الأحد، 21 مارس 2021

انبعاثي الأول

يخيل لي أن الكتابة الأدبية خُلقت لي؛ فحين كان لكل أحد وجهةٌ هو مولّيها كانت هي وجهتي وغايتي التي هديتُ لها وجعلت لي، وأني مهما يمّمت وجهي في المناحي وظننتُ أن في الأرض مُراغمًا كثيرًا وسعة لا أزال أُكتب ضائعًا وأُحسب في عداد المفقودين؛ فمن يُخرج من بيته فهو طريد، ومن يأوي إلى غير حماه فهو لاجئ، ومن يسكن بيت غيره فهو مغتصب وإن قزّحه وزيّنه واستبدل فيه جديدًا بقديم.

هناك عند باب غايتي سادنٌ يسأل عن موعد قدومي كل مرة، يحصي الأيام والساعات حتى أعود، يتفقدني دائمًا ويسأل عني في الطرقات والفيافي والسهول المجاورة، ويجدني أحيانًا منهكةً شعثاء غبراء هائمةً على وجهي أكاد أسقط من التعب.. فيملأ قربتي من الماء، ويهذب شعري ويمسح على وجهي بيديه المباركتين فتسري في جسدي رعشةٌ تعقبها يقظة، فيظل يحدثني حديثًا كحديث الأوائل فيه قبس من نور السماء يذكرني فيه بالأمر القديم لا يبلى، وبالماضي ساريًا لن ينتهي، وبالذكرى حادثةً تتجدد، وبالحلم عتيدًا في المنام واليقظة.. يذكرني بفطرتي وانبعاثي الأول، بالأدب معجونًا في تُربتي متشكلًا في ملامحي منفوخًا في روحي.. بصفوةٍ منه رُزقتها وبسطةٍ منه أُعطيتها.. أقبضها حتى كأني أمسك كل شيء، وأُرسلها حتى كأني أذرو كل شيء هباءً منثورًا تبعثره وتبعثرني الرياح معه في كل واد.. فمالي بدّلتُ وتبدّلتُ حتى كدتُ أمسخ نفسي؟! ماذا ارتضيتُ غير الأدب حتى أعرضتُ عنه؟ ارتضيت؟! نعم ارتضيتُ! لا يصلح في هذا المقام إلا الرضا! فمن اختار وطنًا آخر عن وطنه لن يطير إليه إلا بجناح الرضا والاطمئنان، وإلا لما اختار عن وطنه بديلًا! نعم لقد ارتضيتُ عن الأدب شبيهًا ونديمًا آخر لا يمكن أن يكون هو..ارتضيتُ عنه مواضيع فكرية أو معرفية، رأيتها أنضج منه ثمرة وأنجع منه فائدة فخلعت عليها خاصّة وقتي وأرويتها ماء عقلي وفكري.. ولكن أين الفكرة من الخطرة؟ وأين الحقيقة من المجاز؟ وأين العبارة من الإشارة؟ وأين الضجيج المزدحم من المخدع الهادئ اللّين؟ وأين الصخور وعرةً من السهْل الوطيء؟ وأين العصافير صادحةً تتجاوب بالتغريد من الأزهار صامتةً تتراسل بالأريج؟ أين النفس يتكشف بعضها للآخر وكأن الأحرف تتراصّ كجيش عنيد يسقط أسوار النفس ويفتح الطريق للقلم حمًى مستباحًا يفعل به ما يشاء ؟ 


"ابنتي -قال لي السادن- : الأدب طيرٌ من السماء لا يحط إلا على الغصن البهيّ المورق، وذاك غصنك أنتِ .. الأدب روحٌ في الفضاء لا تراها إلا الأرواح اللطيفة الشفافة، وكذلك روحكِ أنتِ .. 

فحذارِ أن تُقذف في الماء كراتُ الطين، وحذارِ أن تجرف القاصدَ حشودُ المُدبرين، وحذارِ أن يرتدي المرء ثوب غيره وإن كان أبهى من ثوبه، وحذارِ أن تُشغل الشجرةُ بأمرِ الوردة، وأن يحدق الحمام في النحل متمنيًّا تذوق الزهرة.. يا ابنتي؛ أنتِ هناك.. رُفعت المحاريب وأذّن مؤذن الروح وانتصبَتْ الأقلام واصطفت المعاني وقامت صلاة الأدب" وأشار إلى الأدب حيثُ غايتي.. ومضى عائدًا نحوه.

أما أنا فظللتُ أحدّق فيه شاردةً حتى توارى.. ثم انتبهت فجأة وأكببتُ على آثار قدميه أحفرها بعمق حتى لا تمحوها الريح بسهولة.. فأضيع!

السبت، 6 مارس 2021

إن شأنكنّ عظيم!



 لو أن ملكًا أرهب البلدان وأخضع الملوك وأكل جيشُه جيوشَ الأرض مجتمعة وأهلك الحرث والنسل وشَكَت منه الأرض وضاقت السماء، وحتى في خاصّته وأهله هو الفزع المهول والشر المستطير.. يبتعد عنه كل من مرّ بجنبه رعبًا كأنه ملَك الموت، وإذا أمرَ أمرًا طار الجميع لتنفيذه كما تطير الغزلان هربًا من زئير الأسد، وإذا نهض من عرشه انتصبوا جميعًا كانتصاب الأعمدة لا تسمع لهم ركزًا.. هذا إن كانوا يجلسون قبلها! لو أن ملكًا كذلك لَحلَف كل من سمع به أن هذا لا يخضعه شيء إلا المرض المقعد أو الموت.. ولكن لا.. وُجدت ملوكٌ وعتاةٌ مثله وكان من أخضعهم كائنٌ لطيف روّضهم كما تُراض الوحوش؛ كائنٌ ليس له سلاحٌ أو قوة إلا نعومةٌ هي أحَدّ من السِنان، ورنينُ حُليٍّ هو أفتك من صلصلة السيوف، ودَلٌّ هو أقوى من ألف إقناع، وتمايلٌ  هو أخدر في الرأس من سِنةِ الوسنان، وشفتان كالثمرة النضرة في البستان، وصوتٌ وهمسٌ كطعم النغمة الحالمة لدى العاشق الطربان.. إنه المرأة.. المرأة المعشوقة؛ التي بلغت من سحرها وجلالها أن أخضعت الصخر وفجّرت منه الأنهار؛ واسألوا هنري الثامن ما الذي أحدثته في قلبه ومملكته آن بولين، واسألوا كيف عقلَت شهرزاد جنون شهريار وسكّنت شرره، واسألوا عابدًا زاهدًا متحصنًا في صومعته محكمًا إغلاقًا عليه أبوابها وأبواب نفسه.. فارًّا إلى أغلال خشيته وتقواه كيف خرقت تلك الحُجب وأزلّته من ذرى التقوى إلى قاع الرذيلة مليحةٌ في خمارٍ أسود، واسألوا الملوك والسلاطين كيف تسلّلت نساءٌ وجواري إلى مستودعات سرّهم ومعاقل رأيهم التي لا يجرؤ على الولوج فيها أحد.. فصرن شريكات حكمهم ووزيراتهنّ المحجوبات اللاتي يُصدر عن رأيهن ويُسمع كلامهن! والسلطانة هورم والسلطانة كوسيم مثالٌ لا حصر ! 

وربما لا تكون تلك المرأة أجمل النساء وأحسنهن.. قد يكون غيرها أجمل منها، ولكن اجتمع فيها من الأنوثة ما فاض عنها وغمر الرجل الذي عشقها، والأنوثة سرٌّ يختلف كنهه من امرأة لأخرى، ويدرك أمره كلُّ رجلٍ وقع في روعه ومضٌ منه، والجمال بعضٌ من الأنوثة وليس كلّها.. إنها قوة المرأة وجبروتها الذي تعمى عنه أعين الرجال وتدركه قلوبهم حين يمسّها طائفٌ منه! خدَعهم منها رقّة طبعها ولين جلدها فصوّروها ذلك الكائن الضعيف الذي يحتمي بأكتاف الرجل، ولكنها القوية جدًا للحد الذي تخضع فيه أقوى رجل بلا سهم أو سيف :"مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ" ويستعمل كثير من الجهلة عبارته -صلى الله عليه وسلم- : "ناقصات عقل ودين" لتحقير المرأة وإرخاصها، ففضلًا عن أنهم لم يحفظوا من الحديث كله إلا هذه العبارة ولم يطّلعوا على بقية كلامه -صلى الله عليه وسلم- فإن فيها شهادة قوتها لو فقهوا! فانظر مقدار تعجبه -صلى الله عليه وسلم- في قوله :"ما رأيت!" ثم تبيينه ذلك باجتماع النقيضين اللذين هما عُنصرا كلِّ عجَب؛ وهما هنا : النقص والقوة، فحين التقيا غلب النقص القوة! فانظر كيف طارت الرجولة شعاعًا بحضور امرأة! 


وليست قوّة المرأة محصورة باستوفازها قلوب الرجال واقتيادها لهم بجمالها وفتنتها؛ بل تكون أيضًا بحصافتها وحسن رأيها وتدبيرها كما هو الرجل، بل تزيد قوتها بذلك وتصبح لفتنتها وأنوثتها أنيابًا يُخشى منها أو يُستسلمُ لها، ويصبح لرأيها اعتبارًا عند اثنين: المقسط من الرجال، أو المحب المستهام؛ بل يصبح لرأيها سلطانًا عند المحب المستهام أقوى من رأي الرجال مجتمعين! أما غيرهما من الرجال فينكر تلك القوة والحكمة ويصرّ أن يردّها إلى ضعفها وسفهها الذي يتصوره ويراه؛ وكأن المرأة عندهم لا تصبح إنسانًا إلا إذا كانت محبوبة، ففتنتها وتأثيرها هو انعكاس قلوبهم عليها، لا انعكاسها هي عليهم! ولو لم يشهد القرآن لبلقيس لرأوا أنها أخطأت وأصاب من حولها من الرجال! 

والمرأة التي لا تفهم من الأنوثة إلا الضعف الخانع والغَنَج السمج والخواء المائع فهي وإن اصطبغت بألف لون 

وتلمّعت بالأساور والحُليّ لم تكن زينتها إلا أصوات الشهوة ونداءات اللذة؛ ثم ماذا؟ كالحيوان يُمضغ لحمه ويُهضم.


لا.. ليست هذه الكلمات فتنة وتزيينًا.. أو إعلان حرب بين الرجال والنساء؛ بل تذكيرٌ للمرأة أن تميس اعتزًازًا بسحرها وسلطان أنوثتها ويشرّئب عنقها فخرًا وكبرياءً، أن تطيف حول طبيعتها كأنما هي معجزة تُقدّس وتُعظَّم.. كائنٌ يخضع كائنًا آخر يظن أنه الأقوى -ليس من المرأة فقط ولكن ربما من الكائنات كلهم- ألا يحق لها بأن تفخر بإركاعه؟! ولا عيب أن يقال بأن المرأة تؤدي وظيفتها إذ تستميل الرجل لسلطانها.. وهل تُعاب الحاجات والغرائز في لغة الطبيعة ؟ وهل يُسأل لمَ تسعى النمل أو هل تُلام على طيرانها الفراشة؟ ومن الذي يقول للطرف الكحيل اقصُر ولا تنظر؟ وهل تلامُ الحاجة أو يُلقم فمُ الشوق بحجر؟! وهل يُقال للفنّ اعجب بنفسك ودُر حولها، لا تسأل غيرك عنك، يكفيك أنت منك!

سعي المرأة للرجل وسعيه لها تفريغ للطبيعة مهما جحدت الجاحدات أو شمخت المتكبرات! المرأة قوية بأنوثتها، عزيزة بسحرها.. ولكن كل ذلك يتقوّض إن ظنّت أنه لوحدها؛ المرأة نبات مرتفع وارفٌ مستغنٍ بنفسه يُسمّى لوحده: شجرة، وهي بانتمائها لحضن أوسع حولها تتناغم به وتنسجم معه يسمّيان: طبيعة، ولا وجود للشجرة إن لم توجد الطبيعة، ولا تمام للطبيعة إن لم توجد الشجرة.


وليست العلاقة بين المرأة والرجل علاقة مفاضلة تؤدى بالميزان فمن رجح فهو الأفضل وغيره هو المفضول، كيف وهما لا يجتمعان حتى يفترقان ولا يفترقان حتى يجتمعان .. فكيف يُحكم بينهم؟!.. كوكبان تولّدا عن سماء واحدة؛ شمسٌ لا ينبغي لها أن تدرك القمر، أو ليلٌ لا يسبق النهار.. جمعتهما الإنسانية وفرّقتهما خواص وطباع شتى تؤلف كل منها نظامًا مختلفًا عن الآخر.. فمتى يُدرك أن المرأة نظام مختلف قد تنقلب فيه المعاني وتتضاد عن التي عند الرجل! فضعفها كما يسميه الرجال هو في نظامها قوة! ولا أدلّ على ذلك من قوله -صلى الله عليه وسلم "فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ،"؛ فانظر إلى عبارته :"فإن ذهبتَ تُقيمه كسرته" فأنت أيها الرجل لا تستطيع أن تحوّر هذا "الضعف" لـ"قوة" كما تفهمها أنت، دعِ الاعوجاج وشأنه.. فهو قادرٌ رغم انحنائه على إخضاعك! واتركي أيتها الجاحدة ذلك الضعف وشأنه، ولا تحاولي إلباسه ثيابًا تُخفي حدَبه وانحناءه، واقطعي إن شئتِ كل سبيل وتفرّقي في كل واد حتى تبلغي قوة الرجل، ستدركين لاحقًا أن غايتك في مبتدئكِ؛ عند الفطرة التي ضيعتِها! 

اللافت أن هذين المتناحرين من الجنسين تجد أن كلًّا منهما قد أغلق عليه نفسه وقُلبت عيناه إلى الداخل فلا تنظر إلا إليه وطُبّقت يداه على خاصرته كهيئة المستكبر المتحدّي.. فلسان أحواله كلها يقول: "وماذا لي؟ وما لي أنا؟!" .. ولو أنهما فتحا باب نفسيهما وأهرقا من دلوِ قلبيهما صبابة تمتزج بصبابة الآخر لطأطأت الريح ولأوْرق الشوك وصارا لبعضيهما سكنًا ومودة ورحمة؛ ومن وُفِّق في علاقته وذاق طعم الاستقرار الزوجي والعاطفي عرَف حلاوة الآخر وأنه لا غنى عنه، ورأى دعوات التفرّد والتمرّد الفجّة ضلالًا وتحريش شياطين، أما المتطوّح المهتز فتارةً سيلعن الرياح لأنها تحرّكه وتارة سيشتم الطين الواقف عليه لأنه يُزلقه وتارة يسبّ الذباب الذي يحوم عليه لأنه يُشتّته وتارةً سيلعن أهل الأرض وتارة سيناكف الفطرة وتارة سيغاضب السماء و....


تسب الجاهلةُ الرجال وتلعن الأعراف والمجتمع والقانون ثم هي تتبعهم في كل طريق وتطلع لهم في كل ناحية وتطلب المساواة معهم في كل أمر ثم تسمي نفسها خداعًا "نسوية"! استقلالٌ ليس سوى اسم.. وتفرّدٌ هو المجاز لا الحقيقة! فلتتمثل النسوية إذن كنظام متميز لوحده..يتبع صوت أنوثته وفطرته.. وينظر أمامه فقط حيث طريقه ووجهته ولا يتلفّت إلى غيره!: 

"ولَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا"

الأربعاء، 13 يناير 2021

سبعٌ وعشرون دُرًّا من عِقْد أعوامي

 التاسع والعشرون من جمادى الأولى ..

أكملتُ عامي السابع والعشرين ..


هناك سنوات فارقة في عمرك، ليس بأحداث ضخام أو أمور جسام مررتَ بها، بل بشيء كان يعتمل في داخلك لا يراه الآخرون، أنت فقط كنت تبارزه وحدك بعيدًا عن الأعين! عامي السابع والعشرون هو نضجٌ سريع.. كأن منجنيقًا قذفني فجأة إلى قمة صرت فوقها أتأمل العالم ونفسي: ما الذي رماني فجأة إلى هنا؟ ومن أنا؟ ومن أولئك الناس في الأسفل هناك؟! كنتُ أتغيّر ولا أشعر بذلك في نفسي، كان التغيّر كظلي الذي يرافقني أينما أذهب، وهل يستغرب المرءُ ظلَّه ؟ لا .. هو ظله، وظله هو، الآخرون ربما لاحظوا ذلك! أرسلت لي صديقتي الأقرب لي ثقافة وأدبًا قصيدةً لأحد شعراء تويتر تطلب رأيي فيها؛ لم أمهلها تأملًا وتحليلًا حتى وصفتها بالسخف وهاجمت شاعرها- وكانت بالفعل سخيفة بعض الشيء-، فردّت عليّ مستغربة مندهشة من جوابي واندفاعي قائلةً: "نورة.. لقد تغيّرتِ كثيرًا! أصبحتِ عقلانية ومنطقيّة أكثر، لاحظت هذا الأمر فيك واضحًا بعد الزواج!" لم تكن في الواقع تمتدح عقلانيتي، بل كانت تذمها، كانت ترى أنها سلبتني رِقةً عرفَتني بها، وعاطفةً رزينة؛ لا جيّاشة ولا ناضبة، فإذا بهذه العاطفة تُزحزح ويحل بدلًا منها عقلٌ وافر، ووقار لا مذموم ولا محمود.. إلا أنه ليس لأمثالي! لا لم تُمسخ مني تلك العاطفة تمامًا، ولكنها لم تُتح لها الفرص للخروج كثيرًا! والمرء يتطبّع بما يزاول من أعمال، وبما يعالج من أفكار، وبهما يتغيّر مزاجه وتتشكّل نفسه.. فحين تزوّجت أُلقيت عليّ المسؤولية إلقاءً وكأنها كانت ماءً أُهريق على وجهي فاستيقظت به من نومي بغتة بلا مقدمات، لا لم يكن حجم المسؤولية التي تقلّدتها كبيرًا بقدر ما كان معناها واسمها.. أن تصبح مسؤولًا فجأة.. أن تصبح اليوم أميرًا لاهيًا وغدًا تصبح ملكًا مسؤولًا، أن تؤسس أسرة فتسكن رمالك ويتصلّب طينك.. لتصبح جبلًا ترسو تحته الأرض ويستقر به المجتمع.. هي مسؤولية أيًا كان مقدارها! ثم إن هذه المسؤولية لا تقنع بمكانها ودورها فقط، بل لا بد أن يصيب معنى الحياة كله بالنسبة لك شيءٌ من بَلِلها؛ ستنظر للحياة بعين الجِد، وستسحب عليها قدماك بثقل، وفي الوقت ذاته ستجري.. وستركض.. وتحاول أن تلحق في عمرك الصغير خطوات الكبار وعقولهم، لا وقت لديك ! أنت الآن مسؤول، الوقت لن يكون طواع أمرك.. عليك بالمهمات والشاهقات.. لا تشغل نفسك بالتوافه، والنتيجة: عقلٌ يتضخّم ونضجٌ يسرع، وعاطفةٌ مسكينة تكاد تخرج رأسها من بينهما.

ليس الأمر بهذا السوء، فبحمدلله نهلتُ خيرًا كثيرًا؛ زاد إقبالي على العلم الشرعي ولم أزل منه في ازدياد والحمدلله، وأقبلت على غيره من العلوم النافعة الجادّة، ولكن في المقابل قصّرت في الكتابة والأدب وكادت تخمد نارهما في روحي.. لم أختر ذلك ولم أرده؛ فكلما اقتربت من الأدب كان يصدني عنه حِسٌّ متبلّد وطبع مُجدب، زاده عليّ قلة الممارسة للكتابة نتيجة لكمون عاطفتي وازدياد مساحة المنطق فيّ وحرصي الشديد على تقسيم وقتي وأيامي تبعًا لمسؤولياتي وأعمالي، والأدب يأخذ من الفوضى أكثر مما يأخذ من النظام، ويذوب في الماء أكثر مما يتخلّل في التراب! وحينما أريد العودة إلى الكتابة والأدب لا أرضى إلا أن أكون كما كنت وكما كان أدبي سابقًا مُشعًا زاهيًا سهلًا جاريًا، وأنّى يولد الإنسان تامًا مكتملًا؟! فأصبحتُ كما قال ابن المقفع: "الذي أرضاه لا يجيئني والذي يجيئني لا أرضاه"، فرأيتُ المحاولة ذُلًّا، والنقص عيبًا.. أعاذني الله وإياكم من وهم الكمال! ولكن بحمدلله مؤخرًا بدأت ينابيع الأدب تتفجر في بيدائي وأقاحيه الجميلة تزهر في روحي.


أعود إلى سيرة التغيير.. فحين يُقال بأنك تغيّرت سيُريبك هذا التغيّر، بغض النظر هل كان تغيرًا للأحسن أم الأسوأ ما دمت لم تختره بملء إرادتك.. نعم تغيّرتُ؛ وانساق كل شيء فيّ نحو هذا التغيير، كأنه القطيع الذي يلحق براعيه؛ مشاعري القديمة.. بريقها ولمعانها، غزارتها ورِيُّها، شغفها وانطلاقها، خيالها وأحلامها، طربها وغناؤها، قلقها واضطرابها، حزنها وقتامتها، كل تلك كانت تتبدّل نحو شكل آخر أكثر ثقلًا ونضجًا، كان هذا الأمر يحزنني، فحتى لو كانت تتغير للأحسن فإني لا أزال كما قال المتنبي:

خُلقتُ ألوفًا لو رجعتُ إلى الصِبا

لفارقتُ شيبي موجع القلب باكيًا


نعم فأنا أخت الأُلفة ونديمة الحنين، حتى أني عزمتُ مرة إن رزقني الله بابنة سأسميها: "حنين".. حتى المشاعر التي عشتها والأفكار التي قلّبتها أحن إليها لمجرد أني لم أختر التخلي عنها.. والإنسان حين لا يصبح قادرًا على الاحتجاج فإنه يحنّ بصمت، يتكسّر حتى يلين، فيقف على أطلال كل ذكرى ويرسل الحنين موالًا جاريًا، وتجري الأيام، ثم يألف مشاعره الجديدة ليحزن إذا فارقها.

تغيرت مشاعري، ونضجت أفكاري وتبلورت معها شخصيتي؛ أصبحتُ أكثر صراحة ووضوحًا، لا يهمني ما يقول الناس عن أفكاري وسلوكي، على الأقل بقدر ما.. وكأن تعقّلي الذي ازداد يناقضه أن أخجل من بعض أفكاري وما أؤمن به، وكأنه أكسبني -بعد الله - صلابة لا يهمها رأي الناس فقط بل تُكسبها هيبة ومظهرًا أمامهم، وهذه من المفارقات التي لا يدركها كثيرٌ من الناس؛ فيتخلون عن مبادئهم هيبةً من الآخرين ولو اعتزّوا هم بأدنى ما يؤمنون به لهابَهُم الآخرون.. الناس يُريحهم أن يشبه بعضهم بعضًا، وفي الوقت ذاته يرمقون بإعجاب من خالفهم وأشبه نفسه لأنه يذكرهم بذواتهم المطمورة! والمؤمن الصادق لا يُباليهم باله ولا يُسلمهم عِقاله، بل حسبه قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- :" مَنِ الْتَمَسَ رِضَى اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ ، رَضِيَ الله عَنْهُ ، وَأَرْضَى النَّاسَ عَنْهُ ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ ، سَخَطَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَأَسْخَطَ عليه الناس"، لم أكن خجلى هكذا طوال عمري، وأعني بالخجل هنا الخجل مما يقوله الناس من حولي عن بعض ما أعتقده ويخالفهم مما يخص القضايا الفكرية والأحكام الشرعية -سمّوه إن شئتم خجلًا أو جُبنًا :) - فحين كنت صغيرةً في الابتدائية؛ كنت مضرب المثل في الجرأة، لم أترك محفلًا أو إذاعةً إلا كنت المقدّمَة فيها مجربةً كافة الفنون من إنشاد وإلقاء وتمثيل.. كنت أحب تجريب نفسي في كل شيء وكنت أصلح لكل شيء :)، وما أكسبني تلك الجرأة إلا اندفاع ونزق طفولي يدور في فَلَك نفسه فقط ولا يهمه كلام الناس، ولأني كذلك كنت أدرس في المدرسة التي تعمل فيها أمي معلمة، فكان وجودها يكسبني ثقةً ودعمًا: "جريئة وموهوبة وابنة أ.سارة"، هكذا كان اسم أمي يُعد ميزةً من ميزاتي، ولكني حين انفصلت عن أمي ومرّت السنوات بعد ذلك بدأتُ الاستقلال برأيي وشخصيتي مخالفةً اهتمامات وتوجهات أقراني، فبدأت معها الانكفاء على نفسي وكأني أحدودب على أفكاري التي تتكون بداخلي كجنينٍ أخفيه عن العيان، أما الآن فحين اكتمل حملها وولدتُها صرت لا أخجل من إظهارها وملاحقتها وهي تتقافز وتشغب في كل مكان.


إن كان من دروسٍ تعلمتها في هذا العام فأهمها هو أن تطمئن نفسي بأقصى ما أستطيع، أن أكفّها كلما رأيتها هالعةً متوثبة ترومُ إصابة حكمة القدر في كل الأمور التي تصيبها، أن تهدأ قليلًا لتعرف أين تُجلس ضعفها وأين ترسل جموحها.. فمدّ الرقاب للأعلى انقطاعها، وتحديقها في الأسفل انكسارها! الدنيا بمشيئة خالقها لا بمشيتنا نحن.. فيوم يُسرٍ ويوم عُسر، ويوم صبر ويوم شُكر، والمؤمن من لا يُغرّ في اليسر، ولا يعاف في الصبر.. واليقين رُبّانٌ يرسو بالمؤمن على شاطئ الأمان، تعلّمت أن كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلّم- غُنية عن كل شيء، وبهما الميزان الكامل لكل شيء في الحياة بدءً من النفس ومرورًا بالعالم من حولنا وانتهاءً بأصغر ذرة في الكون، وأن من جعلهما وراء ظهره والتفت لثقافات وفلسفات وأفكار مغايرة كمن مَلَك نجمةً وزهد في السماء كلها! تعلمت أن الأعلى أعالي.. وأن القمة ذُرًى مختلفة.. وأن السعادة كالهواء تحيط بك من كل الجهات، تعلمت أن أرفق بنفسي وأن أكون وسطًا في كل شيء بلا وهمِ كمال أو جلدِ ذات، وأن الموازنة في الأمور هي سر الطمأنينة، تعلمتُ أننا حين نحدّق في امتيازات الآخرين ونرغب أن نكون هم، فقد يُحدّق الآخرون أيضًا في امتيازاتنا ويرغبوا أن يكونوا نحن! فككفتُ حينها من قلق المقارنات وتشتيت نفسي في صفحات هذه وتلك في مواقع التواصل المختلفة.. فكلُّ إنسان متميز، لأنه غُذّي بقصص ومشاعر وأفكار مختلفة قادرة على إحداث معنًى وإبداع مختلف، وكلُّ روحٍ تأخذ من الآخرين ما ليس لها تظن أنها تقتبس نورًا؛ وإنما هو في الحقيقة دخانٌ ونارٌ يخنقها ويؤذيها! تعلمت أن لا أحب تبسيط المعقّد.. ولا تعقيد المبسّط، بل أن تكون الأمور وسطًا بينهما، تعلمت أن لا أدّعي حسن الظن.. ولا أتقصّد إساءته، ولكن أن أطلب الفطنة وأن أتنبه للخداع ما استطعت، تعلّمت أن لا أتقنّع بالصمتِ ضعفًا وعِيًّا.. وأن لا أُطلق الكلام صراخًا ومجاراة، بل أحترس للكلام وأصون لساني خشية أن يقع في النهر الفاسد، تعلمت لا أتمدد في بحر الثقافة.. ولا أتقلّص في جدول التخصص، بل أن أكون نهرًا يأخذ من البحر ويصب فيه، ويشقّ لنفسه مجرًى محددًا.. تعلّمت أن الحياة بلا الله صفيرُ ريح يخلع قلبك، وأن القرب منه هو عين الأمان والسلام والحياة الطيّبة، وبه سبحانه وحده أتقدّم للحياة وفي الحياة 

..صابرة في ضرّائها شاكرةً في سرّائها.. وهو الربّ والمربّي والحفيظ والوكيل..

وكل عام أنا بخيرٍ ومع من أحب ♥️

السبت، 21 نوفمبر 2020

شيء من دقّة النظر عند علماء الأثر

 أن تسمع بالأمر شيء، وأن تنظر إليه وتُقلّبه وتتفحصه شيءٌ آخر! كنتُ أسمع عن إبداع علماء علم الحديث وجهودهم المبهرة في حفظ سنة النبي -صلى الله عليه وسلّم-، ولكن حين درست طرفًا من هذا الأمر في شرح نخبة الفكر لابن حجر للشيخ عمر المقبل حفظه الله صدّقَ القلبُ النظر وتثَبّت اليقين! قومٌ تدرّعوا بالحيطة والحذر في الطرائق وتسّلقوا بها الإسنادَ، ولم يخلعوها حتى في الطرائق الآمنة والأسانيد الساكنة، لأن سنة نبيهم دين.. ووحيٌ يُمسّكه الله المتقين، فهو محفوظٌ في حرزٍ أمين؛ فحتى الكذب على الحيوان أمارة كذبٍ عندهم كما يقول بعض علمائهم، فهذا البخاري يترك الرواية عن أحد الرواة حين رآه مرةً يشير إلى حماره بالعلف ليقبل إليه فيركبه، فلما أقبل عنده لم يعطه العلف وركبه ومضى، فارتاب البخاري أنه إن لم يترك الكذب على الحمار فربما كذب على رسول الله! ويحرصون على سلامة النقل واجتماع أسباب الضبط ما أمكن؛ فعندهم أنه كلما قلّ عدد الرواة في إسناد كلما نقصت فرص الخطأ والغلط فيه، فيرجّحونه، والعكس صحيح؛ لأن الخبر كلما تناقله عدد أكبر من الناس كلما علِقتْ به من الزيادات والأوهام ما غيّر صيغته الأولى.. فكذلك حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي صيغ الأداء عندهم تُقدّم الرواية التي تبدأ بـ (سمعت، وحدّثني) على الرواية التي تبدأ بـ (أخبرني) أو العرض؛ لأن العرض قد ينعس الشيخ فيه أثناء قراءة تلميذه عليه من كتابه -كتاب الشيخ- فينسى الشيخ أو يذهل عن تصحيح خطأه إن وَرَد! أما السماع والتحديث فيتكلم الشيخ من حفظه مباشرة فيكون واعيًا لما يتفوه به. أما علم الجرح والتعديل فالعجب العُجاب والسحر العُباب! آية ما رأت مثلها العقول ولا طَرقَتها المناهج ولا حظيت بمثلها نُقُول الأمم وأخبارهم.. يضعون حياة الرواة وأخبارهم تحت مجهر المراقبة بشكلٍ لا يدع شكًّا لشاكّ بأن هذه المراقبة ما هي إلا إلهام الله وتوفيقه لهم ليحفظ سنة نبيه؛ فكتبوا مثلًا عن راوٍ أنه لقيَ الشيخ في جامع البصرة ولم يسمع منه مباشرة! أو أنه رآه ولم يسمع منه! وبذلك تقل فرص صحة روايته، وقَنَصوا عن الحسن البصري قوله:" حدّثنا ابن عبّاس" واستغربوه، لأن ابن عباس حين دخل البصرة لم يكن الحسن دخلها بعد، رغم أنهما متعاصران!، وأوَّلوا قول الحسن بأنه كقولك إذا زار مدينتك أميرٌ فلَقيَته جماعةٌ معينة من أهل مدينتك.. فأنت حين تحدّث الناس ستقول "زارنا الأمير" رغم أنه لم يزُرك في بيتك ولم تقابله، فانظر كيف تتبّع أهلُ الحديث أخبارَ الرواة وأسفارهم بل وحتى الأماكن والمساجد التي يذهبون إليها احتياطًا للسُنة، ومن دقائق تتبّعهم أنهم يعرفون أسماء إخوة وأخوات الراوي حتى يُعرف مَن المقصود بالضبط ومن أي أسرة هو بين الناس ولا يحصل اشتباه، فيعرفون حاله وضبطه وتقواه؛ كعبدالله وأخوه عبيد الله، ويُعرّفون الرواة بكُناهم وأسمائهم معًا حتى لا يحصل خلط بينهم وبين رواة آخرين إذا تشابهت أسماؤهم أو لغيرها من الأسباب، ويوجد في تفريقاتهم تفريق عنوانه (من اتفق اسمه مع اسم أبيه وجدّه) مثل : الحسن ابن الحسن ابن الحسن، حتى لا يتوهم متوهم أن هناك خطأ في الإسناد فيحكم عليه بضعفٍ، وكذلك أنهم  يعرفون درجات حفظ الراوي الواحد؛ فيسجّلون عنه مثلًا أن حفظه من صدره أضبط من كتابه، وكذلك دقّة تقسيمهم لدرجات الطعن في الرواة بالنسبة لضبطهم وحفظهم.. مما لو قرأها جاهل لاختلطت عليه درجةٌ بأخرى ولَمَا أدرك بنظره القاصر أن بينهما برزخٌ لا يبغيان؛ فما الفرق مثلًا بين فاحش الغلط وسيء الحفظ؟ أو بين المغفّل والواهم؟ علماء الحديث يضعون الفروق الدقيقة لهؤلاء فلا تعدو مرويات كل منهم قَدْرها؛ فالفاحش الغلط هو كثير الغلط، والسيء الحفظ هو كثير الغلط لكنه لا يصل لدرجة الفحش، والمغفل هو الذي لا يميز بين الأحاديث، والواهم هو الذي كان غلطه على سبيل التوهّم، ولكل منهم تعامل خاص في قبول مروياته أو ردّها.

هذا غيضٌ من غيضٌ من فيض وقليل من قليلٍ من كثير، ولولا أن يطول بي المقام أو يغمُض حديثي على الأفهام لبسطتُ المقال ولفصّلت في الكلام، ولكنه غورٌ بعيد لم أقف إلا على شَفَته ولم يُصبني إلا رذاذٌ من مائه، فما أنا إلا محظوظةٌ قد أُلقَيَت إليها شَذرةٌ من هذا العلم المُذهّب فراحت تُقلّبها بين الناس فَرِحةً ببريقها.. ورغم أنها شذرةٌ إلا أني شرقتٌ ببريقها .. فكيف لو حُزتُ المنجم كلّه؟ فيا عجبي ممن يطعن في البخاري أو غيره من رجال الحديث! هل قرأ من علم المصطلح أو الجرح والتعديل شيئًا؟ أم أنه قرأ وعاند وقال كما قال الأولون: سُكّرت أبصارنا بل نحن قومٌ مسحورون؟! عجبي.. يقبلون آثارا ومرويات عن فلاسفة وعلماء مرّ على وفاتهم مئات أو آلاف الأعوام، ولا يقبلون من العدول الثقات علماء الإسلام!!

أُتي بزنديق لهارون الرشيد كان يضع الأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فلما قدّمه الرشيد للمحاكمة ولساحة العدالة ليصلب وتضرب عنقه، قال: لا يهُم هذا لقد وضعت فيكم أحاديث تحلل الحرام وتحرم الحلال، فقال له الرشيد: يا زنديق تعيش لها الجهابذة تنخلها نخلاً: عبد الله بن المبارك وأمثاله. وإذا كان بين هؤلاء المشككين وبين ديننا وثقافتنا حجابًا وكان هواهم ومزاجهم غربيًا فليقرؤوا ما قاله المستشرقون ورجال الغرب المنصفون عن علم الجرح والتعديل؛ فهذا المستشرق البريطاني ديفيد صمويل مرجليوث يقول: "ليفخر المسلمون بعلم حديثهم"، والمستشرق الألماني أشبره نكر يقول: "إن الدنيا لم تر ولن تر أمة مثل المسلمين؛ لقد درسوا بسبب علم الرجل الذي أوجدوه -بحسب زعمه- حياة نصف مليون رجل! " وهذا المؤرخ اللبناني المسيحي أسد جبرائيل رستم يقول: "مما يذكر مع فريد الإعجاب المنهج الذي اهتدى إليه علماء الحديث منذ مئات السنين في نقل الأخبار"، ثم قال: "وإليك بعض ما نقلوه في كتبهم نورده بحذافيره اعترافًا بتدقيقهم العلمي وتنويهًا بفضلهم على التاريخ!" وغيرهم من المنصفين. (المصدر: الشيخ سعيد الكملي/ انقر هنا

لقد أقرّ ببراعة علم الحديث عندنا وبراعة منهجه ذوو العقول والأحلام من المشرق والمغرب.. فما بال بني جلدتنا لا يكادون يفقهون حديثًا؟! ولكن شأنهم كما قال الشاعر:

هل صحّ قولٌ من الحاكي فنقبله

أم كل ذاك أباطيلٌ وأسمارُ؟!

أما العقول فآلت أنه كذبٌ 

والعقلُ غرسٌ له بالصدق إثمارُ !

السبت، 8 أغسطس 2020

الجمال الغزير

جُبلت الأنفس على الطرب للجمال، وألقي فيها منه روعةٌ ودهشة، والجمال أنواع: منه جمالٌ بصريٌّ كجمال زهرة أو نضارة ثمرة أو امتداد خضرة أو لمعان نهر أو تفجّر عينٍ، أو زُرقة سماءٍ أو بهاء شروق أو حُمرة شفق أو بريق قمر، ومنه جمالٌ معنوي كبراءة طفل أو حياء فتاة أو شهامة رجل أو وقار ذي شيبة، ومنه جمالٌ سمعي كتغريد طير أو حفيف شجرٍ أو خرير ماءٍ، أو رنّة عذبة أو صوتٍ حسن، ومنه جمالٌ شعوري كالأحاسيس العلوية والمشاعر الصافية.. أو ما شئت من جمالٍ تنوّعت قوالبه واختلفت أسماؤه ولكن توحّد جوهره واتّفقت آثاره وعلاماته؛ فمن لم يحرّكه كل ذلك أو بعضه فقد جمُد طبعه وتكدّر حسّه وقُمعت حاجة من حاجاته فماتت بعض فطرته؛ وإن لفّق أو تحجّج بالعقل والرزانة ورفع راية المنطق والمتانة! 

وهناك من الناس مَن حصر الجمال في نمطٍ وشكلٍ معيّن، وصار يضحك ممن يعجبه كل جميل مهما دقّ وصغُر؛ واصفًا إياه بقلة الذوق والبلاهة وإفغار الفاه وإحداق العين نحو كل شيء بلا معيار واضح وتفريق دقيق بين العادي والجميل بزعمه.. فهم يرون أن غالب الأشياء عاديّة إلا ما كان أفخم منظرًا وأزخم مخبرًا وأعلى صيتًا وسمعة، فذاك هو الجميل برأيهم! فجعلوا الجمال كالبضاعة لا يتخيّرون منها إلا ما يوافق طلب السوق.. هؤلاء غلاظٌ معقَّدون مُعقِّدون؛ يجعلون الجمال ميزانًا ومسطرة! ولم يعرفوا أنه بسيطٌ كالعاطفة، واسعٌ كالخيال، غامضٌ وخفيٌّ كالروح؛ ينزل على سِرٍّ من قلبك بلا أبوابٍ أو حرس.. وانظر إلى قوله تعالى في سورة النحل وهو يتكلم عن إنعامه بالأنعام على بني آدم: ﴿وَلَكُم فيها جَمالٌ حينَ تُريحونَ وَحينَ تَسرَحونَ﴾ فهو يخبر سبحانه أن لنا بمنظر الأنعام وهي ترجع من مرعاها بالمساء وتخرج إليه بالصباح جمالٌ يحرّك القلوب، فانظر كيف اتسع الجمال حتى شمل هيئة الأنعام وحركتها ! 

وما دام الله جميلًا يحب الجمال، فكونه وخلقه قد سُبغ من فنون الجمال ما لا يُعرف له حدّ ولا يحصيه عَدّ؛ لأن له المثل الأعلى سبحانه، فحصر الجمال ظلمٌ وإنكاره بعضه جحود! وكلما كانت النفوس صافية والأرواح شفّافة كلما زاد استشعارها للجمال أكثر، ومجال عينها فيه أكبر، لأن أسباب الجمال كما ذكرت من سعة الخيال وبساطة العاطفة وخفاء الروح لا توجد إلا عند من سقط من حواسّه وفكره ثقل المادة وأكدارها.. ويلمع صفاءُ هذه النفوس وترِق أكثر إن كانت نفوسًا مؤمنة قوية الاتصال بخالق هذا الجمال عز وجل، لأن المؤمن يرى الله الجميل في كل جميل، ويذكّره كل جميلٍ بالله الجميل.. فانظر أي جمالٍ كان منتهاه إلى الله، وانظر أي إيمان كان سببه جمال الله، وانظر أي حُبٍ أوقعه جمالُ الله!!

الأربعاء، 27 مايو 2020

حين أصبحتُ فارسة!


في أيام الحجر المنزلي هذه والقيد المكاني بين جدرانٍ أربعة؛ تسرح ذاكرة المرء مذكّرةً إياه بلحظاتٍ سعيدة كان فيها حرّةً قدماه مفكوكًا إساره مفتوحةً أسواره ممتدةً آفاقه.. ودع عنك مزاعم الشعراء والأدباء والعباد والمتصوفة إذ زعموا أنه لا يُبالى بسجن الجسد، ما دام الخيال سوّاحًا والقلب منطلقًا والروح محلقة، نعم إنها قوًى كامنة في بني آدم، واللبيب من أحسن استثمارها، ولكن لا غنى للإنسان عن حرية جسده وتنقّله، ولولا ذاك لما خلق الله له القدمين، ولا أباح له السفر، بل وجعل الهجرة واجبة إن ضُيّق على الإنسان في دينه وغُلّ جسده عن آداء ما افترض عليه، ولولاه لما فُضّل المجاهدون بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، ولا جعل طلب الرزق والسعي له عبادة من أهم العبادات ، ولولاه ما قال الله في كتابه :"قل سيروا في الأرض" وغير ذلك مما هو معلوم بالضرورة.. المهم أني جلستُ أستذكر فرصةً فريدة حصلت لي، ووقتًا سعيدًا مرّ بي؛ حين سجّلتُ في نادٍ لتعليم الفروسية ومارست ركوب الخيل وتعلّمت بعض الأساسيات في هذه الرياضة.. اهتبلتُ هذه الفرصة حين انتقلت للعيش في الرياض بعد زواجي، فلم تكن هناك نوادٍ لتعليم الفروسية للنساء في مدينتي التي كنتُ أقطن فيها، وكان تعلم ركوب الخيل أمنيةً عزيزة ما أروعها لو تحققت! أحبّ الخيل وأرى في امتطائها شموخًا يعزّ الذليل، وكبرياءً يرفع الصغير، وهيبةً تقوّي الضعيف.. كمالًا لنقصهم، وستارًا لعوارهم.. محلّقةٌ وكأنها طيور الأرض بلا أجنحة، مقبلةٌ وكأنها السيول هادرة، صامدةٌ وكأنها صخور سفحٍ ثابتة، حيوانٌ اجتمع على تكريمه كل أمم الأرض وشعوبها، فلو صحّ أن الحيوانات تتحاسد فيما بينها لحسدتها على هذه المكانة! المهم أني اشتركت في هذا النادي تحدوني إليه صورةٌ جميلة كوّنتها في خيالي: فارسةٌ ماهرة تطوّع فرسها بسهولة فكأنما خُلق كلٌ منهما للآخر! وبعض الأحلام قد تكون في الخيال أبهى وفي البعد أحلى! كنت قبل بدء الحصص التعليمية قد أخذتُ حصةً تجريبية سريعة في نادٍ آخر أعطوني فيها تعليمات سريعة وعامة؛ كنتُ خائفة بعض الشيء أثناء اعتلائي الحصان الذي بدا لي كبيرًا وعاليًا جدًا بعكس ما كنت أراه في التلفاز والصور، لكني تمالكت ورأيت أني قادرة عليه، ثم حين بدأت الحصص التعليمية في نادٍ آخر كانت المدرّبة حازمة، فمنذ أول حصة رأت أنه يجب علي أن أتعلم المشي وإيقاف الحصان، وتوجيهه يمنة ويسرة، وكيف أجعل الحصان يسرع وكيف أمشي به خببًا (المشي بسرعة مبتدئة)، ومهارة "الصعود والنزول" للجسم أثناء جريه، وقد يرى البعض أنها أشياء سهلة خاصة فيما يتعلق بالمشي والإيقاف والتوجيه يمنة ويسرة، لكن الحال للراكب المبتدئ ليس كذلك؛ فركوب الخيل يعتمد بشكل أساسي على الثقة بالنفس وقوة الانتباه للفارس وحسن التوجيه منه، فالحصان حيوان ذكي.. يشعر بمشاعر صاحبه وتوتره وتردده، وهو حيوان حسّاس؛ لا ينقاد إلا لتوجيه فارسه وبحركات معينة وقواعد ثابتة، فمثلًا: لا يستجيب الحصان لتوجيهك له إلى اليسار بمجرد إدارتك للعنان نحو اليسار، بل لابد بالإضافة لذلك أن تدير وجهك أنت إلى اليسار أيضًا! فلا يصح أن تدير العنان وأنت تنظر للأمام، فالحصان يعرف، وكأن له عينًا من الخلف تنظر اتجاه وجهك! فهذا الزخم من المعلومات والحركات الجديدة يحتاج في أول الأمر إلى تركيز عالٍ يستجيب لكل شيء في لحظةٍ واحدة، وفوق هذا ثقةٍ بالنفس تولّد التركيز والهدوء.. وأنّى ذلك لمتوتّرة مثلي (وهو طبيعي أول الأمر) مع مدرّبة صارمة مستعجلة تريد أن تسقيني البئرَ كله في شربةٍ واحدة! وإن كان يُحمد لها صراحتها وصرامتها منذ البداية لكي تعرف المتدربة ما الذي تُقبِل عليه؛ لكني تضايقتُ من ذلك، والأكثر إيلامًا والأشدّ فتكًا هو مهارة "الصعود والنزول" أو الـ "up down "، خاصة على من ليس لديهم لياقة عالية ناحية الفخذين والقدمين؛ بالإضافة إلى احتياجها لاستجابة سريعة وتوازنٍ عالٍ، وكم كنتُ أعود إلى البيت بسببها مخلوعة الفخذين والساقين في كل حصص تدريبي، وقد راودني غير مرةٍ عزمٌ بأن أترك تعلم ركوب الخيل بسببها لولا تشجيع زوجي ودفعه لي، وقد أتقنتها بنسبة متوسطة في الحصة الرابعة أو الخامسة، ومع هذا ما زالت آلام الفخذين رفيقة تعلمي لها.. والله المستعان على لياقةٍ غائبة! 
كنت أسيرة لأحاسيس الحب والاعتداد ممزوجةً بالخوف والرهبة أثناء تعلمي ركوب الخيل، تطغى هذه.. فتكُفّها تلك ما استطاعت، ثم تضرب الأخرى فتصمد أمامها الأولى؛ كنت أسيرة لخوفي على نفسي وخوف والديّ وعتبهما عليّ حين علما باشتراكي بالنادي، كان يخافان علي السقوط من الخيل، وكنتُ أطمئنهما بأني حذرة وواثقة من نفسي وأني أرتدي خوذة تحميني بعد حفظ الله، ولكني حين بدأت بالحصص هالني حجم الخيل المرتفع فتخيلت أن أخفّ سقوطٍ منه كفيلٌ بتكسّر عظامي رغم ترابيّة الأرض، حتى أني طلبتُ من المدّربة أن تستبدله بخيلٍ آخر أقصر، فضحكت وكأنها ظفرت مني بما تعيبني عليه، فراحت تكرر أن هذا لفائدتي غير عابئة بحداثة عهدي بالخيل، حتى إذا استويتُ على ظهره واطمأننتُ من حجمه أخافني منه حركاته المضطربة نتيجة أخطائي في التدريب وتوتري وصراخ المدرّبة علي! ثم أخافني منه سرعته وتقافزه حين وضعتْ المدرّبة أمامي خطَّين وطلبت مني أن أسرع بالخيل حين أقترب منهما، فكان حين يسرع أشعر وكأني صخرة قذفها منجنيق فهي ترتفع إلى السماء وستسقط على الأرض مُتهشّمة، فيدوّي صراخي بالآفاق حتى تطأطئ المدرّبة رأسها توترًا وكأني طفلٌ قد فضح أسرار أمه أمام الناس! فعاتبتني أولا زامّةً شفتيها، ثم عاتبتني مباعدةً بين فكّيها، ثم عاتبتني مطلِقةً مزمجرة غاضبةً مكفهرة! وتلك والله قاصمة الظهر التي آليت بعدها أن لا أركب الخيل وأن أدعها لأهلها، فلستُ من أهلها كما ألمحت مدرّبتي!.. لمزتني بالضعف و"الدلع" ورُخوّ عظامي.. خاصة حين طلبت مني أن أضرب بقوة على عنق الحصان بالعنان لكي يسرع إذا لم ينفع معه خفقي ودفعي له بقدميّ وهي الطريقة المعروفة، وهذا ما لا كنتُ أعرفه، أو بالأحرى أرهبه! ؛ أخاف حين أضربه بالعنان أن أؤذيه فيهيج علي أو أؤلمه، وقد شهقتُ حين أرتني المدربة كيف تضربه وتهوي بالعنان بقوة على عنقه فيظهر صوت لسعٍ قوي لا أدري كيف احتمله الحصان ولم يغضبه أو يهيّجه! فكلّما أردتُ تطبيق هذه الحركة خانتني يدي وشلّتني الرأفة بالحصان والخوف منه من جديد، وهذا ما لم تُطقه المدرّبة وترى أنه جدير بفارسة المستقبل! فلم أحتمل صراخها عليّ، ولم أحتمل فشلي المتكرر في عين نفسي، فترجّلت أجرّ بقايا عزّتي وثقتي بنفسي، ملوحةً للحصان بالدموع.. مودّعة له بغير كلام! أهكذا يُفرّق بين العاشق وحبيبه ؟! يراسله بلغة الحب .. فيُساء تفسيرها وتحرّف المعاني على غير وجهها! ألا لقاءٌ ووصالٌ يليق بعشقي للخيل ومحبتي له؟! ألا أحدٌ يُعلّمني إياه تعليمًا جميلًا ويسوقني له سوقًا رفيقًا؟! فلم أحبّذ الشدة في التعليم وإن أنضجَتْ ثمرًا وأصلبَتْ عودًا! أم أقول أني رقيقة جبانة وأن ركوب الخيل لا يصلح لأمثالي! لا أدري.. يجيدُ المرء ترقيعَ الأعذار لنفسه، ولكني وإن خفتُ من الخيل فما زلتُ أحبها؛ ولعله الحب الذي ينضج بالبعد ويقوى بالاشتياق ويشتد بالتذكّر، حتى إذا اقترب انطفأت الفتنة باللمسة والضمّة، وتوّهجت نار الحقيقة فإذا هي تلسع وتحرق، وتُبعد وتُقصي! بعض الأحلام ينبغي أن تكون مثبّتة.. على جدارٍ أو رفٍّ علوي؛ فلا يصلح أن تُنزلها أو تغيّر مكانها، بل تتأملها فقط من بعيد! ومع ذلك فما زلت أحب الخيل وأرغب ركوبها، وربما لو سنحت لي الفرصة مرة ثانية وفي ظروف أخرى لتعلمتها من جديد! والرغبة سبب ونسَب وإن لم يتحقق المرغوب!:
هلّا سألتِ الخيل يا ابنةَ مالكٍ
إن كنتِ جاهلةً بما لا تعلمي
يخبرك من شهد المحبة أنني
أهفو لها وإن زلَّت بها قدمي! 

مع الاعتذار لفارسنا الصنديد وشاعرنا المجيد عنترة.