأشباح والظلال، وتقتم القلب أو تُنيره، وتعشو البصيرة أو تهديها! وأنت في هذا كله طفلٌ سارحٌ بين روحك والحياة.. ينتهي يومك رغمًا عنك ويضطرك الليل إلى الذهاب إلى فراشك.. ترقد في فراشك فترمق الغد لا بعين الهواجس والتكاليف؛ بل بعين المباهج الموعودة.. مباهج الشمس والألعاب والحكايا والكتب، مباهجٌ مألوفة ويوميّة .. نعم! ولكنها موعودة منتظرة للقلب أبدًا! فكأنما هي الموعودات المبهمات اللائحات من سجف الغيب، لا المتكررّات الواضحات المشهودات! فهل نملك الجرأة أن نثور ونلقي الواقع والأعباء جانبًا.. أو هل نستطيع أن نصبح أطفالًا طوال الوقت ؟! لمَ لا نحاول!
مرسلة بواسطة نورة.. في 7:01 م هناك تعليقان (2):
إرسال بالبريد الإلكترونيكتابة مدونة حول هذه المشاركة‏المشاركة على X‏المشاركة في Facebook‏المشاركة على Pinterest

السبت، 24 ديسمبر 2022

عامي التاسع والعشرون..

أُكملتُ بالأمس عامي التاسع والعشرين حسب التقويم الهجري، ورمية حجر تفصلني عن الثلاثين إن شاء الله.. هل أنا متهيبة لاقترابي من الثلاثين؟ الحقّ أني أشعر بمزيج رهبة وغرابة وبراءة.. رهبةٌ لأني سألج عَقدًا جديدًا يوصف أنه بداية الكهولة وأول الرشد والحكمة، فستُلزمك الأعراف والأوصاف أن تقضي على طيشك ونزقك رغمًا عنك وإن كان عقلك بحجم الحصاة وروحك متفجرة الغرارة! وغرابةٌ لأني أشعر أني غافلة عن قافلة العمر الضاربةِ في السنوات ذاهلةٌ عن أرقامها المتصاعدة! فماذا يعني أن أكبر؟ وماذا يعني أن أقترب من الثلاثين؟ ماذا يعني كل ذلك إن لم أكن أشعر به على الحقيقة! فليس في جسدي عضوٌ يحصي السنوات، وليس في روحي دقّات ساعة أسمع ضرباتها ولا أراها! كل ذلك لا أشعر به فكيف أؤمن به! لقد مرّ هذا العام سريعًا بطيئًا.. غريبًا واضحًا.. مضطربًا مستقرًا! شعرتُ به بمزيج تناقضات، بلهفةٍ ثم إنكار.. بدموعٍ حارّة ثم ببلادَةٍ قارَّة.. بتقدّم واطّراد، ثم بتأخرٍ وانفراط، ثم تتلاعب الأضداد وتتناغم حينًا، ويغلب بعضها الآخر حينًا وحينًا.. هذا العام قَدِم وأنا حبلى بطفلتي الأولى وانصرم وقد أنجبتها وأتمّت من العمر ٤ أشهر، لم يُكبّرني زمان الحَبَل كثيرًا، لقد أثقل بطني وجسدي ولكنه لم يثقل قلبي؛ ما زال قلبي خفيفًا يتأوه لأوهى حزن وألم ويطرب لأبسط حلم ونغم.. ولكني حين أنجبتها مرّت بقلبي أطوار.. بروجٌ وأغوار، كالجبل صلابة وشموخًا، وكالغبار هباءً واضطرابًا! أحيانًا أنسى أمومتي وأراني ما أزال تلك الفتاة اللاهية، وأحيانًا أشعر بأن "سناء" هي الحجر الذي أتمّ بنائي وأكمل نقص حياتي وأنا من دونها ثغرة تدخل منها الريح لقلبي وتعصف بمشاعري وخطراتي.. أحيانًا أشعر بأن بيني وبينها كل هذه السنوات التي تفصلني عنها، وأحيانًا أشعر أن ما بيني وبينها إلا أيام وشهور وأن قلبي يكاد يكون كقلبها طفولة وبراءة؛ فأنزل لها وألعب معها وأضاحكها كطفلٍ وطفل لا كأم ووليد! فما الضير أن نكون كالأطفال روحًا وإن كان العمر والجسد يجرفنا إلى غير مجرانا! لطالما شعرت بأني طفلة.. لا أجنح إلى الطفولة طيشًا وشقاوة، ولكن لأن "شبه الشيء منجذبٌ إليه"؛ فأهنأ وقتي وأنداه حين يتوافق قلبي مع براءتي.. فمن أنا؟ تلك الأم الواعية، والمرأة الحكيمة؟ أم الفتاة الغافلة، والطفلة الحالمة؟ وهل أنا الأمل الكاذب أم اليأس المهلك أم الواقع المتوازن؟ الصاخبة لهوًا أم الساكنة تأملًا ؟ أنا مزيج من هذا كله.. أتغيّر وأتبدّل أحيانًا في أيام بل ساعات بل في لحظات ! وإني لأكبُر بما أشعر في روحي من علوٍ أو في عقلي من نضج، وإني لا أبالي بعمري إلا من زمانٍ آنَسني أو زادَ في رَشَدي.. لا من رقم وتاريخ لا يصلني به إلا إرادة الله أن أولدَ فيه.. وإني لأكبر أحيانًا وأصغر أحيانًا، وأسأل الله أن يجعل ختامي على ما يرضاه؛ فذلك منتهى الرشد وتمام الحكمة..

مرسلة بواسطة نورة.. في 7:02 م هناك تعليق واحد:
إرسال بالبريد الإلكترونيكتابة مدونة حول هذه المشاركة‏المشاركة على X‏المشاركة في Facebook‏المشاركة على Pinterest

السبت، 15 أكتوبر 2022

الأمومة.. المبتدى

 كغريقٍ يصارع الأمواه والظلمات واليأس، قد أحاط به الموت من كل مكان ثم يُلقى إليه لوح النجاة فيستمسك به بكل ما أوتي من قوة.. يرى فيه الحياة ولمّا يخلص من الموت والخطر بعد؛ فما الذي فعله به لوحٌ صغير وموجةٌ واحدة من أمواج البحر هي أكبر منه وأعظم وما الذي أعطاه له من حياة وأمل؟ فانظر إلى رحمة الله كيف جعل لبعض الصغائر قوة قادرة على تفتيت أعصى الأهوال والكبائر! لقد كنتُ أنا كهذا الغريق، وكان البحر هو آلام المخاض والوضع الشداد، وكانت طفلتي "سناء" هي الخشبة التي لمّا لاحت لي تبدّت لي الحياة.. قاهرةً بسناها القوي الشفيف كل ظلمات الألم! لا أنسى ولن أنسى.. والتقريب والتشبيه هو أجدى ما تفعله الكلمات هنا؛ تلك اللحظة التي رفعوها أمام عيني حين أخرجوها من بطني وأنا وسط أرطال من الصراخ والألم، وحين رأيتها خمدت فجأة ثائرة توجعي وانهالت الدموع من عيني صارخة : الحمدلله الحمدلله الحمدلله! تلك كانت قرة عيني الأولى بها..! أسأل الله أن يتبع القرة بالقرة ممتدة إلى بعد موتي برًا ودعاءً.



يحدثوننا دائمًا عن وهن الحمل، وآلام المخاض والوِلاد، ولا يحدثوننا عمّا بعد ذلك.. يصورون لنا الأمومة زهرًا يفيض رقة وندى، ولا يخبروننا بما قبل النعومة من تعاهد وسقاية ورعاية، لا يحدثوننا عن أنها تحتاج جبالًا من الصبر حتى تثبت ثباتًا ما فيه اهتزازٌ اللهمّ إلا هزّ اليدين للمهد! وأن الشدة ستصدمكِ فيها منذ أول يوم مهشمةً نظارة أمومتك الوردية.. نعم؛ ستَشْرَقين بالصبر أيامًا، ستقبضين عليه كما تقبضين على الجمرة ليس لها إلا يدكِ لتطفئها! لا ماء المحبة ولا رمال الضعف! الحب والعطف والرحمة شعارُ الأمومة، والصبر دِثارُها! انتهى مخاضكِ الجسدي، وسيبتدرك بعدها مخاضك المعنوي الذي تولَدين فيه وتلدين في كل مرة، ومن ثَمّ.. فقُبلةٌ أو ضمّة أو شمّة لطفلك قادرة على اختراق كل لحظات التعب والسهر والوصب! ومن رحمة الله أن جعل الصبر والحب شقّي الأمومة؛ يحمل هذا ذاك وذاك يحمل هذا، ويستقيم هذا بذاك، فلا يميع الضعف، ولا تخشوشن الصلابة، ومن ثم ؛ ليست الفضيلة أن تُجرح فتُشفى، بل أن تُجرح فلا تتألم، وترى الدم فلا تنقبض! ثم تزهر بعدها أشواك الصبر، وتتفجر ينابيع الأمومة في أعماقكِ عطاءً ومحبة.. ستصبح شؤونها طوع يدك بعد أن كنتِ أنتِ طوع يدها.. ستكتشفين الأم التي ركّبها الله في فطرتك، وسيتبدّى صغيرك كأغنية أنتِ من يغنيها، وكضحكة أنتِ ثغرها، وكحبٍ أنتِ قصته، وعطفٍ أنتِ رقّته وعذوبته.. كل إناث الأرض مهما اختلفت طباعهن وشخوصهن أمهات بالفطرة؛ سواء منهنّ من أوتيت حظًا وافرًا من الشفقة والحنان أو من قَسَت طباعها ظاهرًا ولكن في داخلها قدْرًا من الأمومة تستطيع أن ترعى به صغارها وإن لم يقنع بهذا القدْر المغالون والمقدّسون للأمومة أو لاكتها بسببه ألسنةُ الناس! نعم.. انظروا حولكم مغمضين أعينكم عن الصورة الوردية المقدسة للأم التي تصورها كقديسة هبطت من السماء قد ظللت صغارها بجناحي النورانية والعطف والإشفاق الغامر.. انظروا إلى شتى أمهات الأرض ممن حولكم وممن سمعتم عنهن وقرأتم في الماضي والحاضر، في صنوف الأقطار والبلدان وألوان الشعوب والبشر، بل حتى في ممالك الحيوان! ستجدون الأم/ الأنثى مهما ظُنّ أنها أرْخَت يدها عن صغارها وابتعدت عنهم أو تركتهم يبتعدون عنها لا بد أن تقبض يدها عليهم في لحظة أو يوم أو زمنٍ ما! إنها "الرحمة"! وهي القدر الضئيل من الأمومة الموجودة في كل أنثى.. وقد خُلقت معها وخُلقت فيها؛ إنها مقتطعة ومنتسبة إلى "الرحم" الذي هيأه الله للولد في جسمها، ثم لما انفصل عنها ولدها لم تنفصل هي عنه فألحقت به رحمتها فكأنه رحمها الذي يمشي على الأرض وبه ترعى وليدها.. يختلف الناس، ويختلف الأطفال، وتختلف الأمهات كذلك! وكل أم مهما وُجّه لها من النصح واللوم ستبقى في داخلها بوصلة بها تشق رحلتها مع أطفالها؛ ألا وهي: غريزة الأمومة.. ذلك الخيط الذي يصلها بابنها، ويصلهما جميعًا إلى اختيار مسدد خاصٍ بهما وإن تعدّدت الاختيارات والنظريات، وإن اجتهدت وأخطأت فخطؤها مغفور! 
إنّ رسْم صورة واحدة مقدّسة للأمومة ومحاولة تنميط الأمهات عليها يزيد من ثقل المسؤولية على الأم وتأنيبها لضميرها، لأنها ستظل دائمًا تحاكم نفسها إلى تلك الصورة وتقيسها عليها ولا تجد من يطمئنها على أمومتها التي لا ريب أنها موجودة فيها! ولولا اختلاف الأمهات لما اختلف الناس في طبائعهم وأحوالهم.. ثم أين أصحاب الصورة الوردية تلك من الأمهات اللاتي ينذُرْن أبناءهنّ للجهاد أو للعلم مثلًا في أماكن قاصية محتملات ألم فقدهم وابتعادهم عنهن؟ أينهم من والدة مريم عليها السلام حين نذرت الجنين الذي في بطنها للعبادة؟ وأينهم من الصحابيات اللاتي يموت عنهن أزواجهن أو يطلقونهن فيتزوجن بعدهن رغم صغر أعمار أبنائهن؟ أينهن عن أسماء بنت عميس مثلًا؟ أينهن عن سبيعة الأسلمية التي حين مات عنها زوجها وهي حامل تزينت للخطاب بعد خروجها من نفاسها مباشرة ولم يقل لها أحد وليدك أجدر بك من زوج وغيره أو يتهمها في أمومتها وينبزها بعدم التضحية! لم يلم أحد أولئك الصحابيات؛ فلم يفعلن إلا شيئًا قد أباحه الله لهنّ ومارسْنَ حقوق أنفسهن بالزواج رغم وجود أولاد صغار تحت أيديهن! لا تعارض بين أن تمارس الأم حقًا شرعيًا أباحه لها في الزواج أو طلب علم أو ترويح أو غيره ما لم تضيّع أولادها أو تفرّط في حقهم! ثم أين هؤلاء وأين أصحاب الدعاية الإعلامية بتشجيع الرضاعة الطبيعية عن تلك العادة العربية التي اشتُهرت في قريش بإرسال أطفالهم بعد ولادتهم إلى قبائل البادية لتقوم نساؤها بإرضاعهم، ونبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- خير مثال؛ حين أرسلته والدته مع حليمة السعدية في تلك القصة المعروفة.. ولم تلطم أولئك النسوة القرشيات والعربيات خدودهن وتشققن ثيابهن عويلًا على أبنائهن وجزعًا على فقدهم وابتعادهم عنهن! فماذا يقول أصحاب تلك الدعاية عن هذه العادة؟ هل سيشكّكون في أمومة هؤلاء النسوة ؟ وأين ادعاءاتهم بتقوية الرضاعة الطبيعية للعلاقة بين الأم ووليدها منها؟! إن اللوم الموجّه للأمهات "المقصّرات" الآن ينبغي أن يوجّه لمن أظهرهن بتلك الصورة وحمّلهُنّ قدرًا زائدًا عن أمومتهنّ من معتقدات أو عادات أو أعراف، أو حتى ظروف اجتماعية واقتصادية أدّت إلى عدم وجود معين أو مساعد لها في تربيتها ورعايتها لأطفالها وبيتها، فغدت الأم في نهاية الأمر كالغصن الذي يُحرق ليستضيء ويستدفئ من ناره الآخرون.. لا كالغصن الذي يورق ويثمر ليستظل ويأكل منه الآخرون! فهل يستويان مثلًا!
مرسلة بواسطة نورة.. في 12:58 م ليست هناك تعليقات:
إرسال بالبريد الإلكترونيكتابة مدونة حول هذه المشاركة‏المشاركة على X‏المشاركة في Facebook‏المشاركة على Pinterest
التسميات: حديث نفس أم

الجمعة، 1 أبريل 2022

رمضان .. شهري الأثير

 رمضان 1442 هـ:

رمضان.. ما رمضان ؟ نسمة باردة في حر الزمان، وتنهيدة الراحة للاهث النصبان، ورؤيا بشرى وسلام في منام المهموم الحيران؛ ما السر في رمضان؟ ما الذي جعله دوحة الأيام وقرارها والمَعين؟ بالطبع لأنه شهر الرحمات والغفران والقرآن وليلة القدر والعتق من النيران، بالطبع لأنه "رمضان"؛ قدسية الاسم ونَفَثه النوراني يجيبانك، ولكن ماذا أكثر؟ ما الذي لامسه فيّ رمضان وأثاره في نفسي حتى يكون روحًا من أيامي؟ ما الذي جعلني فيه وكأني في مرقاة تطلع روحي بها إلى السماوات وأرى منها كل مرة ملكوتًا جديدًا؟ ما الذي جعلني فيه كالمحدّق في النجوم في ليلة صافية منيرة عليلة؛ سلامًا وسكونًا واستغراقًا؟ ما الذي جعل هذا الشعور يلازمني حتى كأنه وسم رمضان وحضوره؟! لأعد إلى رمضان ولأتأمل كيف عشته وما الفارق بينه وبين شهور عامي الأخرى: أظن أن أول ما يميز رمضان عن غيره، وهو مميّز مهمٌ وجوهريٌّ فيه: أني أتخفف من برامج التواصل قدر استطاعتي: أحذف تويتر، وأقلل من دخول السنابشات والانستقرام، إلى مرتين أو ثلاثًا كحد أقصى، هذا التخفف يزيح غُثاءً عن دماغي ويهب لي صفاء تفكير واستخدامًا للعقل فيما يفيد وينمي، والأهم أنه يجعلني أكثر حضورًا في العبادات ويهذّب وقتي، رمضان ليس شهر عبادة بالمعنى الشعائري والطقوسي فحسب، بل هو زكاة للنفس.. توجيه لها للأعلى والأسمى، اختبار لها في التخلي عن عوالق الدنيا وفضولها، ووسائل التواصل من أكبر جوالب التشتت والغفلة عن الوقت، وكما يقولون: التخلية قبل التحلية؛ أي أنك إن أردت أن تتزكى فأزِح عن طريقك ما يعيقك لكي تستطيع أن تعبر وتمضي، وهذا بالضبط مع وسائل التواصل وباقي المشتتات، أما التلفاز فلست من أهله ولله الحمد، ثم نأتي إلى التحلية وهي كثيرة في هذا الشهر؛ وأبهاها وأغلاها: كتاب الله جل وعلا، وأي شعاعٍ تضيء به جنبات نفسك كالقرآن.. بل أي شمس؟! تقرأ وتقرأ فتتوهج أكثر.. تتوهج، حتى تتشبع من هذه المعاني الدرّيّة، لتصبح أنت شمسًا تلقي على الموجودات أنوارها، فلا تبالي أأظلم الكون من حولك أم أصبح.. وبحسب نهلك من القرآن وقراءته قراءةً مستشعرة؛ بحسب وجود رمضان فيك، رمضان= القرآن، فلا تبحث كثيرًا عن رمضان في غيره! وما سكينة رمضان ووضاءته إلا من كثرة التالين لكتاب الله فيه من مصاحفهم أو من على مآذن تروايحهم، ثم تُدبِر هذه السكينة بحسب إدبار الناس عنه في بقية الشهور! أشعر أني أسمو مع القرآن سموًا حقيقيًا.. فالقرآن يوقظ في النفس الحقائقَ الكونية والإنسانية التي غفلت عنها أو جهلتها، يعيد ترتيبها لتكون نفسًا فاعلة.. ثمة فرق بين أن ترتفع بعقلك  ويكون محور أفكاره معانٍ مثل: الكون والعالم، الحق والباطل، الخير والشر، الإيمان والكفر، التوحيد والشرك، الأخلاق والأحكام والحدود.. وبين أن تكون سادرًا في ماجريات الحياة والعيش ضائعًا في دهاليزها الملتوية! هذا حقًا ما فعله إقبالي على القرآن في رمضان، وكأني كنتُ نبتةً صغيرة أو حشيشة من الحشائش تحسب أن الحياة لا تجاوز طول عودها، ثم يأتي القرآن وكأنه عاصفة ضخمة أو سحاب كوني هائل يجتاحها ويغشّي ما حولها فلا يبقى في الآفاق إلا صورته وصوته ويختفي ما دونه فيه: "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا" القرآن يحشدك بقوة نحو هذه الحقيقة! 
القرآن وصلاة التراويح والتحرز عن الحرام والحرص على الطاعة في رمضان علمتني درسًا مهمًا كنت أسمع به وأتحققه أحيانًا، ولكني هذه المرة تيقّنته حقّ اليقين؛ ألا وهو : أن السكينة والسعادة الصافية والراحة المجلوّة هو في القرب من الله تعالى، وأنه جنة مَن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة: "من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة" صدق الله! لا أدري لِمَ نعرف هذه الحقيقة جيدًا ثم نخادع عنها ونختلق اللهو والأعذار التي تصرفنا عنها ثم نشكو الهم والغم وعسر الحال:
إبليس والدنيا ونفسي والهوى
كيف الخلاص وكلهم أعدائي؟! *

اللهم عونك والثبات.
وماذا أيضًا؟ ماذا عن الترويح؟ كيف أروّح عن نفسي في هذا الشهر؟ في الأثر :"روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة؛ فإنها إذا ملّت كلّت وإذا كلّت عميت" حتى ترويحي في هذا الشهر كان زاكيًا وساميًا، كنت قبل رمضان أرفّه عن نفسي غالبًا بمشاهدة السنابشات أو الانستقرام أو حلقة من مسلسل أو أي شيء مما يدور في باب "اللهو" غالبًا، لكن في رمضان كنت أود تجريب نفسي في ترويح من نوعٍ آخر.. ترويح ثقافي وفكري أكثر.. فكنت أشاهد في اليوتيوب أو أقرأ مقالات من هذا النوع.. وأحيانًا تتسلل نفسي وتأبى إلا أن تعود إلى عادتها القديمة في مشاهدة اللهو والتسلية، ولكن في المحصلة أحسب أني نجحت في اختبار نفسي في الترويح الآخر.
وماذا بعد ؟ ماذا بعد التمام إلا النقصان؟ كنت أرى التقويم وأرى أرقامه تزيد لتنقص، وتكبر لتفنى؛ فلو كان لي أن أعلّق تلك اللحظات لأعيش فيها ما حييتُ لفعلت، ولو كان لي أن أصوغ نفسي من بلّور ذلك المعنى الجليل ونورِه فأعيش به ما بقي من عمري لفعلت..

فأين أنا من ليالٍ يُذرى عليّ فيها ضوء القمر، يهدهد روحي نسيمٌ عليل، وتناجيني فيها النجوم، وينقلب سواد الليل فيها إلى عمق وأغوار وأسرار تحتضني بهمساتها وحقائقها .. تُريني ملكوت السماوات والأرض في أرجائها، وملكوت المعنى في قرآنها، وملكوت نفسي في إيمانها.. فأين أنا منها إلا أن يكون الزمان رمضان!

مرسلة بواسطة نورة.. في 1:29 م ليست هناك تعليقات:
إرسال بالبريد الإلكترونيكتابة مدونة حول هذه المشاركة‏المشاركة على X‏المشاركة في Facebook‏المشاركة على Pinterest
التسميات: أسلوب حياة, خواطر, قبسٌ من النور..

السبت، 19 مارس 2022

"حملته أمّه وهنًا على وهن"




 "مبروك حبيبتي .. حامل!"

انهملت عبراتي ووقعتُ على الأرض ساجدة شكرًا وحمدًا؛ خبرٌ كنتُ أترقّبه، كأنما خُتم على دعواتي وصلواتي لا يفارقها ضراعةً ولهجًا، تمرّ الأيام وأتسلّى عنه بأعمال وإنجازات ولهو ولا يزال هو كالنقش في قلبي تسفي عليه الرياح تراب الأيام ويظل رسمه ومكانه باديًا لا يُطمس، رغم عدم مرور الكثير على زواجي إلا أن اللهفة أقوى من الانتظار، والتطلّع أشدّ من الصبر.. حين كنت أترقب الحمل كانت تلوح أمام عيني صورته الوردية التي لا يُكتب إلا عنها! صورةٌ وردية أكلح ما فيها ثقل بطن الأم وثقل حركتها معه وآلام ظهرها ومفاصلها! ربما يكون سبب ذلك بعض غفلتي عن الواقع والحقيقة، وربما يكون بسبب اعتقادي أنه رغم تعب الحمل وثقله وآلامه إلا أن حلاوته وفرحته تذيب ذلك كله! وما هي إلا أيام قلائل بعد يوم البشرى ذاك حتى بدأت أعراض الأشهر الأولى من الحمل تدبّ نحوي؛ فأستشعر يومًا بعد آخر معنى قوله تعالى :"حملته أمّه وهنًا على وهن" فبكل ما في كلمة :"وهْن" من خفة وخفوت تكون آلامه، وهنٌ تستشعر معه أيام عافيتك وقوتك، ضعفك الحقيقي، صورة أمك وهي حبلى بك وبإخوتك، وأن مغانم الدنيا بمغارمها وليست بالمجّان، حق الأم العظيم حدّ أن يُجعل تحت قدميها الجنة، وأشياء كثيرة.. أيام ولحظات صعبة أزحزح فيها أنا الزمن من ثقلها، وزاد من ثقلها أني فتاة لا تقرّ إلا على مَعين العمل والإنجاز، واللهو والمرح، فأصبحت أسيرة الأمرين: الوهن ونفسي المتحفّزة.. أصبحتُ أسيرة الخمول والإرهاق والنوم.. الفراش هو وطائي اللّين ومنتهى آمالي؛ فلا أبالي إن استلقيت عليه بنداءات الجِدّ والعمل.. الخمول يستوطن جسدي وروحي! أصبح الطبخ جهادًا بالنسبة لي؛ فأطهو وأنا أرتدي الكمامة كي لا تثير الروائح كبدي. أما الروائح .. فشأنها عظيم! رائحة طعام تأتي من بعيد فيرتعد لها كبدك قشعريرة واشمئزازًا.. كأن الروائح وباءٌ تهرب منه ! لا أبالغ إن قلت أني أريد المكوث عند أهلي أقصى ما أستطيع لهذا السبب! حسنًا: ولماذا لا أطلب الطعام من المطاعم؟! أما الطعام فشأنه أعظم! نزل وزني كيلوغرامات.. لا أشتهي أي شيء، وأتخوف من الأطعمة أن تضرني.. أصبح القيء أمرًا معتادًا؛ وأحيانًا أشعر بعده براحة، وأحيانًا أشعر بعده بتعب وحرقة تشعل جوفي، فأصبحت أتخوف من الزيارات لهذا السبب..

أما الكآبة والخمول وتدنّي الهمّة فعنوان تلك المرحلة! كانت يدي ترتخي نحو القاع بسهولة ويسر لتلتقط السفاسف ومضيّعات الأوقات فلا أُبالي! ثم يصحو ضميري فجأة فأتقطّع على وقتي الضائع حسرات، فأحاول النهوض فيتهاوى جسمي وتتلاشى أنفاسي وأعود إلى ما كنتُ فيه.. أنشطُ وأجَدّ ما كان فيّ ضميري الذي كانت تذهب صرخاته عليّ أدراج الرياح! لذلك أرى أن أجدى ما تفعله المرأة هنا أن تستسلم ولا تقاوم، وإن أحسّت من نفسها بوادر نشاط فلتقتنصها ما استطاعت، ولا بأس أن يغلب خمولها نشاطها.. الله سمّاها "وهنًا" وكفى بها عذرًا وحجّة!


وتمرّ الأيام.. وتعلّمك رسائل الضعف والقوة، والخمول والنشاط.. وتحمد الله أن ضعفك هذا بما فيه من تبريح لا يعدو الصحة والعادة، وأنه أمر طبيعي لا يدخل في مسمى المرض.. وأنه مرور وعبور لا مكوث وتطاول.. فتستشعر آلام المرضى الذين يعانون كما تعاني أو أشد، لكنهم مرضى وأنت طبيعيٌ صحيح مهما تألمت.. أذكر في تلك الفترة أخبرتني أمي عن أحد القريبات -رحمها الله- التي أصيبت بالسرطان وكيف انتشر السرطان في جسدها وعن معاناتها في تجرّع الكيماوي وآلامه وأنها كانت تتقيأ أي شيء باستمرار، فحمدتُ الله على ألمي الصغير الذي يعقبه فرحة مرجوّة -بإذن الله- مقابل آلامها التي الله وحده أعلم بمنتهاها وعاقبتها .. غفر الله لها والحمدلله على كل حال..

مرّت الشهور الثلاث الأولى (مرحلة الوَهن كما أسمّيها) على خير وأجر -بإذن الله-.. وشيئًا فشيئًا بدأ النور يبدد ظلام الونى والوهن، بدأت الأحاسيس الحلوة والملتمعة تتقاطر في القلب وتبلّ عروق الروح.. وكأنه السلام الوديع الذي يعقب هرج الحرب ومرجها فتتفجّر معه الآمال وتنطلق الأحلام وتتعلّق فيه القلوب بمستقبل يملؤه زينة الحياة الدنيا وأمل الأيام.. شيئًا فشيئًا تعودين كما أنتِ ببطنٍ صغير يكاد لا يُرى تطوف خواطرك حوله، شيئًا فشيئًا تحاولين استدراك ما فات؛ فنفسُك وطفلك الذي بين أحشائك يتسابقان فيك كفرسي رهان، فتحاولين إعطاء كل منهما ما يليق به من الاهتمام والتقدير.. فسبحان الله كيف ينتهي الألم ويحل مكانه السرور! وهذا من رحمة الله أن جعل الأم تنتقل في حملها بين ثقلٍ وخفّة فتستشعر به صورة حياتها المقبلة : التعب والفرح، الصبر والراحة، القلق والأمل! فالحمدلله دائمًا وأبدًا.. الحمدلله من قبل ومن بعد.. الحمدلله الكريم المتفضّل ذي اللطف والجلال والعظمة والكمال .

مرسلة بواسطة نورة.. في 1:24 م هناك 3 تعليقات:
إرسال بالبريد الإلكترونيكتابة مدونة حول هذه المشاركة‏المشاركة على X‏المشاركة في Facebook‏المشاركة على Pinterest

السبت، 12 فبراير 2022

أدب بلا أدباء!


 

كنتُ أتصفح الانستقرام فشاهدتُ قصة فُلانة التي عُرفت بثقافة وقلمٍ جميل تابعتها لأجلهما؛ فإذا هي غير التي عرفتها منذ سنوات وقد تغيّرت اهتماماتها كثيرًا؛ أصبحت من المفتونين بالقهوة ومريدي المقاهي والمطاعم.. لا يكاد يمر يومان إلا وتراها في مقهى أو تستعرض إعلانًا لقهوة أو لباسٍ أو حذاء أو تحف أو هدايا، ليس هذا فقط بل أصبحت من زوّار الفعاليات المتنوعة التي لا نسب بينها وبين الثقافة والأدب لا من قريب ولا بعيد؛ والتي لو زار إحداها الطنطاوي أو المنفلوطي لَخرَج وقد تعكّرت روحه وفسدت نفسه ولبث أيامًا يحاول استعادة عافية أدبه وقلمه! مما جعلني أتساءل عن الفارق بين صاحبتنا ومشاهير السنابشات جوّالي الشوارع والأماكن المزدحمة سوى أنها تكتب أحيانًا من بقايا أدبها القديم نصوصًا اختلط فصيحها بعامّيّها قصدًا لا عَرَضًا! 

أسلوب حياة صاحبتنا هذا منتشر للأسف بين بعض الأدباء الشباب هذه الأيام ممن خطفتهم أمواج الصخب والترفيه، بل إني -ولا أزكّي نفسي- أجده في نفسي فترات غير قادرةٍ على استلال نفسي من قشّه! وأظن أن انتقالي للسكن في الرياض بعد الزواج سببًا في هذا؛ انبهارًا بأضواء هذه المدينة الصاخبة وتطبيعًا منها لي! مما جعلني أخاطب واعظًا أدبيًا رسمته في خيالي يطوف على الأدباء يعلّمهم ويزكّيهم، فقلت له أبثّه وأشكوه:

يا واعظ الأدب.. ومُعرِق النَسَب، وحكيم الخُطب ! شرٌّ قد اقترب، يريد أدب العرَب، فأدركنا كي لا نُصَبْ .. واقطع منّا رأسه والذَنَب!

يا واعظ الأدب: جِد لي أديبًا لم تقتلعه رياح اللهو والاستهلاك، لم يفسده المال ولم يسيّل لعابه الانفتاح، لم يهرعه إيقاع الحداثة المتسارع عن شعوره ولم يُصعّده الصخب عن أعماقه.. جِد لي أديبًا لم تدمن أذناه "البودكاست" والمسموعات ولم يفكّر أنها تغنيه عن كتاب، أديبًا يجد دفئه بين أحضان الكتب وتجذبه رائحة الورق .. جِد لي أديبًا لا ترهبه الوحدة ولا يوحشه الخلاء؛ بل يزعجه الضجيج  ويختنق من الامتلاء، أديبًا لا يفزع من وحشته إلى هاتفه أو إلى أفلامه ومسلسلاته، بل يهرع إلى قلمه أو كتابه؛ يرى في هدأة الأفكار منفذًا إلى فضاءات وآماد.. جِد لي أديبًا لم تشكّله أدبيّات وسائل التواصل ولم تنخر أسلوبه سوستُها، أديبًا يحيك حرفه بالفصيح الجزل ويصوّر معناه بالبليغ الفَصْل، أديبًا لم تقصّر يده مساحة التغريدات، بل لا تزال ممتدة للمطوّلات؛ تكتب المقال ذي الثلاث والأربع والخمس صفحات لا تسأم..
جِد لي أديبًا ليّنًا سهلًا يطوّعه الشعور ويثنيه المعنى وتحيّره الأفكار والأسرار ويصادق الطبيعةَ؛ جمّ الحياة والروح، أديبًا غير مدجّجٍ بمطامح "البزنس" والثروة الشخصية واللهث المالي والقوة والاستقلال.. جِد لي أديبًا لا تذهله عناوين العصر كـ"البحث عن الذات" و"تقدير الذات" و"البحث عن المعنى" و"الشغف" وغيرها ولم تداخل كتاباته سفاهاتها، أديبًا المبدأُ الراسخُ حكمتُه والدين هالَتُه والمعنى السَنيُّ وجهته..

يا واعظ الأدب؛ أنا لا أُعجِزُ الأدباء بالقديم ولا أسدّ عليهم منافذ الجديد؛ أنا لا أطالبهم بفكرة لازمة ولا صورة واحدة، أنا أريد أديبًا يحفظ للأدب سمته وحدوده، أديبًا إن قال الناس من الأديب؟ قيل: هو ذاك؛ فصدّقوا غير مكذّبين !

مرسلة بواسطة نورة.. في 1:22 م ليست هناك تعليقات:
إرسال بالبريد الإلكترونيكتابة مدونة حول هذه المشاركة‏المشاركة على X‏المشاركة في Facebook‏المشاركة على Pinterest
التسميات: أسلوب حياة, ثقافة, عن الكتابة

السبت، 11 سبتمبر 2021

ألبانيا .. أرض النسور


أحب أن تكون لدي رؤى سابقة عن المدن والبلدان التي أسافر إليها.. لا تعجبني كثيرًا فكرة المفاجآت أو ترك الأمور للصدف والاكتشاف هنا؛ لأني أؤمن أن للمدن روحًا قد لا تأتلف مع أرواحنا، فنحن في السفر لا نمرّ مرورًا كعابري سبيل، أو ننزل ضيوفًا نُقرى ونُضاف في ثلاثة أيام، نحن نمكث أكثر من ذلك؛ فتُطرح المؤنة والكلفة بيننا وبين المدن.. وندخل مزاراتها ونلج أسواقها وحاراتها بلا استئذان.. نستألفها وتستألفنا، ونعقد صداقة وصحبة منها، وربما وقعنا في حبها! 

هكذا خطرت لنا ألبانيا، وقصدناها ولم نقصدها، ونزلناها كما ينزل إليها الضائع في لجّة الصحراء يبحث عن نار وقرى ثم لاحت له هي؛ لم تكن ألبانيا ضمن الخيارات المطروحة للسفر، كانت هناك وجهات أخرى ولكن بسبب كورونا وأمور أخرى متعلّقة بالفيزا وإجراءات السفر اخترناها هي بصفتها دولة مسلمة رفَدَت التاريخ الإسلامي والعثماني خاصة بإسهامات وشخصيات لا زلنا نُروى بمائها إلى اليوم؛ كالإمام العلَم ناصر الدين الألباني -رحمه الله-، وآل أرناؤوط في الشام وإسهاماتهم في المجتمع، وهكذا انطلقنا إلى ألبانيا وبقايا التاريخ والقلاع والجسور العثمانية والمظاهر الإسلامية هي سائقُنا وهادينا، ولكن حين وصلنا صُدمنا باندثار الإسلام هناك! وقد تعمّدتُ هذه الكلمة :"اندثار"! فكأن الإسلام هناك كان عهدًا بائدًا انطوى عليها ألف عام، أو شيئًا من الأطلال وقصة من قصص البدو؛ فأنت إذا أردته ذهبت تتلمّسه في صحاريهم وتشدّ الرحال نحو مضاربهم ومراعيهم تسألهم عنه وتستبينه منهم! وهو -أي الإسلام- إذا أراد أن يكسر عزلته ويذهب إلى مدن الناس وحواضرهم نظروا إليه نظرة الغريب الطارئ ثم أطرقوا رؤوسهم ماضين في شؤونهم وحياتهم! نعم هكذا حال الإسلام في ألبانيا، والبلاد وإن كان غالبية سكانها من المسلمين إلا أن أكثرهم مسلمون بالاسم فقط غير ممارسين لشعائر دينهم؛ وأكثرهم -يا للأسف- منساقون لأوروبا مقلّدون للأوربيين في أساليب لباسهم وطعامهم وحياتهم، فتجد النساء يرتدين (الشورتات) والتنانير القصيرة جدًا التي لا تغطي إلا السوأتين، والرجال-وكذلك النساء- يملأ الوشم أجسادهم، هذا عدا انتشار الخمور والمسكرات في أكثر المطاعم تقريبا، وكذلك لحوم الخنازير، ولكن سيخفّ عجبك ويقل إنكارك حين تعلم القصة الكاملة لهذا التحول الكبير، فالبلاد رزحت تحت الشيوعية الظالمة بقيادة الطاغية أنور خوجة أربعين عامًا، وقد حارب هذا الطاغية الأديان ونكّل بأهلها إلى حدّ أنه أعلن أن ألبانيا دولة ملحدة لتصبح أول دولة في العالم تنص على أن دين الدولة هو الإلحاد! هنا خبر ما حدث لألبانيا في ظل أنور خوجة لمن أراد الاستزادة 

سقطت الشيوعية في ألبانيا في بداية التسعينيات، وبدأت البلاد منذ ذلك الحين تتحرر من قيودها وآثارها وتستكشف العالم الخارجي ببطء، وكان القطاع السياحي أهم حلقة وصل بين ألبانيا والعالم، وقد ركّزت الحكومة هناك على استثمار هذا القطاع عام ٢٠١٣م لما تتمتع به البلاد من طبيعة خلّابة وشواطئ ساحرة وبقايا تاريخية عريقة، فبدأت وفود السياح بالانهمار عليها خاصة من أوروبا بحكم القرب الجغرافي، حتى فاق عدد السياح عام ٢٠١٩ عددَ سكان البلاد أنفسهم؛ فبلغوا ٨ ملايين سائح.. وأرى أن التفات العرب لألبانيا في السنتين الأخيرتين بدأ يزداد، خاصة من الشعب المصري الشقيق كما رأيناهم هناك، وأنا وإن كنت لا أنوي العودة لألبانيا مرة أخرى لو أتيحت لي الفرصة إلا أني أشجع العرب والمسلمين على السياحة هناك لمن أراد ذلك، فحجاب المسلمات وصور السياح المسلمين هناك كفيل بإذن الله على تعزيز الإسلام في نفوس الألبان وتذكيرهم بماضيهم فيه، ورغم ذلك؛ فالشعب الألباني شعب ودود كريم، يشهد لذلك حسن تجاوبهم معنا.. فمثلًا كلمّا أضعنا طريقنا بالسيارة أو أردنا استشارتهم بشأن الأماكن التي ينصحوننا بالذهاب إليها؛ فقد يحرجك جمود ملامحهم أحيانًا ولكن إذا استوقفتهم وسألتهم فإن تلك الملامح ستسيل ودًا ورغبةً صادقة بالمساعدة رغم حاجز اللغة وأشياء أخرى، وتحس أن فيهم دفائن إسلامية تُريد أن تُستنطق؛ فإذا رأوا الحجاب أو عرفوا بأننا عرب مسلمون بادرونا بـ"السلام عليكم"، وأذكر أننا جلسنا نتحدث مع رجل ألباني في الخمسين من عمره فأخبرنا عن إحدى القلاع العجيبة عندهم فقلنا له:" ما شاء الله!" فتعجّب وقال أن هذه كلمة ألبانية يقولونها أحيانًا إذا رأوا ما يعجبهم، فأخبرناه بأنها كلمة إسلامية يقولها المسلمون جميعًا.. مثل هذه البقايا المسلمة المضيئة من ذلك العهد المشرق، ومثل هذه الشخصية الألبانية التي يتنازعها هويّتان وإن كانت إحداها مثل الرمق في الكأس قلّةً.. إلا أن هذه البقايا والنتف تثير في نفسك الحسرات، تعلّق قلبك فيها تعلّقه بالأمل الواهن.. لا يشعلك رجاءً ولا يخمدك يأسًا إلا أنه موجود؛ وكفى بوجوده معنًى وأمل.. أسأل الله الهداية لهم ولنا ولجميع المسلمين.. وينبغي أن أنوّه بأن مظاهر التفسّخ والانحلال قد يكون بعضها من السيّاح وبعضها من الألبان؛ لأن السياح الأوربيون هناك كثيرون جدًا لرخص البلاد، وأنا أتحدث عن هذه المظاهر في العاصمة والمدن الكبرى، أما القرى والأرياف فلم نمكث فيها، وأظن أن الحال فيها تختلف، إلا أنه بصورة عامة فإن عدد المحجبات الألبانيات التي رأيناهن قليل جدًا ويكاد يكون معدودًا بالأصابع؛ والله المستعان وهو أعلم..

تمتاز البلاد بتنوّع طبيعي خلّاب وساحر: جبال وسهول خضراء ما ترى فيها من فطور، وأنهار وبحيرات كثيرة دفّاقة، وبحر أزرق صافٍ كأنما هو السماء، غيومٌ كأنما هي القطن الملتف كثافة وامتلاء.. تلوّن بديعٌ رائق يجعلك تردد : 

يا أهل "ألبانيا" لله درّكم
ماء وظلّ وأنهارٌ وأشجارُ
ما جنّة الخلد إلا في دياركم
*ولو تخيّرتُ هذا كنتُ أختارُ

تنقّلنا بين طول البلاد وعرضها فزرنا ٥ مدن تقريبًا، وكل هذا التنقل كان بالسيارة لأنه لا يوجد مطار إلا في العاصمة تيرانا، ولا يوجد قطارات، وأطول مدة في تنقلنا كانت ٤ ساعات بين مدينة وأخرى، وأقلّها كان ساعة أو ساعتين؛ وهذه أكبر سلبيّة في هذه الرحلة الأمر الذي جعلها رحلة مرهقة وغير مستقرة بعض الشيء، فلو عاد بي الزمن واستقبلت من أمري ما استدبرت لاقتصرت على مدينتين أو ثلاث كحدّ أقصى مختارةً لذة التأني على ظفر اللحاق والسباق.. فلن تفوتَني جنة عدن ولو فوّتُ ما فوّت. ومن أبرز ما تلاحظه في ألبانيا هذه الفترة هو أن كورونا بدا وكأنها لم تحط في هذا البلد! فالغالبية العظمى من الناس لا يرتدون الكمامات، ولا يوجد جهاز كشف الحرارة في المحلات والمطاعم، ولا حتى في المطار! لأن الإصابات هناك قليلة جدًا، لقلة عدد السكان أصلًا ولاعتبارات أخرى ربما.. المهم أننا عدنا إلى وطننا سالمين غانمين لم يلحقنا مكروه ولله الحمد.
أرضٌ طيبة وشعب ودود هيّن رغم كل التناقضات والتباينات، ورحلة جميلة ماتعة رغم كل شيء.. والحمدلله على وطنٍ نقرّ فيه وبيتٍ نسكن إليه وأهلٍ ورحم نألفهم











 


مرسلة بواسطة نورة.. في 5:47 م ليست هناك تعليقات:
إرسال بالبريد الإلكترونيكتابة مدونة حول هذه المشاركة‏المشاركة على X‏المشاركة في Facebook‏المشاركة على Pinterest
رسائل أحدث رسائل أقدم الصفحة الرئيسية
الاشتراك في: الرسائل (Atom)

عنّي:

مهتمة بالأدب، التاريخ، السياسة، الفن، الفِكر.

هنا أيضأ تجدني:

  • تويتر:

المشاركات الشائعة

  • أن تهجر برامج التواصل ولا تهجرها
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته   طاب صباحكم ومساؤكم جميعًا   ستكون هذه التدوينة بإذن الله عبارة عن تجربة ذاتية ف...
  • انبجاس..
      هل يفرّق الرأي بين ما أودع الله في ذكرٍ وأنثى من نوازع الطبيعة وغرائز الفطرة ؟ هل يقطع دواعي الحب وأسباب المودة؟ هل يقطع .. فيحجب ...
  • عام ونصف بين رياض السُنّة
      بحمدالله وكرمه تخرجت من معهد النجاح لتعليم الوحيين والذي يُعنى بالسُنّة وعلومها بعد عامٍ ونصف من رحلة هي من أمتع الرحلات وأجمل ما مرّ بي ف...
  • تجربة الدراسة مع الحمل والأمومة
      "من أخذ بالسُّنة بعد القرآن فقد أبصر بكلتا عينيه"   *الشيخ يحيى اليحيى ما أصدق هذا القول! رضي الله عن قائله وأرضاه!  أتساءل بعد ...
  • على عتبة الميلاد
    (1) أكملت قبل أيام عامي الـ ٣٢ حسب التقويم الهجري؛ أصدقكم القول أنه التبس عليّ هل أكملت عامي الواحد والثلاثين أم عامي الثاني والثلاثين؟ قد ت...
  • تأملات شافعيّـة
        في البرنامج الرائع # مساق ؛ وفي باب العبقريات الذي استمتعت به أكثر من استمتاعي بالباب الذي قبله؛ كانت هناك مح...
  • الدنيا ليست لأحد..
    يقول تعالى في سورة الإسراء :   مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَ...
  • على بوابة الثلاثين..
    كمن يتحاشى أن ينظر في المرآة إلى عيبٍ في منظره معلًّلا نفسه بأنه غير ظاهر، أو ليس بالشيء الناشز ؛ أتحاشى أنا عمري الثلاثين الذي بلغته منذ ...
  • حين أصبحتُ فارسة!
    في أيام الحجر المنزلي هذه والقيد المكاني بين جدرانٍ أربعة؛ تسرح ذاكرة المرء مذكّرةً إياه بلحظاتٍ سعيدة كان فيها حرّةً قدماه مفكوكًا إساره...
  • نعمة التكيّف
    أكثر ما يخشى فقده الإنسان هو الإلف.. إلفُ الأشياء.. الأوقات.. الأمكنة..الأشخاص؛ الإلف هو جوهر الفقد وسبُبه! وبالنسبة لامرأةٍ منضبطة توّاقةٍ ...

بحث:

تدوينة مميزة

أن تهجر برامج التواصل ولا تهجرها

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته   طاب صباحكم ومساؤكم جميعًا   ستكون هذه التدوينة بإذن الله عبارة عن تجربة ذاتية ف...

الأقسام:

  • أسلوب حياة
  • ثقافة
  • حديث نفس أم
  • خواطر
  • عن الكتابة
  • قبسٌ من النور..
  • قراءة وكتب

الأرشيف:

  • ▼  2026 (1)
    • ▼  يناير (1)
      • عام ونصف بين رياض السُنّة
  • ◄  2025 (4)
    • ◄  نوفمبر (1)
    • ◄  يونيو (1)
    • ◄  فبراير (1)
    • ◄  يناير (1)
  • ◄  2024 (3)
    • ◄  نوفمبر (1)
    • ◄  يونيو (1)
    • ◄  يناير (1)
  • ◄  2023 (2)
    • ◄  أغسطس (1)
    • ◄  فبراير (1)
  • ◄  2022 (5)
    • ◄  ديسمبر (1)
    • ◄  أكتوبر (1)
    • ◄  أبريل (1)
    • ◄  مارس (1)
    • ◄  فبراير (1)
  • ◄  2021 (6)
    • ◄  سبتمبر (1)
    • ◄  يوليو (1)
    • ◄  أبريل (1)
    • ◄  مارس (2)
    • ◄  يناير (1)
  • ◄  2020 (8)
    • ◄  نوفمبر (1)
    • ◄  أكتوبر (1)
    • ◄  أغسطس (1)
    • ◄  مايو (1)
    • ◄  أبريل (1)
    • ◄  مارس (1)
    • ◄  فبراير (1)
    • ◄  يناير (1)
  • ◄  2019 (4)
    • ◄  سبتمبر (1)
    • ◄  أغسطس (1)
    • ◄  أبريل (1)
    • ◄  مارس (1)
  • ◄  2018 (8)
    • ◄  ديسمبر (1)
    • ◄  سبتمبر (1)
    • ◄  أغسطس (1)
    • ◄  يوليو (2)
    • ◄  مايو (1)
    • ◄  فبراير (1)
    • ◄  يناير (1)
  • ◄  2017 (17)
    • ◄  ديسمبر (1)
    • ◄  نوفمبر (1)
    • ◄  أكتوبر (1)
    • ◄  أغسطس (1)
    • ◄  يوليو (1)
    • ◄  يونيو (1)
    • ◄  مايو (1)
    • ◄  أبريل (1)
    • ◄  مارس (2)
    • ◄  فبراير (2)
    • ◄  يناير (5)
المظهر: Simple. صور المظاهر بواسطة gaffera. يتم التشغيل بواسطة Blogger.