الثلاثاء، 24 مارس 2020

"خذني لأندلـسِ الغيـاب"

أنعم الله عليّ هذا العام بزيارة دولة كم حلمت بزيارتها: أسبانيـا/الأندلـس.. جنة المسلمين المفقودة، وللنفس فيما تشتاقه من أماكن عجائب وغرائب؛ حتى أنها تنفق الأموال الغالية، وتقطع القفار الشاسعة والبلاد العديدة، وتضني جسمها وتقض راحتها لأجل رؤية طلولٍ خربة، وعروشٍ خاوية ! ولو قيسَ فعلها بمقياس العقل والمنطق لعُدّ حماقةً وجنونًا، ولكنها النفس وما تهوى، والقلب وما يريد! ذهبتُ إلى الأندلس وزرتُ أبرز المدن والمعالم الإسلامية هناك: إشبيلية، قرطبة، غرناطة، وحين أسميها "الأندلس" وأقول أني زرت هذه المدن فأنا لا أقفز على الواقع وأعاند الحاضر، فـ"أندلوسيا" هو إقليم من أكبر أقاليم أسبانيا حاليًا، ويضم أهم المدن الأندلسية القديمة، منها هذه المدن الثلاث.. المهم أني ذهبت هناك وعانقت التاريخ عناق الصبّ المشتاق، وأنا هنا لست بصدد سرد هذه الرحلة وتفاصيلها، ولا الحنين الغارق والانتحاب الطويل أمام الأطلال، فقد أفاض السابقون واللاحقون في هذين النوعين الأدبيَين وعبّروا عنهما بشتى ألوان التعابير، مما صار تعبير الواحد منا عندهم تكرارًا، أو حشوًا، أو استرسالًا باردًا؛ وإن كان لكل إنسانٍ تجربته الأدبية الخاصة، ولكنني بعيدًا عن هذا أحببتُ هنا أن أنشر تفاريق خواطر لا علاقة لها بقصّ الرحلة ولا سيرها ولا أطباعها العامة، وإنما هي مشاعر وأفكار منثورة لا تصلح لنظم.

(1)



أول المدن التي زرناها إشبيلية، وهي عاصمة إقليم "أندلوسيا"، وكنتُ قد أصبتُ قبل زيارتي لها بإنفلونزا تعالت ذروتها حين وصلنا إليها، فقضيتُ أغلب وقتي طريحةً في الفراش، وما استمتعت جيدًا بالمدينة، إلا أنها كانت مدينة جميلة يُعلّلك هدوؤها وجوّها الرائق ويخمد حرارة جبينك وجسدك، كأني بها يتهادى في أثيرها أنغام شعر المعتمد ابن عباد وغزله لزوجته اعتماد الرميكية.. فيزيد هواءها نقاءً وزهرها طيبًا وأهلها وقصورها سكينة! 

(2)

ثم ذهبنا من إشبيلية إلى غرناطة بالقطار، واستغرقت رحلتنا قرابة الخمس ساعات أو أكثر.. كانت طبيعة الطريق والسهول التي تحوطنا والأشجار التي تملأ نواظرنا تذكرني بشدة بسهول فلسطين وفيافيها التي شاهدتها من خلال الصور؛ فوجدتني بلا وعي أردد أغانٍ شعبية فلسطينية: عتابا، ميجانا.. وأتخيل أمامي فلاحين فلسطينيين يمشون حاملي فؤوسهم على أكتافهم وقد تعمّموا بالكوفيّات على رؤوسهم.. تتعبهم فلاحة الأرض لكن تُحفّزهم، يُضجرهم الفقرُ لكن يرضيهم؛ كأنهم بدأَبهم هذا في جهادٍ صامت وكفاحٍ حثيث أمام الدهر ليخبروه أنهم باقون في أرضهم ملتصقين بها في سرّائها وضرّائها، في عطائها وإمساكها، في غنيمتها وغُرمها! 
ولا أدري ما تفسير هذا الانتقال السريع في ذاكرتي نحو فلسطين وهذه الصور التي تقاطرت أمام عيني منها! أهو التشابه الطبيعي الجغرافي؟ أم تشابه القصة بشخوصها وأحداثها؟ غير أن جرح الأندلس قد اندمل وطُوي في الزمان وجرح فلسطين ما زال دمه يسيل أمامنا يأبى التجمد والوقوف! أم أن جرح الأندلس لم يندمل وعاد أخرى مُبدلًا مكانه وسال في فلسطين؟ فروحُ المأساة واحدة، وكأن روح فلسطين حلّت هنا، وروح الأندلس قد حلّت هناك!:
إنما أنت أنا لكنّمــا 
وُضعت أرواحنا في جسدَين! 




وصلنا غرناطة، وفي اليوم التالي زرنا درّتها المتوهجة؛ قصر الحمراء، الذي بناه بنو الأحمر آخر ملوك غرناطة والعهد الإسلامي في الأندلس، وإليهم نُسبت، ويقصده الآن كثيرون من بلدان وأديان مختلفة ليروا هذه العجيبة الإسلامية المذهلة.. تراهم يتجولون فيه مسمّرين أعينهم منبهرين من روعة النقوش والنوافذ والتماثيل والأقواس والقباب، ومن روعة الحدائق والأشجار والسواقي والنوافير؛ يحادث بعضهم بعضًا وهم يتأملون الزخارف والنقوش، ولا أدري هل ينظر بعضهم إليها كلوحة فنيّة مجردة عن الفنان لا تُنسب إلا إلى عالم الفن والإنسان؟ أم ينظرون إليها آخذين باعتبارهم من أبدعها والخلفية الإسلامية التي جاءت منها، متأملين دلالاتها ومعطياتها الدينية والتاريخية؟ أم ينظرون إليها وقد أجبرهم علو قيمتها وانتشار صيتها واحتفاء الفنّ بها على التظاهر بالانبهار والذهول بها جريانًا على سلوك الغربيين الذين يُقدّرون الفن والآثار الفنية الثمينة كيفما كانت، ولو كانت لوحة فيها أضغاث خطوط من ألوانٍ متنافرة؛ لا يُعرف معناها ولا قصد راسمها.. سوى أنه فنان عظيم! 
ثم كيف ينظر هؤلاء إليّ أنا المرأة المسلمة المتجلببة أمامهم؟! هل ينظرون فيّ إلى ذلك القديم الذي خرج من كهف الزمان ونبت من شقوق الأرض وطلُع من جُبٍ سحيق ! هل يرَوْن شبح الماضي يسير في ظلّي ونظرة الثأر تبرق من عيني ومشاعر اللوعة والحنين تطوف حولي كلما نظرت إلى النقوش والجدران التي تركها آبائي؟ هل إذا أفسحوا لي الطريق وابتعدوا عن خطواتي يتحاشون ذلك الجريح الذي أقسم على الانتقام.. فكأنهم بتحاشيهم هذا يعتذرون ويفسحون لمشاعري المقهورة أن تتحرّر، ولسان حالهم يقول: "دعوها، فلا تزال حزينة!"، أم أنهم ينظرون إلي كعدوٍ لا يُبالى بحياته أو موته.. بعزه أو ذلّه، فقد حُسم كل شيء؛ فالأرض أرضهم والزمان زمانهم؟!
أم أنهم لا يهمهم أصلًا من أنت ولا من تكون.. أنت واحد من هؤلاء  الناس.. يُمحى اسمك ويُنسى لونك وملامحك، ويُشطب على كل شيء إلا أن تُشبههم فيما يفكرون أو يقولون.. أدلجَ الدهرُ فطُوي زمانُك، وتصالح المدُ والجزر فسكنت شطآنُك، وعفى التاريخُ فانطفأ بركانُك ! تهاوت الجُدر فتلاقت الأزمنة، وبتّ في زمن العولمة والحضارة والفكر الواحد، والإنسانية المُدّعاة والسلام المنافق والخبث المضمر ! .. أنا لا أنكأ جرحًا قد التأم، ولا أمسك ماضيًا قد عبَر، أنا فقط أحنّ إلى أطلال قومي، وأتردد على متحف التاريخ أُعرّف كل قطعة وزخرفةٍ بأهلها، وأقلّب صفحات الماضي أتذاكر وإياها الحكاية.. والذين يرون القديم مجرد فنٍّ أو أثرٍ أو حكاية ويقفون أمامه على منطقة محايدة يربّون فيهم -بلا شعور - لا مبالاةٍ تورِث التبعية والخَوَر؛ وكأنهم يعترفون بلا وعي أن الأمجاد ودعاوى الهوية والاستقلال الفكري ما هي إلا ضلال قديم يمسخها التاريخ فلا يبقَ منها إلا تحفًا وصور، فلا يضحكُ عليهم ولا يستفيد منهم إلا الدول العظمى ومنطق القوة والسيطرة الذي هو نفسه قد نصب لهم ذلك المتحف وجلب لهم تلك القطع! من ينسَ ماضيه أو يتناساه لا يبقى له من الحاضر إلا خيوطٍ متهتكة من لباس سُحل وتقطع.. وهل لَعمري يستره أو يدفئه ؟! 

(3)



قرطبة كانت محطتنا الأخيرة، وكانت كذلك مدينة ساكنة تضارع إشبيلية في الهدوء؛ كأنهما ما خاضتا يومًا حربًا طالت الإنسان والدين والتاريخ! ولا أدري سر هدوئهما بالنسبة لصخب غرناطة رغم أنهن جميعًا تشتركن في الماضي ذاته.. لعل تقدمهما عن غرناطة في السقوط بيد الإسبان أنهكَ قواهما عن مقاومة الحاضر الجديد فسكنت أجواؤهما سكون اليأس، أما غرناطة فما زالت تحاول، وما زال صخب المحاولة ينبعث في غيرِ مكان فيها!


(4)


لعلّ أرواحنا قد تندّت من قطرات المسارب في مغاور التاريخ واشتاقت إلى نسماتٍ تهوّي الألم، ونورٍ كاشف يجلّي عن نفسه بلا اختلافات أو تناقضات أو تساؤلات.. وهكذا خلّفنا إقليم أندلوسيا وراءَنا متوجّهين إلى تاريخ مختلف وعالم آخر، إلى إقليم كتالونيا وتحديدًا عاصمته برشلونة، كانت برشلونة مدينة منطلقة حرة يموج فيها الناس يمنة ويسرة، تسير بهم ويسيرون بها في طريق واحد يؤدي إلى مصير واحد، وتحاكي فيهم ويحاكون فيها شكلها الواحد؛ فالماضي واحد والحاضر واحد والهوية واحدة، اطمئنان والتئام لا انقسام يُفرّقه ولا صراعات تُشوّشه.. ربما لأجل ذلك شعرتُ فيها بالوئام رغم غياب الآثار والمعالم الإسلامية وطُغيان الحداثة وكثرة المظاهر المسيحية! فنحن أحيانًا نكره في المدن أن تكون ذات وجهين كما نكره في البشر ! 
أما المدن الأندلسية فتبدو كمدن معتَقَلةٍ مستوفِزة؛ لا هي تقدر على الوثوب، ولا هي ترضى بالقعود! يتنازعها ماضٍ لا تزال أنفاسه المحتضرة تنبعث تحت الأحجار وبين الجدران والحصون وفوق المآذن والقناطر والجسور، وحاضرٌ نزقٌ عنيد يراوغ الزمان فيهرب، فيصطدم بجدران المكان، وكلما اصطدم يُنفض غبارٌ كثيف.. ويتردد صدًى بعيد.. وتتراءى له صور قديمة تثبت نسب الأبناء إلى الأجداد والمكان إلى التاريخ وترفض التنازل عن ثأر وحقٍ وأرض!

(5)

هذه الرحلة الشجيّة المليئة بالوجد والألم، بالدهشة والنغم.. الغائرة في أعماق الماضي وأسراره؛ جعلتني أتفكر في معنى التاريخ، وأنه وبكل وضوح ماضٍ وحاضرٌ ومستقبل.. وليس ماضٍ فقط، وأنك مهما تمردت لن تستطيع محوه؛ كالكرة تضربها بقوة بباطن يدك نحو الأسفل فترتد إلى يدك مرة أخرى بفعل الجاذبية الأرضية! لا تنعتق الأمم منه إلا لتعود إليه، ولا تُنكره إلا وتتلبّسها آثاره لتفضحها؛ وهل محاولة أمةٍ طمس جرائمها والاعتذار عن أفعالها والتعبير عن حسن نواياها لأمة عدوة لها سابقًا إلا تقليبٌ للتاريخ واستحضار آخر للماضي على مسرح الحاضر؟!

الأربعاء، 26 فبراير 2020

كتاب (المشوق إلى القراءة وطلب العلم - علي العمران) .. نظرات نقدية

كتاب غزيرُ العلم عظيم النفع والفائدة، حريّ بمن قرأه أن يكون بعده خيرًا مما قبله؛ بأخذ الكتاب بقوة، واستنهاز الدقائق والثواني، والقبض على الفائدة واللفتة وإيداعها الورق وضمّها في الذاكرة، وغير ذلك من المنافع.. جزى الله مؤلفه خير الجزاء على عمله ومجهوده.
لكن لا أدري.. أراني اليوم وفي نفسي حرج من دعوات التشديد في القراءة واعتسافها الزائد عن الحد! نعم لا ينكر عاقل أهمية القراءة وأنها قِوام الإنسانية والمجتمعات؛ لكن أن تُصوّر الكتب كحصنٍ قوي الحجارة سامق الجدران مُتعدد الأسوار مرتكزٍ على قمة جبل لا يحفظ الإنسان ويحميه إلا بقدر ما يُبعده ويعزله فهذا مما يخرج القراءة عن معناها ومقصودها الحقيقي والجوهري الذي يراد به التأثر والتفاعل مع الكون وما يحويه من حقائق وأسرار، وتأثير ذلك على الإنسان وعلى ما حوله، ومشاركته ذلك الأثر.. لا الانكماش والتقوقع؛ إن لم يفصح الكتاب عن هذا، فهذا على الأقل ما يشي به، إلا قليلًا منه! فمعلوم أن العلم في الإسلام لا نفع به إن لم يصحبه العمل، حتى عائشة -رضي الله عنها - حين وصفت خُلق النبي -صلى الله عليه وسلم - وقالت: "كان خلقه القرآن" فإنها وصفته بشيء علمي أو نظري رَكِبه العمل والتطبيق، إذ لا فائدة من علمك بالقرآن إن لم تعمل بما فيه، فوددتُ أن لو فصّل الشيخ علي العمران عن عمل هؤلاء العلماء بعلمهم وتقواهم وخشيتهم لله عز وجل، وعن أحوالهم في أهليهم ومع طلابهم وأصحابهم وخُلقهم وتعاملهم معهم، فكلنا يعرف مقولة أمّ الإمام مالك له حين كانت ترسله صغيرًا إلى شيخه فتقول: "اذهب إلى ربيعة فتعلّم من أدبه قبل علمه"، فالحديث مثلًا عن أمثال الحافظ البلقاسي -رحمه الله- الذي كان لا يُرى إلا مشتغلًا بالعلم أو التعليم ليله ونهاره حتى أنه كان يقرئ الطلاب وهو يأكل استغلالًا للدقائق والثواني، أو عن ابن عقيل الحنبلي الذي كان يأكل سفّ الكعك مع الماء بدلًا من الخبز لكي يكون أسرع في المضغ والبلع استنهازًا لوقته في العلم؛ لم لا يقابله مثلًا الحديث عن ثنايا يوم ابن تيمية وتنويعه في وقته وحياته ما بين عبادة واستغراق وتأمل في الكون وتصدق على الفقراء وجهادٍ للطغاة بالكلام وجهاد للعدو بالحُسام.. وغير ذلك! أنا لا أتهم البلقاسي ولا ابن عقيل ولا غيرهما في اقتصار يومهم دِقّه وجلّه على العلم المجرد فقط.. معاذ الله، فمثلهم لا يُتهم في دينه، فلا ريب أنهم يعملون بالعلم، أو أنهم ابتغوا بهذا العلم الذي صرفوا عليه ليلهم ونهارهم ونومهم وراحتهم وطعامهم وشرابهم أن يكون من أرجى أعمالهم التي تدخلهم الجنة بعد رحمة الله.. أحسبهم والله حسيبهم، ولكني أنقد الاحتفاء بفعلهم وذكره على سبيل التعظيم وكأنه مقياس العلم وحده، ومثل هذا المقياس ينطبق على سائر ما ورد في الكتاب من أمثلة؛ مما هو خارج عن قدرة الشخص العادي ومما يتفاوت فيه الناس! فحتى ابن الجهم الذي ذكره المؤلف بأنه كان يطرد النوم بالقراءة والنظر في الكتب واحتفى بصنيعه؛ ذكر في موضع آخر أن الحسن اللؤلؤي يقول عن نفسه أنه كان لا ينام إلا والكتاب على صدره، أي أن النوم كان يدهمه أثناء القراءة! هذا غير أن بعضهم ممن ذُكروا في الكتاب كان يتفاخر بأنه لا ينام الليل إمعانًا في المطالعة والعلم.. كيف ورسول الله- صلى الله عليه وسلم - كان ينهى عن ذلك أولئك النفر الذي افتخر أحدهم بتركه النوم للصلاة والعبادة وقال له:"وأصلي وأنام"؟! وهذا في أمر الصلاة التي هي من أجلّ الطاعات، فكذلك طلب العلم وغيره!، ثم يذكر المؤلف أن تقي الدين ابن دقيق العيد حين وصل إليه كتاب (الشرح الكبير) اشتغل بمطالعته حتى اقتصر على الفرائض من الصلوات وترك النوافل، وصحيحٌ أن تقديم العلم على الرواتب يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، لكن كان من الأجدر أن ينبّه المؤلف على هذه المسألة والتفصيل فيها؛ لكي لا يتخذها البعض مساغًا فيترك النافلة متى شاء بحجة طلب العلم!
ثم إن ذكر خبر ثعلب النحوي أو خبر محمد بن أحمد البغدادي اللذان كان لا يمشيان إلا وفي يديهما كتابٍ ينظران فيه حتى أن ثعلب صدمته فرس وهو يقرأ فألقته في هوة، فمات في اليوم الثاني بسببها، والبغدادي ربما سقط في جرف أو خبطته دابّة بسبب القراءة؛ لم لا يقابله التنبيه على فعليهما وضرره : ﴿أَفَمَن يَمشي مُكِبًّا عَلى وَجهِهِ أَهدى أَمَّن يَمشي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُستَقيمٍ﴾، ﴿ وَلا تُلقوا بِأَيديكُم إِلَى التَّهلُكَةِ﴾ ؟!

إن ذكر نماذج تكاد تكون غير واقعية (إمكانًا لا حدوثًا) ثم الاقتصار والتركيز عليها لا يزيد الأمر إلا إغرابًا أو إنكارًا أو تعجيزًا، وفي كل الحالات لا يزيده إلا بعدًا! فالنفس التي تروم بلوغ قمة الجبل بوثبة واحدة وهي في أخمص السفح لن تستطيع، ربما ستحاول المرة بعد المرة، حتى إذا استبانت العجز كرهت القمة وصورتها وفكرتها، أو قنعت منها بالنظر من بعيد بإعجاب وتسبيح وتمجيد لخالقها الذي رفعها وأعلاها فوق كل البشر ! هذه هي النفس الإنسانية بصورتها الطبيعية البسيطة، ولكل قاعدة شواذ بعد ذلك! 
كم وددتُ حقًا لو فصّل الشيخ علي العمران بعد ذكر هذه النماذج في شأن الأولويات في حياة المرء وأن هناك أمور تقدّم على أخرى سواءً بالمُطلق أو في زمانٍ ومكان معينَين، كم وددت لو فصّل كذلك في شأن قدرات الناس وتفاوتها حتى في طلب العلم والصبر عليه، فمن تميّز في شيء تواضع في آخر، كمن يتميز في نسخ الكتب حتى يتكسر القلم في يده، ويتواضع في قراءتها والدأب على دراستها المِرار الكثيرة..وغير ذلك، بل حتى تفاوت القدرات واختلاف الأمزجة في الشخص الواحد من حين لآخر؛ فهذا الإمام ابن حجر العسقلاني وهو حافظ عصره، كان يظهر التأسف في تقييد ما يسمعه من الفوائد، وغيره كثير. ولا يعني تفاوت القدرات أنه ينبغي لطالب العلم ما لا ينبغي لغيره؛ سواء بلغ فيه درجة متقدمة أم لا، إذ أن العلم كما قلنا لا يؤخذ بمراغمة النفس وحملها الشديد على ما تكره، أو ما يصلح لغيرها ولا يصلح لها، أو ما هو سابقٌ لأوانه، فحتى العلّامة جمال الدين القاسمي الذي أورد المؤلف من كتابه "الفضل المبين" خبر قراءته للمطولات مثل صحيح مسلم، وسنن ابن ماجه، والموطأ، وتقريب التهذيب؛ يذكر في كتابه الآخر "قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث" أنه قرأ هذه المطولات إثر بعضها في شهور متجاورة تقريبا، ولكنه يحذر من ذلك ويقول :"فأجهدت نفسي وبصري، حتى رمِدتُ بإثر ذلك، شفاني الله بفضله، وأشفقتُ من العودِ إلى مثل ذلك، وتبين لي أن الخيرة في الاعتدال، نعم لا ينكر أن بعض النفوس لا تتأثر بمثل ذلك لقوة حواسها، وللإنسان بصيرة على نفسه، وهو أدرى بها".

إن العلم بحر عظيم واسع لا وجهة تؤديه ولا طريق يُقسّمه، فأبحر فيه أنى شئت عالمًا، أو عاملًا، أو عالمًا عاملًا، أو حافظًا، أو فاهمًا، أو متفكرا، أو متسائلا، أو ناسخًا، أو مؤلفًا ومصنفًا.. كن ما ينفعك وتُجز به عند الله ويقربك منه ولا يسخطه منك، وهذه ليست دعوةً للتهاون بالعلم والتلكؤ فيه، وإن أمةً كان أول دينها :"اقرأ" لحقيقٌ بها أن تصِل الأول بالآخر وتكون هذه الكلمة نبراس الزمان الذي لا ينطفئ مهما أظلمت الأيام؛  بل أن يكون المرء فيه وسطًا بين الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء، وأن يُحدّث الناس فيه بما يطيقون.. فما تطيقه طبقةٌ لا تقدر عليه غيرُها، وما يطيقه أهل قرنٍ لا يُطيقه غيرهم؛ كما قال الحافظ الذهبي معلّقًا على خبر قراءة الخطيب البغدادي لصحيح البخاري في ثلاثة مجالس: "وهذا شيء لا أعلم أحدًا في زماننا يستطيعه!".. هكذا ببساطة.. فلكل وقتٍ ولكل حالٍ ظروفٌ ورجال! وإني مما أنقد الشيخ علي العمران عليه في كتابه أنه يذمُّ الذين يقرؤون الكتب بالحاسب الآلي ويظهر لهم الكتاب بـ(كبسة زر) ويقول عنهم أنهم إن ظنوا أنهم سيلحقون العلماء وينضمّون إلى ركبهم بهذا الفعل السهل فقد خابوا وخسروا! .. سبحان الله! غفر الله لك شيخنا الفاضل! وهل يجب أن يتعنّى الناس في طلب العلم ويضربون له أكباد الإبل مسيرة الشهر أو الشهرين كما في السابق حتى يكونوا علماء عن حقٍ وصدق؟! لماذا يجب أن نقفوا خطى الأوائل حذو القذة بالقذة ونجعل ذلك مقياس العلم وحده؟! أوَليس من رحمة الله ولطفه بهذه الأمة أن يسّر لها أسباب الأخذ بالعلم كما لطف بها وبالبشرية غيرها حين يسّر لها هذه المخترعات والآلات والأجهزة التي سهّلت حياتها وحسّنتها؟ وليست القضية أن نلوم من يقرأ من حاسبٍ أو (آيباد) بل اللوم على من تتوفر له هذه التسهيلات ثم يتقاعس في الطلب ويشتري به ثمنًا قليلا!

مرةً  أخرى: حدّثوا الناس بما يعقلون، بما يقربهم..لا يُبعدهم، بما يُعينهم.. لا يُعجزهم، بما يُرغّبهم.. لا يُحرجهم، حدّثوهم عن قرائن العلم من تقوى وورع وآداب وسلوك، حدثوهم عن أحوال العلماء وأنهم ونحن ومن قبلنا الأنبياء والرسل بشرٌ نأكل الطعام ونمشي في الأسواق، ونعمل ونتزوج وننام، ونملّ ونضجر، وننشط وننبعث؛ وأذكر هنا أمرًا طريفًا أنني قرأت في أحد المواقع الإسلامية المعروفة سؤالًا أرسله أحدهم يسأل فيه إن كان السلف يعملون في مهنة أو حرفة أم كانوا فقط متفرغين للعلم؟ ويشكو فيه السائل أنه حين يقرأ في سير الصحابة وأنهم مع ورعهم وتقواهم كانت لديهم أعمال ومهن يزاولونها فإنه يشعر بالسعادة وحب العمل الصالح ونشاط الحياة وانبعاثها، بينما حين يقرأ في سير السلف فإنه يشعر بالحزن والفتور لما يصوّر له من أنهم فقط كانوا مشتغلين بالعلم والحفظ ومعزولين عن الحياة! فأجابه الشيخ بأن الأمر ليس كذلك، بل إن أكثر السلف كانوا يعملون بالتجارة والحدادة والزراعة وغيرها، بل بعضهم اشتهر بمهنته ونُسب إليها؛ كالآجرّي والبحراني والحداد وغيرهم.. وهكذا ينبغي أن يكون! العلم لا يعني نبذ الحياة، بل هو جزءٌ أصيل منها يخالُطها حتى العظم، متفاعلٌ معها تسير به ويسير بها، فمعلومٌ أن أوّل العلم وابتداءه كان سؤالًا ولّدته ملاحظة الأشياء من حولنا والتيقظ لدقائقها وأسرارها، ثم التأمل فيها واستقراؤها.

وختامًا: لا يشكك أحد في أهمية هذا الكتاب وجهد مؤلفه الفاضل وأثر مضمونه خاصة في شحذ الهمم والمسارعة للعلم وتوقيره وإجلاله، ولا يشكك أحد في أن "اقرأ" هي الأولى وهي الآخرة، ولكن أستطيع أن أقول أن نقدي ليس للكتاب والمؤلف بقدر ما هو نقدٌ للفكرة، إذ أنها رائجة ومنثورة في كثير من الكتب!  هذا وإن صوابي من الله، وخطأي من نفسي والشيطان.

الاثنين، 20 يناير 2020

حقيقة العقل!



قال ابن فارس صاحب كتاب (مقاييس اللغة) في أصل كلمة العقل عند العرب :"العقل هو الحبس عن ذميم القول والفعل"، ومعناه أن معظم ما يؤخذ من هذا الأصل(العين والقاف واللام) أو يشتق منه يرجع بصورة أو بأخرى إلى معنى المنع والإمساك والضبط والحفظ، وضده الإطلاق والإرسال والتسيب.
ولما كان أعز ما خلق في الإنسان هو ذلك الجزء المعنوي الذي يضبط أخلاق الإنسان وتصرفاته سموه (عقلا)؛ لأنه يمنع صاحبه ويحبسه عن سيء الفعل والقول؛ وهذا المعنى أشار إليه معظم أصحاب المعاجم اللغوية. ويفهم من حاصل معطياتهم أن الذي يسمى عقلا في الإنسان هو: ما يحبسه عن الشر فعلا وقولا، ولا يسمى عقلا ما حبس الإنسان عن فعل الخير؛ ولذلك قال بعضهم: العقل ضد الحمق ونقيض الجهل.
وقد يطلق العقل ويراد به الفهم والتدبر، أو يطلق على العلم مطلقا أو على العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها، أو العلم بخير الخيرين وشر الشرين كما ورد في القاموس المحيط.
وأما العاقل في اللغة، فلم يفصل العلماء فيما يطلق عليه، لوضوح المراد به، وأنه الشخص الذي يوجد عنده العقل بالمعنى الذي مضى معنا، ومع ذلك نجد ابن الأنباري يقول: "رجل عاقل: هو الجامع لأمره ورأيه، وينقل قولهم : العاقل : هو الذي يحبس نفسه عن هواها". والخلاصة أن العرب تطلق العاقل على من يتصف بالعقل؛ وأن العقل عندهم وصف مجرد أو معنى مجرد يحمل صاحبه على المكارم ويحجزه عن كل ما يشينه. (إسلام ويب)
نلحظ من التعريفات السابقة للعقل أنها تكاد تدور حول معنى واحد وهو : "النهي عن الشر أو الخطأ، والحض على الخير أو الصواب" وهو مشتق من المعنى اللغوي الذي يدور في مجمله على المنع والضبط والحفظ.. فإذا كان هذا المعنى اللغوي والاصطلاحي للعقل فمن أين ترسخ في أذهاننا أن العقل من مرادفات الذكاء وتوقد الذهن فقط، أو أنه النظر المادي الذي يزدري ما وراء المادة، أو ربطه بمفاهيم وصور معينة كالفلسفة والنظر المجرد والمنطق وعلم الكلام وغيرها من الارتباطات التي تتشكل في أذهاننا كلما ذكرت كلمة (العقل)؛ مما لم يترجمها لسان أو تصطلحها ثقافة أو يقرها شرع! فحتى ورودها في الشرع جاء بغير المعاني السائدة:
أولًا :من يتأمل القرآن يلحظ بوضوح ارتباط وظيفة العقل بالقلب بعكس ما هو مترسخ في الأذهان أن وظائف الإدراك تصدر من الدماغ الذي يوجد في الرأس، أو أن القلب والعواطف شيء، والعقل والتفكير شيء آخر ؛ فالمتأمل في الآيات يرى إبطال القرآن لهذا الاعتقاد: "فقد ورد في القرآن الفعل (عَقَل) بوصفه يدل على الفعل الإدراكي الذي يختص به القلب: ﴿أَفَلَم يَسيروا فِي الأَرضِ فَتَكونَ لَهُم قُلوبٌ يَعقِلونَ بِها﴾ ، كما أن القرآن استعمل فعل (فَقِه) وأسنده إلى القلب باعتباره مرادفًا لـ (عَقِل) : ﴿وَجَعَلنا عَلى قُلوبِهِم أَكِنَّةً أَن يَفقَهوهُ وَفي آذانِهِم وَقرًا ﴾، واستعمل لفظًا ثانيًا في نفس المعنى مسندًا هو الآخر إلى القلب وهو لفظ (العلم) كما في الآية :﴿رَضوا بِأَن يَكونوا مَعَ الخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلوبِهِم فَهُم لا يَعلَمونَ﴾، وبهذا يتبين أن اختصاص القلب بفعل العقل لا يختلف في شيء عن اختصاص العين بفعل النظر أو اختصاص الأذن بفعل السمع أو اختصاص اليد باللمس أو اختصاص اللسان بالذوق" (سؤال العمل- طه عبدالرحمن، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى ص71) وهناك قول مأثور لعلي ابن أبي طالب -رضي الله عنه - يقول "العقل في القلب"، وما حدث هذا الفصل بين القلب والعقل مع وضوح الآيات التي تسند العقل للقلب إلا بسبب تأثر الثقافة الإسلامية بالفلسفة اليونانية التي تكرّس العقل وتجعله جوهرًا مستقلًا بذاته. 
"وهناك أيضًا صفة أخرى للعقل أنه فعل يقترن بكل القوى الإدراكية الأخرى، فمثلًا؛ لا يكون السمع سمعًا حتى يعقل، ولا البصر بصرًا حتى يعقل بحيث تكون كل الإدراكات موصولة بالقلب، والشواهد على ذلك من القرآن الكريم كثيرة؛ فهناك الآيات التي تجمع بين ذكر القلب وذكر السمع والبصر كما في قوله تعالى : ﴿أُولئِكَ الَّذينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلوبِهِم وَسَمعِهِم وَأَبصارِهِم وَأُولئِكَ هُمُ الغافِلونَ﴾" (المصدر السابق ص72)
ثانيًا: أن دلالة العقل في القرآن تستلزم العمل؛ فبقدر ما يعمل الإنسان الخيرات بقدر ما يزيد عقلُه.. يقول تعالى: ﴿أَتَأمُرونَ النّاسَ بِالبِرِّ وَتَنسَونَ أَنفُسَكُم وَأَنتُم تَتلونَ الكِتابَ أَفَلا تَعقِلونَ﴾، وقال تعالى : ﴿وَقالوا لَو كُنّا نَسمَعُ أَو نَعقِلُ ما كُنّا في أَصحابِ السَّعيرِ﴾ أي أنهم لو كانوا يسمعون أو يعقلون السماع أو التعقل المورث للعمل ما كانوا في أصحاب السعير.
ونحن حين نتحدث عن تلازم العقل والعمل فلا نقصد بالعمل ما نأتيه بجوارحنا فقط، بل إن القصد عمل، والإرادة عمل، والاعتبار الذي يثمره التفكر عمل؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَيَتَفَكَّرونَ في خَلقِ السَّماواتِ وَالأَرضِ رَبَّنا ما خَلَقتَ هذا باطِلًا سُبحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتِلكَ الأَمثالُ نَضرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعقِلُها إِلَّا العالِمونَ﴾ فهذه العبرة عمل لأنها أحدثت حركة ووجلًا قي القلوب وخشية من ربها عز وجل، ثم أليس عندنا في الإسلام مصطلح اسمه (أعمال القلوب) ؟ أليس الإنسان قد يثاب بالنية الصادقة وحدها وإن لم يصاحبها عمل بالجوارح أو قول باللسان؟ "إنما الأعمال بالنيات" فعلّق العمل الظاهري كله على عمل قلبي وهو النية، ذلك أن النية قصد، والقصد وجهة، والوجهة لا بد لها من مسير؛ إن بالقلوب أو بالأبدان. بل حتى الحكمة التي هي أكمل درجات العقل وأخصها اقترنت بالعمل، وليس كما يخيل لنا من أن الحكيم هو شخصٌ بلغ من الكبر عتيا وأصبح يمضي باقي عمره في التأمل والتفكر المجرد! يعرّف الراغب الأصفهاني الحكمة بقوله أنها :"معرفة الموجودات وفعل الخيرات". 

وإذا كان العقل في القرآن مقترنًا بالعمل، والعمل لازم من لوازم الإيمان؛ فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية (أي بالعمل الظاهري أو القلبي) فكذلك زيادة الإيمان تعني زيادة العقل، وهذا ما نلحظه في القرآن؛ فقد ذمّ الله الذين لا يؤمنون بانعدام العقل وتوعّدهم بالرجس: ﴿وَما كانَ لِنَفسٍ أَن تُؤمِنَ إِلّا بِإِذنِ اللَّهِ وَيَجعَلُ الرِّجسَ عَلَى الَّذينَ لا يَعقِلونَ﴾، وعدم استجابتهم لأوامر الله هو أيضًا نتيجة ذلك: ﴿وَإِذا نادَيتُم إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذوها هُزُوًا وَلَعِبًا ذلِكَ بِأَنَّهُم قَومٌ لا يَعقِلونَ﴾، وجعله سببًا للاجتراء على مقام الألوهية والافتراء على الرب سبحانه: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذينَ كَفَروا يَفتَرونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَأَكثَرُهُم لا يَعقِلونَ﴾ وهو أيضًا سبب في نقص التأدب واللباقة مع مقام الرسول -صلى الله عليه وسلم - :"﴿إِنَّ الَّذينَ يُنادونَكَ مِن وَراءِ الحُجُراتِ أَكثَرُهُم لا يَعقِلونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. ولندرك أكثر هذا الارتباط والاطراد الوثيق بين العقل والإيمان، وأنه كلما كان المسلم أكثر تشربًا للوحي وعملًا به وتأثرا كلما ازداد نوره وكمل عقله وتمت بصيرته؛ لنرَ أولًا ما الذي تعنيه كلمة "الوحي" وعلاقتها بالقلب والعقل: 
"الوحي له معنيان أساسيان: أعمّ، وأخصّ، فالأعم : (ما يُلقى في القلب من العلم)، ولما كان العقل فعلًا نابعًا من القلب، وكان الوحي عبارة عن إلقاء في القلب؛ كان الوحي إمدادًا للعقل كذلك، بحيث يورّثه علم ما لم يعلم بنفسه، ويزيد مداركه ويوسّع آفاقه. أما الوحي في معناه الأخص فهو الاصطلاح الشرعي المقصود به: (كل كلام أنزله الحق سبحانه على نبي من أنبيائه)، ولقد تقرر بموجب القرآن نفسه أن هذا الكلام لا يمكن نزوله إلا في القلب، مصداقًا للآية الكريمة: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ ،عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ، فلما كان الوحي كلامًا نازلًا على القلب الذي هو محل العقل؛ وجب أن يكون كلامًا معقولًا، بل كلامًا هو في نهاية المعقولية، بحيث يرقى بفعل العقل إلى أعلى درجاته، من هنا كان النبي حتمًا أعقل الناس في قومه، وكانت دعوته لهم دعوة إلى كمال العقلانية، وكان إصلاحه لهم إصلاحًا لقلوبهم، لكي تصبح هذه القلوب قادرة على أن تعقل الأشياء على مقتضى الوحي، لذلك فإن الوحي بالمعنى الأخص إنما هو العقل الكامل الذي ينبغي أن يكون عليه فعل القلب، حتى يوافق الفطرة التي خلق عليها" (المصدر السابق بتصرف ص95-96).
وبهذا يتبين لنا هذا التكامل بين الوحي والقلب والعقل، وأن انعدام الوحي ظلمةٌ في القلب واضطراب في العقل، وبشكل دقيق تكمن أهمية الوحي في تفاعلات ووظائف عديدة، منها:
"١-أن الوحي يدعو إلى الحق، فهو بالتالي يهدي العقل إلى هذا الحق، فيتولى إخراجه من أخطائه وتقويم اعوجاجه وتصحيح مساره، لا سيما وأن الإنسان لو خُلي بينه وبين طبعه لا يصفو عقله، بل تخالطه النوازع والأهواء، كما أنه لا يطهر قلبه، بل تترسب فيه آثار الضلالات والجهالات.
٢- أن الوحي يأتي بالكمال، فيتعين أن تكون وظيفته أيضًا إيصال العقل إلى هذا الكمال، مُرتقيًا به في مدارك الإدراك؛ فلا يقف العقل عند المحسوسات ولا ما يستخلصه منها من مجرّدات، بل يتطلع إلى ما وراءها من معان روحية وحقائق غيبية، مدركًا أن هذا الكون لم يوجد عبثًا، وأن له موجدًا واحدًا، له حِكَمُه البالغة في إيجاده وإمداده. 
٣-أن الوحي يُعلِم بالغيب، فيتوجب أن تكون وظيفته كذلك إحاطة العقل ببعض المغيبات، بحيث يتولى توسيع آفاقه وتأسيس مدركاته، فلا يكتفي العقل بما يتوصل إليه بنفسه من حقائق نسبية أو وقائع عاجلة، بل يأخذ في البناء على ما لا يستطيع التوصل إليه من الحقائق الثابتة أو الوقائع الآجلة التي أخبر بها الوحي، مستنتجًا منها علومًا تدعو إلى الزيادة في تصحيح العمل والاجتهاد في التزود منه، حتى لا تنحصر المنافع في المشهود من الوجود بل تتعداه إلى المغيب منه". (المصدر السابق بتصرف ص98-99)
وفي القرآن نفسه فُسرت الحكمة التي هي أكمل درجات العقل بأنها القرآن إذا جاءت مفردة دون عطفها على الكتاب، كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَن يُؤتَ الحِكمَةَ فَقَد أوتِيَ خَيرًا كَثيرًا وَما يَذَّكَّرُ إِلّا أُولُو الأَلبابِ﴾ وقيل في تفسيرها:"هي تفسير القرآن وفهمه والفقه فيه ومعرفة محكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه"، وجاءت الحكمة بمعنى القرآن في حديث رسول الله الذي رواه ابن مسعود -رضي الله عنه- قال -رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :"لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا وسلّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" وفي رواية :"رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار" ومنه أيضًا حديث ابن عباس -رضي الله عنه- قال: "ضمني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى صدره وقال :" اللهم علمه الكتاب" وفي رواية: "اللهم علمه الحكمة". وفُسرت الحكمة كذلك بالسُنة لا سيما إذا كانت مقرونة بالكتاب، ومن ذلك قوله تعالى: "﴿لَقَد مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤمِنينَ إِذ بَعَثَ فيهِم رَسولًا مِن أَنفُسِهِم يَتلو عَلَيهِم آياتِهِ وَيُزَكّيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكمَةَ)، وقوله تعالى : ﴿وَاذكُرنَ ما يُتلى في بُيوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ وَالحِكمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطيفًا خَبيرًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات..

وزيادة العقل بالطاعة ونقصانه بالمعصية أمر مشاهد مجرّب دلّ عليه الوحي أولًا، ودلّ عليه الواقع والأقوال المأثورة وشواهد من قصص العلماء والعبّاد وسيرهم، ولا ينكر هذا إلا مكابر ينظر للعقل من زاوية غير زاوية القرآن والسنة، ومن يتأمل آيات القرآن التي تدلّل على العقل وتحمل شواهده وظواهره وعلاماته يجد عجبًا، سواءً جاءت هذه الآيات في سياق التفريق بين المؤمنين الذين يعقلون والمعاندين الذين لا يعقلون، أو في صيغة أوامر ونواهي ترفع المؤمن درجات في سلم العقل بحسب التزامه بها، أو في صيغة آداب وأخلاق تزيد العقل نورًا وجمالًا ووقارا.. وكل هذه الآيات إذا أمعن فيها العقلاء يجدونها تعطي الأشياء نصابها الوافي، وتضع العقل أمامها في ميزانه المضبوط الدقيق الذي لا يسع العارف سواءً أكان عالم نفس أو عالم اجتماع أو فيلسوف أخلاق أو مربيًا حكيمًا أو باحثًا في التاريخ وطبائع الأمم إلا أن يُسلّم بصوابه ونتائجه إن في حاضره أو في مآلاته البعيدة.
فلنأخذ بعضًا من هذه الآيات نتدارسها، وإلا فالقرآن كله كتاب ينهج بالعقول نحو العقل الكامل :
-من أوائل هذه الآيات بنظري تلك الآيات التي تجعل على قلوب الذين يستمعون للقرآن ولا يؤمنون به أكنة وأغطية نتيجة تمنّعهم عن الانقياد له، كقوله تعالى في سورة الكهف :﴿وَمَن أَظلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعرَضَ عَنها وَنَسِيَ ما قَدَّمَت يَداهُ إِنّا جَعَلنا عَلى قُلوبِهِم أَكِنَّةً أَن يَفقَهوهُ وَفي آذانِهِم وَقرًا وَإِن تَدعُهُم إِلَى الهُدى فَلَن يَهتَدوا إِذًا أَبَدًا﴾ وقوله في الأنعام: ﴿ وَمِنهُم مَن يَستَمِعُ إِلَيكَ وَجَعَلنا عَلى قُلوبِهِم أَكِنَّةً أَن يَفقَهوهُ وَفي آذانِهِم وَقرًا وَإِن يَرَوا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤمِنوا بِها حَتّى إِذا جاءوكَ يُجادِلونَكَ يَقولُ الَّذينَ كَفَروا إِن هذا إِلّا أَساطيرُ الأَوَّلينَ﴾، وقوله في البقرة: ﴿إِنَّ الَّذينَ كَفَروا سَواءٌ عَلَيهِم أَأَنذَرتَهُم أَم لَم تُنذِرهُم لا يُؤمِنونَ، خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلوبِهِم وَعَلى سَمعِهِم وَعَلى أَبصارِهِم غِشاوَةٌ وَلَهُم عَذابٌ عَظيمٌ﴾، إلى غيرها من الآيات.. فقد أعرض هؤلاء عن وحي الخالق والعقل الكامل والحجة الأبلغ والنور المبين.. فكيف يمكن أن يوصفوا بالعقل في ما هو دونه؟ بل استحقوا لأجل ذلك أن يُختم عليهم بالغباوة الكاملة والجهالة المستحقة! 
-في سورة الإسراء وبعد مجموعة من الوصايا قال تعالى في ختامها: ﴿ذلِكَ مِمّا أَوحى إِلَيكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكمَةِ وَلا تَجعَل مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتُلقى في جَهَنَّمَ مَلومًا مَدحورًا﴾، والذي يلحظ تلك الوصايا يجدها تتنوع ما بين أحكام وآداب عقدية واجتماعية وأخلاقية من الأمر بالتوحيد وبر الوالدين وصلة الرحم والتعامل مع ذوي الحاجات، والابتعاد عن الزنى ودواعيه، ومراعاة حق اليتيم، ومعرفة قدر النفس، وغيرها، ثم يخبرنا تعالى أنها من الحكمة، وقد اطلعت على بعض ما كتب في تفسير الحكمة هنا؛ فقال بعضهم أنها القرآن، وقال آخرون أنها بمعنى الحكمة أي : وضع الأمور في نصابها الصحيح، وسواء دلّت على هذا المعنى أو ذاك فالشاهد أن القرآن هو الحكمة،وأن آياته وأحكامه وآدابه تسوق إلى الحكمة التي هي أكمل درجات العقل.
-وإذا كان هناك ارتباط وثيق بين العمل والعقل، فارتباط العلم بالعقل هو من باب أولى، لأن العلم هو أول العمل وموجهه ومُصححه، ولأن العقل أيضًا يأتي بمعنى العلم والفهم كما أشرنا سابقًا، إلا أن العلم في ديننا لا خير فيه إن لم يتبعه عمل، وكلما كان المرء عاملًا بالطاعات مجتنبًا للمحرمات ناله من الفتوح والتسديد في العلم ما لا يتحصل لغيره ممن هو مقصر في جنبِ الله! انظر لقوله تعالى: ﴿إِنَّما يَخشَى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزيزٌ غَفورٌ﴾ وما رزقوا الخشية إلا بسبب معرفتهم بالخالق عز وجل وإدراكهم لعظمته وجلاله، أي بسبب إيمانهم وعملهم الصالح، فلا يُرزق الخشية عالم فاسق معاند. ولاحظ أيضًا (ال) التعريف في "العلماء" وكأنهم هم فقط من يستحق الاتصاف بالعلم والمعرفة والعقل، لا غيرهم من أهل الفسق والجحود المتعالمين!
-ومما يُستأنس به في اطّراد العلم بالتقوى والتدين ما استنبطه بعض العلماء من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿واتَّقُوا اللّهَ وَيُعَلّمكُم اللّهُ ﴾ أنه حين قدم التقوى على العلم دلّ على أنه كلما ازداد العبد تقوى فتح الله عليه في العلم أكثر، وهناك حديث ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله، ولكن قد يُستأنس به في هذا المعنى، وهو قوله :"من عمل بما يعلم أورثه الله تعالى علم ما لم يعلم"، وكثير من العلماء عندما تستغلق عليه مسألة فإنه يلجأ للاستغفار والدعاء وذكر الله عز وجل فيُفتح عليه، والدلالات والشواهد والنقولات في هذا الباب كثيرة ومعروفة ومجربة أرجئ الحديث عنها في موضع آخر.
-وحتى في الجوانب الاجتماعية التي يغطيها القرآن نرى عقلانية تامة يكون بها صلاح العباد والبلاد، لاحظ قوله تعالى مثلًا في سورة الإسراء: ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظلومًا فَقَد جَعَلنا لِوَلِيِّهِ سُلطانًا فَلا يُسرِف فِي القَتلِ إِنَّهُ كانَ مَنصورًا﴾  فهنا تحريم أن يتجاوز ولي المقتول الحد في القاتل من تمثيل بجثته وغير ذلك.. ولو كان المقتول بريئًا تام البراءة، ولو بلغ قهره وكمده عليه ما بلغ؛ لأن مجاوزة الحد هذه قد توغر صدورًا وتولد أحقادًا وعداوات أخرى، وترسم شكلًا آخر من أشكال الانتقام يورّث قبحًا ودناءة وإجرامًا في المجتمع.. إلى غير ذلك من النتائج؛ فيحفظ الإسلام بذلك السلم الاجتماعي أن يتخلخل حتى بفعلٍ ظاهره حقّ وباطنه وآثاره باطل.
-في قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعدَ ظُلمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيهِم مِن سَبيلٍ، إِنَّمَا السَّبيلُ عَلَى الَّذينَ يَظلِمونَ النّاسَ وَيَبغونَ فِي الأَرضِ بِغَيرِ الحَقِّ أُولئِكَ لَهُم عَذابٌ أَليمٌ، وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِن عَزمِ الأُمورِ﴾ فمع أنه شرع الأخذ بالحق والانتصار ممن ظلم واعتدى، إلا أن الصبر عليه والعفو عنه مندوب، وهو من عزائم الأمور التي لا يوفق لها إلا قوي، فمع أن العقل يرى أن من الصواب الانتصاف ممن ظلمك، وهو أمر جائز، إلا أن القرآن يوجهنا إلى ما قد يكون أحيانًا أعقل منه وأحسن، فيندبنا إلى العفو، حتى لا تتكرس فكرة الانتقام مع كل مرة فتصبح هي الأساس، بل يُعامل كل مقام بما يستحقه، وحتى تفسح القلوب مكانًا للعفو فتتقارب النفوس وينتشر شذى الود والألفة بين الأفراد ويتلاحم المجتمع أكثر، فالانتقام الجائز وإن كان مباحًا إلا أنه يترك حزازات في النفوس، بعكس العفو الذي يؤدب أحيانًا أكثر مما يفعل الانتقام، لأنه يجعل المعتدي يخجل من فعلته ويمتن لمن عفى عنه ويترك في نفسه شعورًا طيبًا نحوه، ثم إن العفو عمن ظلمك يلقنك درسًا عظيمًا في الصبر وكظم الغيظ وضبط المشاعر، ويزيدك عزة ومنزلة عند الله تعالى.
وهكذا تتجلى العقلانية في القرآن من خلال الآيتين السابقتين وغيرهما من الآيات في تقديمه المصلحة العامة على الخاصة، ومراعاته للسلم الاجتماعي على حساب الشخصي، واهتمامه بتربية النفس وتقويتها أمام أهوائها وشهواتها المجبولة عليها.
-يوجه الله تعالى نبيه في سورة الكهف أن يقرن إرادته فعلَ شيء في الغد بقول :"إن شاء الله"، قال تعالى: ﴿وَلا تَقولَنَّ لِشَيءٍ إِنّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا، إِلّا أَن يَشاءَ اللَّهُ وَاذكُر رَبَّكَ إِذا نَسيتَ وَقُل عَسى أَن يَهدِيَنِ رَبّي لِأَقرَبَ مِن هذا رَشَدًا﴾ فالقرآن هنا يعقل النفس أن يستبد بها حماسٌ أحمق أو عزيمة رعناء في نيتها فعلَ الأشياء، فتُقدِمَ عليها إقدامًا عنيدًا لا يحسب حسابًا لما قد يكون وما قد يطرأ، فتأتي "إن شاء الله" كالماء الذي يطفئ هذا التأجج ويبدله طمأنينةً واتزانًا، فتقدم النفس على الغد بخطًى مستريحة مدركة أن الغيب لله وهو المتصرف فيه بما يشاء، فتحمده إن جاء وحصّلت فيه ما تريد، وتصبر إن لم يكن لها ما تريد (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).. وهكذا يربي القرآنُ الإنسان على الاتزان والتحسب للاحتمالات والمتوقعات، وفوق ذلك كله يربيه على معرفة قدره وجرمه، وأن هنالك مالكًا للكون يملك أمره وغده ويتصرف فيه بما شاء، وهذا والله من تمام العقل والحكمة.

وفي السنة النبوية كذلك من الأحكام والآداب ما يفيض عقلًا وحكمة، وقد مرّ علينا سابقًا أن الحكمة إذا وردت في القرآن مقرونة بالكتاب كان معناها السنة النبوية، وهذا أوضح دليل على أن السنة معينُ الحكمة لمن أخذها وعمل بها، يكفي أن تتأمل فقط في أفعال وأخلاق وحركات وسكنات ولفتات مصدرها ومرجعها -صلى الله عليه وسلّم- فضلًا عن أقواله لتدرك أي عاقل وأي حكيم ووقور كان يمشي على الأرض. وهكذا كان خير المقتدين به؛ صحابته وغيرهم من السلف الصالح، الذين كانوا عقولًا تمشي على التراب.. عقولًا بورعهم وتقواهم اللذين هما رأس الحكمة، عقولًا في شجاعتهم وقوتهم في الحق وصراحتهم في نبذ الباطل، عقولًا بصدعهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وعدم مداهنتهم في إصلاح مجتمعهم، عقولًا في نصحهم وإرشادهم، في أقوالهم وحكمهم البليغة؛ التي يشتبه بعضها بكلام النبوة للنور الذي يشع منها والعقلانية التي تكتنفها والرشاد الذي يَجزِلُها، عقولًا في علمهم وفطنتهم وتوقّد أذهانهم وسداد بصائرهم. 
ثم إني نظرتُ في سِيَر كثير من العلماء الربانيين ممن عرفوا بسلامة العقيدة ومتانة العلم وغزارته وحسن الفقه وقوة الحجة فرأيتهم جمعوا مع قوة العلم كثرة العبادة والتقوى والورع، مما يدلل على ما ذكرنا أن العلم النافع هو من أثمر التقوى، والتقوى رأس العقل، وهي من تثمر الرزق في العلم والفتوح والسداد، وقد اشتهرت في هذا الباب أقوال وقصص عديدة، منها البيتان الشهيران المنسوبان للإمام الشافعي: 
شكوتُ إلى وكيع سوءَ حفظي
فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال لي بأن العلم نورٌ
ونورُ الله لا يُهدى لعاصي
وكان ابن تيمية -رحمه الله- يقول :"إن المسألة لتُغلق عليّ، فأستغفر الله ألف مرة أو أكثر أو أقل؛ فيفتحها الله عليّ"، وقد استنبط بعض العلماء من قوله تعالى: ﴿ إِنّا أَنزَلنا إِلَيكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحكُمَ بَينَ النّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُن لِلخائِنينَ خَصيمًا، وَاستَغفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفورًا رَحيمًا ﴾ :"من أنه ينبغي لمن استفتي أن يقدم بين يدي نجواه الاستغفار، لأن الله تعالى قال :"لتحكم" ثم قال: "واستغفر الله"، ولأن الذنوب تحول بين الإنسان ومعرفة الصواب: ﴿كَلّا بَل رانَ عَلى قُلوبِهِم ما كانوا يَكسِبونَ﴾. ومما يدلّل على أن الفهم والعلم من الله عز وجل لا بسبب ذكاء العبد وفطنته، وأن التقوى والقرب منه سبحانه من أكبر الأسباب الجالبة له قوله تعالى عن سليمان في حكمه في قضية نفش الغنم :﴿فَفَهَّمْناهَا سُليمـٰن ﴾، فحتى في القضايا الدنيوية يُستجلب الفهم منه سبحانه، وكان شيخ الإسلام يدعو بهذا الدعاء إذا استشكلت عليه المسألة: "اللهم يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني"، وانظر إلى قول الله تعالى عن نبيه داوود عليه السلام: ﴿وَشَدَدنا مُلكَهُ وَآتَيناهُ الحِكمَةَ وَفَصلَ الخِطابِ﴾ وكان قبلها قد امتدحه بأنه أوّاب، وأنه في تسبيح وذكرٍ دائم فحتى الجبال والطيور يسبّحن معه،  فكان تلازمُ هذه القوة الروحية أن يعطى معها قوة عقلية وبصيرة وسدادًا في الأحكام، فأعطي فصل الخطاب حتى في أمور وقضايا الدنيا، ونسب تعالى إعطاء الحكمة إلى نفسه، وجعلها معرفة بـ (ال)؛ فقال :(وآتيناه الحكمة) وكذلك في قوله تعالى: ﴿يُؤتِي الحِكمَةَ مَن يَشاءُ وَمَن يُؤتَ الحِكمَةَ فَقَد أوتِيَ خَيرًا كَثيرًا وَما يَذَّكَّرُ إِلّا أُولُو الأَلبابِ﴾، وقوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَينَا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أنِ اشْكُرْ لله)مما يدلل على أن الحكمة الوحيدة والحقيقية إنما هي التي من عند الله عز وجل.
ولنأخذ الأئمة الأربعة الكبار أنموذجًا على أن العلم الحقيقي هو أهم رافدٍ للتقوى، وأن التقوى الراسخة هي خير مقيمٍ للعلم ومُعلٍ له؛ فهذا أبو حنيفة كان يُسمى الوتد لكثرة صلاته، ورويَ أنه قرأ القرآن كله في ركعة، وسُئلت أخت الإمام مالك عن شغله في بيته؟ فقالت: المصحف والتلاوة! وكان الشافعي يصلي نحو ثلث الليل، ويقرأ في الركعة خمسين آية، وكان الإمام أحمد يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، فلما مرض من أسواط السجن صار يصلي مائة وخمسين ركعة! فانظر إلى ما صاروا وإلى ما بلغوا من قوة العلم وبلاغة الحجة حتى صاروا أعلامًا في العلم والفهم.

وفي مشاهداتي الشخصية لمن أعطاه الله تفوقًا في العلم مع استقامة وحسن سلوك ألحظ أمرًا مشتركًا يجمع بينهم على اختلاف مشاربهم وطرائقهم في العلم.. أمرًا هو كالمرشد الخفي الذي يسير معهم ويوجههم أينما ساروا، ألا وهو التوفيق! هذه الهبة السماوية التي  تحشدها وتسوقها جند من الأعمال الصالحة، فبقدر ما يفعَلُها العبد تُفعّله، وتجعل حياته منارات هدى لا يضل فيها بطريق! نعم.. ما رأيت موفقًا إلا كان وراء توفيقه برّ والدَين، أو خشوعًا هفي صلاة، أو كثرة صدقات، أو ملازمة دائمة لكتاب الله، أو حسن خلق مع الناس وسعيًا في حاجاتهم، أو خبيئة صالحة أو غير ذلك من الأعمال التي تمتد بركتها وتؤتي أكلها كلّ حين.. وهذه البركة وهذا التوفيق لا يكون في العلم وحده، بل هو حسن نظرٍ وتسديد في حياته كلها، بل لا يظهر ألقه ولا ينكشف بريقه في العلم إلا إذا أُسبغ على كل الحياة وعمّتها بركته، فقرينُ العلم وثمرته السداد في الرأي والفصل في الأحكام، والتواضع ومعرفة قدر النفس، وتزكية العلم بنشره وتبليغه للناس، وحسن الخلق والتلطف معهم، هكذا يكون المتعلم موفّقًا، وهكذا يكون التوفيق، أما العالم الذي لا يصحبه التوفيق في حياته علمُه ممحوق البركة، فتجده مغترًا متكبرًا، أو ضانًا بعلمه على الخلق، أو جافًا مع الناس غليظًا عليهم، قد شخص ببصره نحو علمه فقط فاعتزل معه عن الحياة والأحياء، ولم يدرِ أن العلم جزءٌ من الحياة.. يحيى بنور الله وحياة القلب وينتعش بانتعاش الروح، فعلمه وإن بقيَ فهو لا يحيى، وإن نهض وشمخ فسيبقى مسلوب الروح..

وهكذا نرى أن مفهوم العقل الإسلامي أعم وأشمل من مجرد الذكاء أو غيره من التصورات السائدة، وأن الذكي الكافر أو العاصي وإن كان ذكيًا فلا يسمى عاقلًا، وأن المؤمن التقي هو أعقل من الكافر و الفاسق وإن كان أقلّ منهما ذكاءً، وأن التفوق الفكري يُنال بأمرين: بـ المَلَكة الجِبليّة؛ وتُقوّى بالدُربة، والأمر الآخر: بالتقوى التي هي رأس كل حكمة وسداد.. ولا خير في عقلٍ يبعد عن الله والدار الآخرة، فصاحبه معه كالحمار يحمل أسفارًا، وأنعم بعقل يرى بنور الله وإن كان صاحبه في أحاجي الدنيا وألغازها صفرَ الذكاء.


الاثنين، 2 سبتمبر 2019

سأتزوج..

ها أنا ذا أحزم حقائبي لأنقل بها جهازي إلى بيتي.. بيتي! بيتي أنا ؟! أشعر أن هذه الكلمة كبيرةٌ عليّ! دمعةٌ تنزل على سفح عيني..آه لا .. لا، ما هذه المشاعر التي أشعر بها! لا ينبغي أن أبكي! ولماذا أبكي! سأتزوّج! سأبدأ حياةً جديدة مملؤةً بالأحلام، سيكون لي بيتٌ خاص أنا ربّته وسيّدته، سيكون لي أطفال رائعون بإذن الله أربّيهم تربيةً صالحة وأغرس فيهم الغراس السديد القويم، سيكونون لامعين في أنفسهم منيرين لمجتمعهم وأمتهم، سيكونون متميزين وسأكون أمًا ناجحة -بإذن الله-، ثم إنه لم يجبرني أحدٌ على الزواج.. فلماذا أبكي؟! لا أريد إلا أن أشعر بالقوّة والعنفوان! وليتَ الأمر كان سهلًا كذلك، بل هو كما قال المتنبي:
وإني ألُوفٌ لو رجعتُ إلى الصبا
لفارقتُ شيبي موجَع القلبِ باكيًا

إني ألُوف.. وأيّ إلفٍ ومألوف! إنها ألفة من خالط لحمي لحمه ودمي دمه، ألفة من درجتُ على يديه ومشيت خطاي الأولى بين قدميه، ألفة من أمسك بيدي في فتوّتي وشبابي لا يُفلتها.. فتارةً يمسكها بشدة خشية أن أسقط في حفر الطريق، وتارةً يمسكها برفق ويجول بها بين مباهج الحياة وطيباتها يتخيّر لها ما تشتهيه.. إنها ألفة الورقة للشجرة، والعطر للزهرة، والفجر لزقزقة العصافير، والنوارس للبحر، والطير للسماء، إنهما والدَيّ، وأنا ابنتهما الوحيدة، فأيّ ألُوفٌ.. وأيّ إلفٍ وأيّ مألوف؟!

وإنهم بعد ذلك إخوتي.. مغامرات الطفولة وشغبها، نزق المراهقة ومناكفاتها، نضجُ الشباب وتفهمه ووده؛ ثلاثة ذكور وأنا الأنثى الوحيدة.. تضادٌ كتضادِ اللّيل والنهار، ولكنهما متلازمان متعاقبان لا يكتمل أحدهما إلا بالآخر!

ثم إنها بعد ذلك غرفتي التي صرتُ فيها "أنا" ! تكوّنتْ فيها ملامح شخصيتي.. واصطبغتْ فيها ألواني أسودي وأبيضي.. غرفتي التي كثيرًا ما أقفل عليّ بابها فلا يبقَ إلا أنا وجدرانها التي تراقبني وتشهد عليّ أو لي، وتعلم من خبر نفسي أكثر مما يعلمه أهلي وأقرب الناس لي.. سكنتُها وسكنتني في بداية سنوات المراهقة؛ حين انتقلنا إلى هذا المنزل، وإني مدينةٌ لغرفتي هذه ومنزلي هذا أكثر مما أدين لمنزلنا القديم الذي عشت به عوالم طفولتي ومرابع لهوي ولعبي؛ فساعةُ الفرح تنقضي بسرعة وتنقضي معها لذتها وحبورها، وساعة التجربة والمجاهدة والألم تنقضي ويبقى درسُها وخبرها!
تقع غرفتي شرقًا؛ فكانت تشرق مع الشمس حين تشرق وكأنها تتلهّف للضياء والنور، وتنطفئ متعجّلةً نهاية النهار حتى قبل أن يغيب قرص الشمس ويخمد ضوؤها تمامًا.. وكأني قد تمثّلت موقع غرفتي في نفسي وعكستُ أبعادها في روحي؛ أتوهج سراعًا، وأخبو سراعًا، ولا أرضى ما بينهما إلا ما أُلقّن فيه درسًا رغمًا عني : وهو أن الحياة تسير ولا تعبأ بنشوتك أو اكتئابك، بملالك أو نشاطك، بسكونك أو اضطرابك، وأنك شئت أم أبيت؛ تسير معها!

فأين بالله عليكم أذهب من كلّ هذه الأشياء وهي نبضُ فؤادي وروحُ روحي؟ وإن كنت أحزم حقائبي إلى بيت رجلٍ كريم يخافُ الله بي؛ فهذه السيدة نائلة بنت الفرافصة حين خطبها عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وحُملت إليه من الكوفة إلى المدينة، أنشأت تقول في الطريق إليه:
قضى الله أن تموتي غريبةً
بيثربَ لا تلقَين أمًا ولا أبًا !

وانظرْ متى قالت ذلك! حين حملت إلى الصحابي الجليل أحد المبشرين بالجنة وأمير المؤمنين عثمان بن عفّان -رضي الله عنه-! ثم هل يتحسّر أحدٌ على موته في مدينة أكرم الخلق وأن يكون مضجعه قريبًا منه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؟!
إنهم الأهل؛ وكفى بذلك قربًا وكفى بذلك وَصفًا ومدحًا عند المرأة الكريمة: "ومن ليس له وفاءٌ لقديمه، لم يكن منه لجديدِه".
إن زواج الفتاة في مجتمعاتنا يُظهِر بجلاء معنى المشاعر المختلطة والأحاسيس المركّبة، وأن تصطرع الرغبة مع الرهبة، والماضي مع المستقبل، والعادة مع التغيير، والحرية مع القدَر.. ففي الوقت الذي تفرح فيه الفتاة وأهلها بتقدّم الرجل المناسب لها تحزن ويحزنون لمفارقتها لهم، والمستقبل الذي كانت قلقة منه وهي عزباء لأن الزوج المناسب لم يأتِ بعد؛ ها هي بعد أن تقدّم لها أيضًا تقلق عليه.. وتتوجس من المسؤولية المختلفة التي ستتحملها والحياة الجديدة التي ستُقبل عليها، وفي الوقت الذي تدفعها القدرة ويحدوها التفاؤل؛ يمسكها القلق ويسحبها خوف المجهول إلى الوراء، وهكذا.. ترى بالعين الأولى أفراحًا وأغصانًا من الأحلام الناعمات والآمال الناعسات، وبالعين الأخرى فراقَ الأهل وضبابًا من قلق، وهي لا تملك إلا أن تبصر بكلتا العينين.. وأظن أنه لهذا السبب أصبح من الدين والعادات والتقاليد أن تحاط الخطبة والزواج بالأفراح والمباهج بدءً بتقديم المَهر ومرورًا بتبضّع العروس لجهازها..وانتهاءً بيوم العرس نفسه وما يصاحبه من أغانٍ واحتفالات وزغاريد، حتى أن بعضهم قد ذكر أن من حكم وجود المهر في الإسلام هو إدخال السرور على قلبها بهذا المال، فالمهر واشتغال المرأة بشراء جهازها واحتفالات الخطبة والزواج أدَعى لأن تلهو به المرأة، ومن لم تسكّن خاطرها الأحلام الوردية وحداءات الحب النديّة والوعود الصادقة؛ فأجدر لهذه الأجواء البهيجة أن تزهو بها نفسها وتنسيها حزنها وتوجسها، ورغم كل تلك المباهج؛ تبكي الفتاة في ليلةِ عمرها الفريدة حيث ينبغي أن تزهو وتفرح! وتبكي أمها.. التي ما زالت منذ شبّت ابنتها تدعو لها بالرجل الصالح! ويحزن أبوها.. الذي ما برح يدعو لابنته بالستر والعفاف رغم محبته لها وخوفه أن تذهب لمن لا يستطيع إكرامها مثله! وتصيح جدتها.. تلك التي ما فتئت تبشّر كل قريب وبعيد بزواج حفيدتها، وتبكي أخواتها، وقريباتها.. وهكذا لا ترى إلا مخلص الودّ صادق المحبة يبكيها بقدر ما يفرح لها! إن لم يكن بربكم هذا خليط المشاعر ومركّب الأحاسيس.. فماذا يكون؟

وما الذي يحمل الفتاة الوادعةَ في أهلها الآمنة في سربها وعندها منهم قوتُ يومها وغدها على إرخاص كل ذلك واختيار الزواج وهي تعلم أنها ستكابد الأعباء والمسؤوليات وأنها ستمضي حياتها بصحبة رجل غريب 
لا تزال منذ تزوجته توفّق بينها وبين طبائعه وأسلوب حياته على ما يكون في بعضها من تنافر معها، وعلى ما يمر به من تغيرات نفسية وتقلبات مزاجية، وفي أثناء ذلك يرزقون بالأطفال الذين يحتاجون إلى رعاية دائمة وتربية متعاهَدة.. وهذه وحدها من أعظم المسؤوليات، هذا غير ما يكتنف الزواج من مسؤوليات مادية واجتماعية وغيرها.. فما الذي يحمل الفتاة على كل هذا الرباط والجهاد؟ ستقول الفتاة أن لا شيء يحملها عليه، وأنها رغم تلك المصاعب اختارت ذلك بملئ إرادتها.. لا ليس تمامًا! المنطق والعقل لا يقبلان ذلك! إنما هي الغريزة والفطرة، وحاجة الآخر، والمقتضى الاجتماعي.. هذه أسباب قاهرة لا مكان فيها لحرية الإرادة؛ فلا صوت الفطرةِ سيكفّ، ولا النفس ستستنكف وقد جُعل لها الآخر مودةً ورحمة، ولا الرغبة في تكوين أسرة والحاجة إلى إشباع غرائز الأمومة والأبوة ستنتهي.. هذا غير الوزن والمعيار الاجتماعي؛ فمن تتزوج رضي بها المجتمع وسعِد، ومن لا تتزوج أشفق عليها المجتمع وتحسّر، وإن لم يكن الأمر كذلك فما الذي يجعل الفتاة التي ليست كفؤًا للزواج وتحمل المسؤولية على الزواج والارتباط إلا أحد هذه الأسباب! وهكذا تتصرّف سنن الكون ونواميسه والشروط الاجتماعية بالإنسان حتى في أخصّ أحواله وما يظن أنه أحق بالاختيار فيه.. فأين الذين يدّعون مركزية الإنسان في هذا الكون؟ وأن عنده تبدأ الرغبات وتنتهي الغايات.. يتصرّف بنفسه وبالكون حوله كما يشاء؟ فَلْيتجاهل إذن فطرته.. ولْيعزلْ إذن نفسه عن الآخر وعن مجتمعه.. ولْيرتّب لنفسه حياةً جديدة فريدة لم يسمع بها أبناء آدم وحواء! لن يستطيع الإنسان ذلك ولن يطيقَه

-"أمي لماذا الزواج ؟ لماذا أفارقك وتفارقينني؟!" 
-"هكذا الدنيا يا ابنتي!"
كم مرةٍ سألت أمي هذا السؤال الطفولي الساذج وتجيبني هي بالعَبرة والدمعة ممزوجةً بالوقار والحكمة ! "هكذا الدنيا" تسير ونحن نسير معها، نُردف سُنَنها خُطانا، كما يقود السجّانُ السجينَ الراسف في أغلاله.. سيظنّ القارئ أني أتوجّع وأتحسّر على ما فاتني وأجزع لما سيأتيني.. لا أبدًا، لا أبدًا؛ لا يُقبل العاقل على أمرٍ تبقى عيناه محدّقةً فيه بما وراءَه، وإلّا تخبّطت أقدامه وتعثّر! ولكنه كما قلت : المشاعر المختلطة والأحاسيس المركّبة، وثنائية الرغبة والرهبة، والماضي والمستقبل، والعادة والتغيير، والحريّة والقَدَر، وما حياةُ المؤمن بكل ما يكتنفها من مراحل وأحداثٍ ومفاجآت وانتقالات وجسور وعبور إلا كما قال الشاعر:

يا رفيقي نحن من نورٍ إلى نورٍ مَضينا
ومع النجم ذَهبنا ومع الشمسِ أتينا
أين ما يُدعى ظلامًا يا رفيق الليل أينا
إن نور الله في القلبِ.. وهذا ما أراه !