الأربعاء، 13 يناير 2021

سبعٌ وعشرون دُرًّا من عِقْد أعوامي

 التاسع والعشرون من جمادى الأولى ..

أكملتُ عامي السابع والعشرين ..


هناك سنوات فارقة في عمرك، ليس بأحداث ضخام أو أمور جسام مررتَ بها، بل بشيء كان يعتمل في داخلك لا يراه الآخرون، أنت فقط كنت تبارزه وحدك بعيدًا عن الأعين! عامي السابع والعشرون هو نضجٌ سريع.. كأن منجنيقًا قذفني فجأة إلى قمة صرت فوقها أتأمل العالم ونفسي: ما الذي رماني فجأة إلى هنا؟ ومن أنا؟ ومن أولئك الناس في الأسفل هناك؟! كنتُ أتغيّر ولا أشعر بذلك في نفسي، كان التغيّر كظلي الذي يرافقني أينما أذهب، وهل يستغرب المرءُ ظلَّه ؟ لا .. هو ظله، وظله هو، الآخرون ربما لاحظوا ذلك! أرسلت لي صديقتي الأقرب لي ثقافة وأدبًا قصيدةً لأحد شعراء تويتر تطلب رأيي فيها؛ لم أمهلها تأملًا وتحليلًا حتى وصفتها بالسخف وهاجمت شاعرها- وكانت بالفعل سخيفة بعض الشيء-، فردّت عليّ مستغربة مندهشة من جوابي واندفاعي قائلةً: "نورة.. لقد تغيّرتِ كثيرًا! أصبحتِ عقلانية ومنطقيّة أكثر، لاحظت هذا الأمر فيك واضحًا بعد الزواج!" لم تكن في الواقع تمتدح عقلانيتي، بل كانت تذمها، كانت ترى أنها سلبتني رِقةً عرفَتني بها، وعاطفةً رزينة؛ لا جيّاشة ولا ناضبة، فإذا بهذه العاطفة تُزحزح ويحل بدلًا منها عقلٌ وافر، ووقار لا مذموم ولا محمود.. إلا أنه ليس لأمثالي! لا لم تُمسخ مني تلك العاطفة تمامًا، ولكنها لم تُتح لها الفرص للخروج كثيرًا! والمرء يتطبّع بما يزاول من أعمال، وبما يعالج من أفكار، وبهما يتغيّر مزاجه وتتشكّل نفسه.. فحين تزوّجت أُلقيت عليّ المسؤولية إلقاءً وكأنها كانت ماءً أُهريق على وجهي فاستيقظت به من نومي بغتة بلا مقدمات، لا لم يكن حجم المسؤولية التي تقلّدتها كبيرًا بقدر ما كان معناها واسمها.. أن تصبح مسؤولًا فجأة.. أن تصبح اليوم أميرًا لاهيًا وغدًا تصبح ملكًا مسؤولًا، أن تؤسس أسرة فتسكن رمالك ويتصلّب طينك.. لتصبح جبلًا ترسو تحته الأرض ويستقر به المجتمع.. هي مسؤولية أيًا كان مقدارها! ثم إن هذه المسؤولية لا تقنع بمكانها ودورها فقط، بل لا بد أن يصيب معنى الحياة كله بالنسبة لك شيءٌ من بَلِلها؛ ستنظر للحياة بعين الجِد، وستسحب عليها قدماك بثقل، وفي الوقت ذاته ستجري.. وستركض.. وتحاول أن تلحق في عمرك الصغير خطوات الكبار وعقولهم، لا وقت لديك ! أنت الآن مسؤول، الوقت لن يكون طواع أمرك.. عليك بالمهمات والشاهقات.. لا تشغل نفسك بالتوافه، والنتيجة: عقلٌ يتضخّم ونضجٌ يسرع، وعاطفةٌ مسكينة تكاد تخرج رأسها من بينهما.

ليس الأمر بهذا السوء، فبحمدلله نهلتُ خيرًا كثيرًا؛ زاد إقبالي على العلم الشرعي ولم أزل منه في ازدياد والحمدلله، وأقبلت على غيره من العلوم النافعة الجادّة، ولكن في المقابل قصّرت في الكتابة والأدب وكادت تخمد نارهما في روحي.. لم أختر ذلك ولم أرده؛ فكلما اقتربت من الأدب كان يصدني عنه حِسٌّ متبلّد وطبع مُجدب، زاده عليّ قلة الممارسة للكتابة نتيجة لكمون عاطفتي وازدياد مساحة المنطق فيّ وحرصي الشديد على تقسيم وقتي وأيامي تبعًا لمسؤولياتي وأعمالي، والأدب يأخذ من الفوضى أكثر مما يأخذ من النظام، ويذوب في الماء أكثر مما يتخلّل في التراب! وحينما أريد العودة إلى الكتابة والأدب لا أرضى إلا أن أكون كما كنت وكما كان أدبي سابقًا مُشعًا زاهيًا سهلًا جاريًا، وأنّى يولد الإنسان تامًا مكتملًا؟! فأصبحتُ كما قال ابن المقفع: "الذي أرضاه لا يجيئني والذي يجيئني لا أرضاه"، فرأيتُ المحاولة ذُلًّا، والنقص عيبًا.. أعاذني الله وإياكم من وهم الكمال! ولكن بحمدلله مؤخرًا بدأت ينابيع الأدب تتفجر في بيدائي وأقاحيه الجميلة تزهر في روحي.


أعود إلى سيرة التغيير.. فحين يُقال بأنك تغيّرت سيُريبك هذا التغيّر، بغض النظر هل كان تغيرًا للأحسن أم الأسوأ ما دمت لم تختره بملء إرادتك.. نعم تغيّرتُ؛ وانساق كل شيء فيّ نحو هذا التغيير، كأنه القطيع الذي يلحق براعيه؛ مشاعري القديمة.. بريقها ولمعانها، غزارتها ورِيُّها، شغفها وانطلاقها، خيالها وأحلامها، طربها وغناؤها، قلقها واضطرابها، حزنها وقتامتها، كل تلك كانت تتبدّل نحو شكل آخر أكثر ثقلًا ونضجًا، كان هذا الأمر يحزنني، فحتى لو كانت تتغير للأحسن فإني لا أزال كما قال المتنبي:

خُلقتُ ألوفًا لو رجعتُ إلى الصِبا

لفارقتُ شيبي موجع القلب باكيًا


نعم فأنا أخت الأُلفة ونديمة الحنين، حتى أني عزمتُ مرة إن رزقني الله بابنة سأسميها: "حنين".. حتى المشاعر التي عشتها والأفكار التي قلّبتها أحن إليها لمجرد أني لم أختر التخلي عنها.. والإنسان حين لا يصبح قادرًا على الاحتجاج فإنه يحنّ بصمت، يتكسّر حتى يلين، فيقف على أطلال كل ذكرى ويرسل الحنين موالًا جاريًا، وتجري الأيام، ثم يألف مشاعره الجديدة ليحزن إذا فارقها.

تغيرت مشاعري، ونضجت أفكاري وتبلورت معها شخصيتي؛ أصبحتُ أكثر صراحة ووضوحًا، لا يهمني ما يقول الناس عن أفكاري وسلوكي، على الأقل بقدر ما.. وكأن تعقّلي الذي ازداد يناقضه أن أخجل من بعض أفكاري وما أؤمن به، وكأنه أكسبني -بعد الله - صلابة لا يهمها رأي الناس فقط بل تُكسبها هيبة ومظهرًا أمامهم، وهذه من المفارقات التي لا يدركها كثيرٌ من الناس؛ فيتخلون عن مبادئهم هيبةً من الآخرين ولو اعتزّوا هم بأدنى ما يؤمنون به لهابَهُم الآخرون.. الناس يُريحهم أن يشبه بعضهم بعضًا، وفي الوقت ذاته يرمقون بإعجاب من خالفهم وأشبه نفسه لأنه يذكرهم بذواتهم المطمورة! والمؤمن الصادق لا يُباليهم باله ولا يُسلمهم عِقاله، بل حسبه قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- :" مَنِ الْتَمَسَ رِضَى اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ ، رَضِيَ الله عَنْهُ ، وَأَرْضَى النَّاسَ عَنْهُ ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ ، سَخَطَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَأَسْخَطَ عليه الناس"، لم أكن خجلى هكذا طوال عمري، وأعني بالخجل هنا الخجل مما يقوله الناس من حولي عن بعض ما أعتقده ويخالفهم مما يخص القضايا الفكرية والأحكام الشرعية -سمّوه إن شئتم خجلًا أو جُبنًا :) - فحين كنت صغيرةً في الابتدائية؛ كنت مضرب المثل في الجرأة، لم أترك محفلًا أو إذاعةً إلا كنت المقدّمَة فيها مجربةً كافة الفنون من إنشاد وإلقاء وتمثيل.. كنت أحب تجريب نفسي في كل شيء وكنت أصلح لكل شيء :)، وما أكسبني تلك الجرأة إلا اندفاع ونزق طفولي يدور في فَلَك نفسه فقط ولا يهمه كلام الناس، ولأني كذلك كنت أدرس في المدرسة التي تعمل فيها أمي معلمة، فكان وجودها يكسبني ثقةً ودعمًا: "جريئة وموهوبة وابنة أ.سارة"، هكذا كان اسم أمي يُعد ميزةً من ميزاتي، ولكني حين انفصلت عن أمي ومرّت السنوات بعد ذلك بدأتُ الاستقلال برأيي وشخصيتي مخالفةً اهتمامات وتوجهات أقراني، فبدأت معها الانكفاء على نفسي وكأني أحدودب على أفكاري التي تتكون بداخلي كجنينٍ أخفيه عن العيان، أما الآن فحين اكتمل حملها وولدتُها صرت لا أخجل من إظهارها وملاحقتها وهي تتقافز وتشغب في كل مكان.


إن كان من دروسٍ تعلمتها في هذا العام فأهمها هو أن تطمئن نفسي بأقصى ما أستطيع، أن أكفّها كلما رأيتها هالعةً متوثبة ترومُ إصابة حكمة القدر في كل الأمور التي تصيبها، أن تهدأ قليلًا لتعرف أين تُجلس ضعفها وأين ترسل جموحها.. فمدّ الرقاب للأعلى انقطاعها، وتحديقها في الأسفل انكسارها! الدنيا بمشيئة خالقها لا بمشيتنا نحن.. فيوم يُسرٍ ويوم عُسر، ويوم صبر ويوم شُكر، والمؤمن من لا يُغرّ في اليسر، ولا يعاف في الصبر.. واليقين رُبّانٌ يرسو بالمؤمن على شاطئ الأمان، تعلّمت أن كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلّم- غُنية عن كل شيء، وبهما الميزان الكامل لكل شيء في الحياة بدءً من النفس ومرورًا بالعالم من حولنا وانتهاءً بأصغر ذرة في الكون، وأن من جعلهما وراء ظهره والتفت لثقافات وفلسفات وأفكار مغايرة كمن مَلَك نجمةً وزهد في السماء كلها! تعلمت أن الأعلى أعالي.. وأن القمة ذُرًى مختلفة.. وأن السعادة كالهواء تحيط بك من كل الجهات، تعلمت أن أرفق بنفسي وأن أكون وسطًا في كل شيء بلا وهمِ كمال أو جلدِ ذات، وأن الموازنة في الأمور هي سر الطمأنينة، تعلمتُ أننا حين نحدّق في امتيازات الآخرين ونرغب أن نكون هم، فقد يُحدّق الآخرون أيضًا في امتيازاتنا ويرغبوا أن يكونوا نحن! فككفتُ حينها من قلق المقارنات وتشتيت نفسي في صفحات هذه وتلك في مواقع التواصل المختلفة.. فكلُّ إنسان متميز، لأنه غُذّي بقصص ومشاعر وأفكار مختلفة قادرة على إحداث معنًى وإبداع مختلف، وكلُّ روحٍ تأخذ من الآخرين ما ليس لها تظن أنها تقتبس نورًا؛ وإنما هو في الحقيقة دخانٌ ونارٌ يخنقها ويؤذيها! تعلمت أن لا أحب تبسيط المعقّد.. ولا تعقيد المبسّط، بل أن تكون الأمور وسطًا بينهما، تعلمت أن لا أدّعي حسن الظن.. ولا أتقصّد إساءته، ولكن أن أطلب الفطنة وأن أتنبه للخداع ما استطعت، تعلّمت أن لا أتقنّع بالصمتِ ضعفًا وعِيًّا.. وأن لا أُطلق الكلام صراخًا ومجاراة، بل أحترس للكلام وأصون لساني خشية أن يقع في النهر الفاسد، تعلمت لا أتمدد في بحر الثقافة.. ولا أتقلّص في جدول التخصص، بل أن أكون نهرًا يأخذ من البحر ويصب فيه، ويشقّ لنفسه مجرًى محددًا.. تعلّمت أن الحياة بلا الله صفيرُ ريح يخلع قلبك، وأن القرب منه هو عين الأمان والسلام والحياة الطيّبة، وبه سبحانه وحده أتقدّم للحياة وفي الحياة 

..صابرة في ضرّائها شاكرةً في سرّائها.. وهو الربّ والمربّي والحفيظ والوكيل..

وكل عام أنا بخيرٍ ومع من أحب ♥️

السبت، 21 نوفمبر 2020

شيء من دقّة النظر عند علماء الأثر

 أن تسمع بالأمر شيء، وأن تنظر إليه وتُقلّبه وتتفحصه شيءٌ آخر! كنتُ أسمع عن إبداع علماء علم الحديث وجهودهم المبهرة في حفظ سنة النبي -صلى الله عليه وسلّم-، ولكن حين درست طرفًا من هذا الأمر في شرح نخبة الفكر لابن حجر للشيخ عمر المقبل حفظه الله صدّقَ القلبُ النظر وتثَبّت اليقين! قومٌ تدرّعوا بالحيطة والحذر في الطرائق وتسّلقوا بها الإسنادَ، ولم يخلعوها حتى في الطرائق الآمنة والأسانيد الساكنة، لأن سنة نبيهم دين.. ووحيٌ يُمسّكه الله المتقين، فهو محفوظٌ في حرزٍ أمين؛ فحتى الكذب على الحيوان أمارة كذبٍ عندهم كما يقول بعض علمائهم، فهذا البخاري يترك الرواية عن أحد الرواة حين رآه مرةً يشير إلى حماره بالعلف ليقبل إليه فيركبه، فلما أقبل عنده لم يعطه العلف وركبه ومضى، فارتاب البخاري أنه إن لم يترك الكذب على الحمار فربما كذب على رسول الله! ويحرصون على سلامة النقل واجتماع أسباب الضبط ما أمكن؛ فعندهم أنه كلما قلّ عدد الرواة في إسناد كلما نقصت فرص الخطأ والغلط فيه، فيرجّحونه، والعكس صحيح؛ لأن الخبر كلما تناقله عدد أكبر من الناس كلما علِقتْ به من الزيادات والأوهام ما غيّر صيغته الأولى.. فكذلك حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي صيغ الأداء عندهم تُقدّم الرواية التي تبدأ بـ (سمعت، وحدّثني) على الرواية التي تبدأ بـ (أخبرني) أو العرض؛ لأن العرض قد ينعس الشيخ فيه أثناء قراءة تلميذه عليه من كتابه -كتاب الشيخ- فينسى الشيخ أو يذهل عن تصحيح خطأه إن وَرَد! أما السماع والتحديث فيتكلم الشيخ من حفظه مباشرة فيكون واعيًا لما يتفوه به. أما علم الجرح والتعديل فالعجب العُجاب والسحر العُباب! آية ما رأت مثلها العقول ولا طَرقَتها المناهج ولا حظيت بمثلها نُقُول الأمم وأخبارهم.. يضعون حياة الرواة وأخبارهم تحت مجهر المراقبة بشكلٍ لا يدع شكًّا لشاكّ بأن هذه المراقبة ما هي إلا إلهام الله وتوفيقه لهم ليحفظ سنة نبيه؛ فكتبوا مثلًا عن راوٍ أنه لقيَ الشيخ في جامع البصرة ولم يسمع منه مباشرة! أو أنه رآه ولم يسمع منه! وبذلك تقل فرص صحة روايته، وقَنَصوا عن الحسن البصري قوله:" حدّثنا ابن عبّاس" واستغربوه، لأن ابن عباس حين دخل البصرة لم يكن الحسن دخلها بعد، رغم أنهما متعاصران!، وأوَّلوا قول الحسن بأنه كقولك إذا زار مدينتك أميرٌ فلَقيَته جماعةٌ معينة من أهل مدينتك.. فأنت حين تحدّث الناس ستقول "زارنا الأمير" رغم أنه لم يزُرك في بيتك ولم تقابله، فانظر كيف تتبّع أهلُ الحديث أخبارَ الرواة وأسفارهم بل وحتى الأماكن والمساجد التي يذهبون إليها احتياطًا للسُنة، ومن دقائق تتبّعهم أنهم يعرفون أسماء إخوة وأخوات الراوي حتى يُعرف مَن المقصود بالضبط ومن أي أسرة هو بين الناس ولا يحصل اشتباه، فيعرفون حاله وضبطه وتقواه؛ كعبدالله وأخوه عبيد الله، ويُعرّفون الرواة بكُناهم وأسمائهم معًا حتى لا يحصل خلط بينهم وبين رواة آخرين إذا تشابهت أسماؤهم أو لغيرها من الأسباب، ويوجد في تفريقاتهم تفريق عنوانه (من اتفق اسمه مع اسم أبيه وجدّه) مثل : الحسن ابن الحسن ابن الحسن، حتى لا يتوهم متوهم أن هناك خطأ في الإسناد فيحكم عليه بضعفٍ، وكذلك أنهم  يعرفون درجات حفظ الراوي الواحد؛ فيسجّلون عنه مثلًا أن حفظه من صدره أضبط من كتابه، وكذلك دقّة تقسيمهم لدرجات الطعن في الرواة بالنسبة لضبطهم وحفظهم.. مما لو قرأها جاهل لاختلطت عليه درجةٌ بأخرى ولَمَا أدرك بنظره القاصر أن بينهما برزخٌ لا يبغيان؛ فما الفرق مثلًا بين فاحش الغلط وسيء الحفظ؟ أو بين المغفّل والواهم؟ علماء الحديث يضعون الفروق الدقيقة لهؤلاء فلا تعدو مرويات كل منهم قَدْرها؛ فالفاحش الغلط هو كثير الغلط، والسيء الحفظ هو كثير الغلط لكنه لا يصل لدرجة الفحش، والمغفل هو الذي لا يميز بين الأحاديث، والواهم هو الذي كان غلطه على سبيل التوهّم، ولكل منهم تعامل خاص في قبول مروياته أو ردّها.

هذا غيضٌ من غيضٌ من فيض وقليل من قليلٍ من كثير، ولولا أن يطول بي المقام أو يغمُض حديثي على الأفهام لبسطتُ المقال ولفصّلت في الكلام، ولكنه غورٌ بعيد لم أقف إلا على شَفَته ولم يُصبني إلا رذاذٌ من مائه، فما أنا إلا محظوظةٌ قد أُلقَيَت إليها شَذرةٌ من هذا العلم المُذهّب فراحت تُقلّبها بين الناس فَرِحةً ببريقها.. ورغم أنها شذرةٌ إلا أني شرقتٌ ببريقها .. فكيف لو حُزتُ المنجم كلّه؟ فيا عجبي ممن يطعن في البخاري أو غيره من رجال الحديث! هل قرأ من علم المصطلح أو الجرح والتعديل شيئًا؟ أم أنه قرأ وعاند وقال كما قال الأولون: سُكّرت أبصارنا بل نحن قومٌ مسحورون؟! عجبي.. يقبلون آثارا ومرويات عن فلاسفة وعلماء مرّ على وفاتهم مئات أو آلاف الأعوام، ولا يقبلون من العدول الثقات علماء الإسلام!!

أُتي بزنديق لهارون الرشيد كان يضع الأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فلما قدّمه الرشيد للمحاكمة ولساحة العدالة ليصلب وتضرب عنقه، قال: لا يهُم هذا لقد وضعت فيكم أحاديث تحلل الحرام وتحرم الحلال، فقال له الرشيد: يا زنديق تعيش لها الجهابذة تنخلها نخلاً: عبد الله بن المبارك وأمثاله. وإذا كان بين هؤلاء المشككين وبين ديننا وثقافتنا حجابًا وكان هواهم ومزاجهم غربيًا فليقرؤوا ما قاله المستشرقون ورجال الغرب المنصفون عن علم الجرح والتعديل؛ فهذا المستشرق البريطاني ديفيد صمويل مرجليوث يقول: "ليفخر المسلمون بعلم حديثهم"، والمستشرق الألماني أشبره نكر يقول: "إن الدنيا لم تر ولن تر أمة مثل المسلمين؛ لقد درسوا بسبب علم الرجل الذي أوجدوه -بحسب زعمه- حياة نصف مليون رجل! " وهذا المؤرخ اللبناني المسيحي أسد جبرائيل رستم يقول: "مما يذكر مع فريد الإعجاب المنهج الذي اهتدى إليه علماء الحديث منذ مئات السنين في نقل الأخبار"، ثم قال: "وإليك بعض ما نقلوه في كتبهم نورده بحذافيره اعترافًا بتدقيقهم العلمي وتنويهًا بفضلهم على التاريخ!" وغيرهم من المنصفين. (المصدر: الشيخ سعيد الكملي/ انقر هنا

لقد أقرّ ببراعة علم الحديث عندنا وبراعة منهجه ذوو العقول والأحلام من المشرق والمغرب.. فما بال بني جلدتنا لا يكادون يفقهون حديثًا؟! ولكن شأنهم كما قال الشاعر:

هل صحّ قولٌ من الحاكي فنقبله

أم كل ذاك أباطيلٌ وأسمارُ؟!

أما العقول فآلت أنه كذبٌ 

والعقلُ غرسٌ له بالصدق إثمارُ !

السبت، 8 أغسطس 2020

الجمال الغزير

جُبلت الأنفس على الطرب للجمال، وألقي فيها منه روعةٌ ودهشة، والجمال أنواع: منه جمالٌ بصريٌّ كجمال زهرة أو نضارة ثمرة أو امتداد خضرة أو لمعان نهر أو تفجّر عينٍ، أو زُرقة سماءٍ أو بهاء شروق أو حُمرة شفق أو بريق قمر، ومنه جمالٌ معنوي كبراءة طفل أو حياء فتاة أو شهامة رجل أو وقار ذي شيبة، ومنه جمالٌ سمعي كتغريد طير أو حفيف شجرٍ أو خرير ماءٍ، أو رنّة عذبة أو صوتٍ حسن، ومنه جمالٌ شعوري كالأحاسيس العلوية والمشاعر الصافية.. أو ما شئت من جمالٍ تنوّعت قوالبه واختلفت أسماؤه ولكن توحّد جوهره واتّفقت آثاره وعلاماته؛ فمن لم يحرّكه كل ذلك أو بعضه فقد جمُد طبعه وتكدّر حسّه وقُمعت حاجة من حاجاته فماتت بعض فطرته؛ وإن لفّق أو تحجّج بالعقل والرزانة ورفع راية المنطق والمتانة! 

وهناك من الناس مَن حصر الجمال في نمطٍ وشكلٍ معيّن، وصار يضحك ممن يعجبه كل جميل مهما دقّ وصغُر؛ واصفًا إياه بقلة الذوق والبلاهة وإفغار الفاه وإحداق العين نحو كل شيء بلا معيار واضح وتفريق دقيق بين العادي والجميل بزعمه.. فهم يرون أن غالب الأشياء عاديّة إلا ما كان أفخم منظرًا وأزخم مخبرًا وأعلى صيتًا وسمعة، فذاك هو الجميل برأيهم! فجعلوا الجمال كالبضاعة لا يتخيّرون منها إلا ما يوافق طلب السوق.. هؤلاء غلاظٌ معقَّدون مُعقِّدون؛ يجعلون الجمال ميزانًا ومسطرة! ولم يعرفوا أنه بسيطٌ كالعاطفة، واسعٌ كالخيال، غامضٌ وخفيٌّ كالروح؛ ينزل على سِرٍّ من قلبك بلا أبوابٍ أو حرس.. وانظر إلى قوله تعالى في سورة النحل وهو يتكلم عن إنعامه بالأنعام على بني آدم: ﴿وَلَكُم فيها جَمالٌ حينَ تُريحونَ وَحينَ تَسرَحونَ﴾ فهو يخبر سبحانه أن لنا بمنظر الأنعام وهي ترجع من مرعاها بالمساء وتخرج إليه بالصباح جمالٌ يحرّك القلوب، فانظر كيف اتسع الجمال حتى شمل هيئة الأنعام وحركتها ! 

وما دام الله جميلًا يحب الجمال، فكونه وخلقه قد سُبغ من فنون الجمال ما لا يُعرف له حدّ ولا يحصيه عَدّ؛ لأن له المثل الأعلى سبحانه، فحصر الجمال ظلمٌ وإنكاره بعضه جحود! وكلما كانت النفوس صافية والأرواح شفّافة كلما زاد استشعارها للجمال أكثر، ومجال عينها فيه أكبر، لأن أسباب الجمال كما ذكرت من سعة الخيال وبساطة العاطفة وخفاء الروح لا توجد إلا عند من سقط من حواسّه وفكره ثقل المادة وأكدارها.. ويلمع صفاءُ هذه النفوس وترِق أكثر إن كانت نفوسًا مؤمنة قوية الاتصال بخالق هذا الجمال عز وجل، لأن المؤمن يرى الله الجميل في كل جميل، ويذكّره كل جميلٍ بالله الجميل.. فانظر أي جمالٍ كان منتهاه إلى الله، وانظر أي إيمان كان سببه جمال الله، وانظر أي حُبٍ أوقعه جمالُ الله!!

الأربعاء، 27 مايو 2020

حين أصبحتُ فارسة!


في أيام الحجر المنزلي هذه والقيد المكاني بين جدرانٍ أربعة؛ تسرح ذاكرة المرء مذكّرةً إياه بلحظاتٍ سعيدة كان فيها حرّةً قدماه مفكوكًا إساره مفتوحةً أسواره ممتدةً آفاقه.. ودع عنك مزاعم الشعراء والأدباء والعباد والمتصوفة إذ زعموا أنه لا يُبالى بسجن الجسد، ما دام الخيال سوّاحًا والقلب منطلقًا والروح محلقة، نعم إنها قوًى كامنة في بني آدم، واللبيب من أحسن استثمارها، ولكن لا غنى للإنسان عن حرية جسده وتنقّله، ولولا ذاك لما خلق الله له القدمين، ولا أباح له السفر، بل وجعل الهجرة واجبة إن ضُيّق على الإنسان في دينه وغُلّ جسده عن آداء ما افترض عليه، ولولاه لما فُضّل المجاهدون بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، ولا جعل طلب الرزق والسعي له عبادة من أهم العبادات ، ولولاه ما قال الله في كتابه :"قل سيروا في الأرض" وغير ذلك مما هو معلوم بالضرورة.. المهم أني جلستُ أستذكر فرصةً فريدة حصلت لي، ووقتًا سعيدًا مرّ بي؛ حين سجّلتُ في نادٍ لتعليم الفروسية ومارست ركوب الخيل وتعلّمت بعض الأساسيات في هذه الرياضة.. اهتبلتُ هذه الفرصة حين انتقلت للعيش في الرياض بعد زواجي، فلم تكن هناك نوادٍ لتعليم الفروسية للنساء في مدينتي التي كنتُ أقطن فيها، وكان تعلم ركوب الخيل أمنيةً عزيزة ما أروعها لو تحققت! أحبّ الخيل وأرى في امتطائها شموخًا يعزّ الذليل، وكبرياءً يرفع الصغير، وهيبةً تقوّي الضعيف.. كمالًا لنقصهم، وستارًا لعوارهم.. محلّقةٌ وكأنها طيور الأرض بلا أجنحة، مقبلةٌ وكأنها السيول هادرة، صامدةٌ وكأنها صخور سفحٍ ثابتة، حيوانٌ اجتمع على تكريمه كل أمم الأرض وشعوبها، فلو صحّ أن الحيوانات تتحاسد فيما بينها لحسدتها على هذه المكانة! المهم أني اشتركت في هذا النادي تحدوني إليه صورةٌ جميلة كوّنتها في خيالي: فارسةٌ ماهرة تطوّع فرسها بسهولة فكأنما خُلق كلٌ منهما للآخر! وبعض الأحلام قد تكون في الخيال أبهى وفي البعد أحلى! كنت قبل بدء الحصص التعليمية قد أخذتُ حصةً تجريبية سريعة في نادٍ آخر أعطوني فيها تعليمات سريعة وعامة؛ كنتُ خائفة بعض الشيء أثناء اعتلائي الحصان الذي بدا لي كبيرًا وعاليًا جدًا بعكس ما كنت أراه في التلفاز والصور، لكني تمالكت ورأيت أني قادرة عليه، ثم حين بدأت الحصص التعليمية في نادٍ آخر كانت المدرّبة حازمة، فمنذ أول حصة رأت أنه يجب علي أن أتعلم المشي وإيقاف الحصان، وتوجيهه يمنة ويسرة، وكيف أجعل الحصان يسرع وكيف أمشي به خببًا (المشي بسرعة مبتدئة)، ومهارة "الصعود والنزول" للجسم أثناء جريه، وقد يرى البعض أنها أشياء سهلة خاصة فيما يتعلق بالمشي والإيقاف والتوجيه يمنة ويسرة، لكن الحال للراكب المبتدئ ليس كذلك؛ فركوب الخيل يعتمد بشكل أساسي على الثقة بالنفس وقوة الانتباه للفارس وحسن التوجيه منه، فالحصان حيوان ذكي.. يشعر بمشاعر صاحبه وتوتره وتردده، وهو حيوان حسّاس؛ لا ينقاد إلا لتوجيه فارسه وبحركات معينة وقواعد ثابتة، فمثلًا: لا يستجيب الحصان لتوجيهك له إلى اليسار بمجرد إدارتك للعنان نحو اليسار، بل لابد بالإضافة لذلك أن تدير وجهك أنت إلى اليسار أيضًا! فلا يصح أن تدير العنان وأنت تنظر للأمام، فالحصان يعرف، وكأن له عينًا من الخلف تنظر اتجاه وجهك! فهذا الزخم من المعلومات والحركات الجديدة يحتاج في أول الأمر إلى تركيز عالٍ يستجيب لكل شيء في لحظةٍ واحدة، وفوق هذا ثقةٍ بالنفس تولّد التركيز والهدوء.. وأنّى ذلك لمتوتّرة مثلي (وهو طبيعي أول الأمر) مع مدرّبة صارمة مستعجلة تريد أن تسقيني البئرَ كله في شربةٍ واحدة! وإن كان يُحمد لها صراحتها وصرامتها منذ البداية لكي تعرف المتدربة ما الذي تُقبِل عليه؛ لكني تضايقتُ من ذلك، والأكثر إيلامًا والأشدّ فتكًا هو مهارة "الصعود والنزول" أو الـ "up down "، خاصة على من ليس لديهم لياقة عالية ناحية الفخذين والقدمين؛ بالإضافة إلى احتياجها لاستجابة سريعة وتوازنٍ عالٍ، وكم كنتُ أعود إلى البيت بسببها مخلوعة الفخذين والساقين في كل حصص تدريبي، وقد راودني غير مرةٍ عزمٌ بأن أترك تعلم ركوب الخيل بسببها لولا تشجيع زوجي ودفعه لي، وقد أتقنتها بنسبة متوسطة في الحصة الرابعة أو الخامسة، ومع هذا ما زالت آلام الفخذين رفيقة تعلمي لها.. والله المستعان على لياقةٍ غائبة! 
كنت أسيرة لأحاسيس الحب والاعتداد ممزوجةً بالخوف والرهبة أثناء تعلمي ركوب الخيل، تطغى هذه.. فتكُفّها تلك ما استطاعت، ثم تضرب الأخرى فتصمد أمامها الأولى؛ كنت أسيرة لخوفي على نفسي وخوف والديّ وعتبهما عليّ حين علما باشتراكي بالنادي، كان يخافان علي السقوط من الخيل، وكنتُ أطمئنهما بأني حذرة وواثقة من نفسي وأني أرتدي خوذة تحميني بعد حفظ الله، ولكني حين بدأت بالحصص هالني حجم الخيل المرتفع فتخيلت أن أخفّ سقوطٍ منه كفيلٌ بتكسّر عظامي رغم ترابيّة الأرض، حتى أني طلبتُ من المدّربة أن تستبدله بخيلٍ آخر أقصر، فضحكت وكأنها ظفرت مني بما تعيبني عليه، فراحت تكرر أن هذا لفائدتي غير عابئة بحداثة عهدي بالخيل، حتى إذا استويتُ على ظهره واطمأننتُ من حجمه أخافني منه حركاته المضطربة نتيجة أخطائي في التدريب وتوتري وصراخ المدرّبة علي! ثم أخافني منه سرعته وتقافزه حين وضعتْ المدرّبة أمامي خطَّين وطلبت مني أن أسرع بالخيل حين أقترب منهما، فكان حين يسرع أشعر وكأني صخرة قذفها منجنيق فهي ترتفع إلى السماء وستسقط على الأرض مُتهشّمة، فيدوّي صراخي بالآفاق حتى تطأطئ المدرّبة رأسها توترًا وكأني طفلٌ قد فضح أسرار أمه أمام الناس! فعاتبتني أولا زامّةً شفتيها، ثم عاتبتني مباعدةً بين فكّيها، ثم عاتبتني مطلِقةً مزمجرة غاضبةً مكفهرة! وتلك والله قاصمة الظهر التي آليت بعدها أن لا أركب الخيل وأن أدعها لأهلها، فلستُ من أهلها كما ألمحت مدرّبتي!.. لمزتني بالضعف و"الدلع" ورُخوّ عظامي.. خاصة حين طلبت مني أن أضرب بقوة على عنق الحصان بالعنان لكي يسرع إذا لم ينفع معه خفقي ودفعي له بقدميّ وهي الطريقة المعروفة، وهذا ما لا كنتُ أعرفه، أو بالأحرى أرهبه! ؛ أخاف حين أضربه بالعنان أن أؤذيه فيهيج علي أو أؤلمه، وقد شهقتُ حين أرتني المدربة كيف تضربه وتهوي بالعنان بقوة على عنقه فيظهر صوت لسعٍ قوي لا أدري كيف احتمله الحصان ولم يغضبه أو يهيّجه! فكلّما أردتُ تطبيق هذه الحركة خانتني يدي وشلّتني الرأفة بالحصان والخوف منه من جديد، وهذا ما لم تُطقه المدرّبة وترى أنه جدير بفارسة المستقبل! فلم أحتمل صراخها عليّ، ولم أحتمل فشلي المتكرر في عين نفسي، فترجّلت أجرّ بقايا عزّتي وثقتي بنفسي، ملوحةً للحصان بالدموع.. مودّعة له بغير كلام! أهكذا يُفرّق بين العاشق وحبيبه ؟! يراسله بلغة الحب .. فيُساء تفسيرها وتحرّف المعاني على غير وجهها! ألا لقاءٌ ووصالٌ يليق بعشقي للخيل ومحبتي له؟! ألا أحدٌ يُعلّمني إياه تعليمًا جميلًا ويسوقني له سوقًا رفيقًا؟! فلم أحبّذ الشدة في التعليم وإن أنضجَتْ ثمرًا وأصلبَتْ عودًا! أم أقول أني رقيقة جبانة وأن ركوب الخيل لا يصلح لأمثالي! لا أدري.. يجيدُ المرء ترقيعَ الأعذار لنفسه، ولكني وإن خفتُ من الخيل فما زلتُ أحبها؛ ولعله الحب الذي ينضج بالبعد ويقوى بالاشتياق ويشتد بالتذكّر، حتى إذا اقترب انطفأت الفتنة باللمسة والضمّة، وتوّهجت نار الحقيقة فإذا هي تلسع وتحرق، وتُبعد وتُقصي! بعض الأحلام ينبغي أن تكون مثبّتة.. على جدارٍ أو رفٍّ علوي؛ فلا يصلح أن تُنزلها أو تغيّر مكانها، بل تتأملها فقط من بعيد! ومع ذلك فما زلت أحب الخيل وأرغب ركوبها، وربما لو سنحت لي الفرصة مرة ثانية وفي ظروف أخرى لتعلمتها من جديد! والرغبة سبب ونسَب وإن لم يتحقق المرغوب!:
هلّا سألتِ الخيل يا ابنةَ مالكٍ
إن كنتِ جاهلةً بما لا تعلمي
يخبرك من شهد المحبة أنني
أهفو لها وإن زلَّت بها قدمي! 

مع الاعتذار لفارسنا الصنديد وشاعرنا المجيد عنترة.

السبت، 11 أبريل 2020

“ولكنّكم في الأدب غرباء!"

-هل على الأديب هذه الأيام أن يكتب بلغة سهلة واضحة لا تحتوي على كلمات صعبة يضطر معها القارئ إلى الرجوع للمعاجم لكي تكون كتاباته منتشرة بين العامة ومتداولة بينهم؟ 

منذ أيام تحدّث أحد الكتّاب الشباب في حسابه على السنابشات عن الكتابة الأدبية وأساليبها وطرق الجذب والإبداع فيها، والحقيقة أني لم أتابع كلامه كله؛ لكن استوقفتني منه نقطةٌ كان يوصي فيها الكتّاب الناشئين أن يبتعدوا عن الكلمات الصعبة والغريبة في كتاباتهم أو الكلمات التي يحتاج معها القارئ إلى الرجوع للمعجم؛ لأنها بحسب تعبيره ليست إلا حذلقةً يتعالم بها الكاتب على القارئ، والأدبُ الحقّ حسب قوله هو الواضح السلس الذي لا يكون الإبهار في ألفاظه، بل في معانيه.. 
هذا الكاتب وغيره هم صدًى لدعوى ظلّ أصحابها زمنًا ينادون بتيسير الأدب وتذليل قطوف اللغة حتى تكون في متناول كلّ الأيدي، فما الداعي لاستعمال كلمات وعبارات وتراكيب ولّى أصحابها في الدهر وانتهت دواعي استعمالها وحلّت مكانها بدائل سهلة تغني غناءها؟ لكل عصر أدوات ولغة.. هكذا يقولون؛ وهذه الدعوى تبدو لأول وهلة صحيحة واقعًا، ولكنها خاطئة مثالًا وتأملًا ولزومًا، وأنا مع هذا التحجير الذي قد يُرى توسيعًا، ومع هذا الخَوَر الذي قد يُرى تيسيرًا؛ لا أملك إلا الرد بنقاط سريعة أتَتْ عفو الخاطر من غير بحثٍ واستزادة، أردتُها تغريداتٍ في تويتر.. لكن توارد الفكرة تلو الفكرة أحالَها تدوينةً وشكلًا آخر،
أقول والله أعلم :

١-ليس كل من كتب كلمات صعبة فهو متحذلق! فقد يكون محبًا لقراءة كتب التراث أو للأدباء الكبار الذين يحبون السير على نهجها ثم هو قد ألِف أسلوبهم وتطبّع به فلم يكد يستطيع أن يعبّر بغيره! فأنت حين تطالبه بالتعبير بلغة سهلة كنفسك حين يطالبها غيرُك بالتعبير بلغة "صعبة"!.
٢- لا تعارض بين غرابة الألفاظ والإبداع في المعاني، بل إن اللفظ الغريب ومعناه البعيد يفتح للأديب البليغ المتذوق أحيانًا أفقًا من المعاني الجديدة والمتصلة ما كانت لتُفتح له لو أنه اقتصر على لفظةٍ سهلة سطحية المعنى قريبة المأخذ، والألفاظ الغريبة تُكسب النص جزالةً ومتانة لا تُكسبه غيرها من الألفاظ العادية السهلة؛ شريطة أن تُستعمل في موضعها الصحيح.. وكثيرٌ من ألفاظ القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف خير شاهد وأجلى مثال.
٣-"التحذلق" كما يسميه البعض ليس تهمةً حتى نطالب الناس باجتنابها.. ويكون عيبًا وثقلًا وسماجة فقط حين يتكلّفه الأديب ويستعرض به كأنما يتحدى أن يفهم كلامه الناس أو كأنما يغطي به عَوار أدبه وهشاشة فكرته وضحالة خياله.. أما غير ذلك فهو أرضٌ شاسعة وطرائق عديدة يتخير الأديب أن يسير منها ما يوافق مزاجه وطبعه، إن شاء بأسلوب تراثي أو بأسلوب عصري..
إن دعوات تيسير اللغة لا تضر اللغة وحدها أو تمس نوعًا من الأدب بعينه؛ بل هي كذلك تضرّ الأدب حيث تجعله شكلًا واحدًا لا تمايز فيه أو اختلاف، ولا تنافس فيه أو سباق.. ومن قال أن الكتاب المميز ينبغي أن يقرأه ويفهمه كلّ أحد ؟! بل هناك كتبٌ للعامّة، وكتبٌ للخاصّة، وكتبٌ لخاصّة الخاصّة، وكتبٌ لهؤلاء جميعًا، ولا يعني هذا التقسيم رفع طبقة على أخرى واستعلائها عليها، بل قد يعني أن تجتهد العامّة في قراءة كتب الخاصّة حتى تفهمها وتصبح بعد زمنٍ قادرة على قراءتها بسهولة إن أرادت.. ولولا دفع الناس بعضهم لبعضٍ في الأدب لانقضَت مواهب ولاندثرت مفاخر، وما قامت حصونٌ ولا نهضتْ أسوار ولا زُخرفت قصور!
٤- الخاسر الأكبر من تسهيل اللغة لعوام الناس هو هذه اللغة نفسها وأهلها وتاريخها وثقافتها وحضارتها! ؛ إن عجْز الناس عن قراءة كتب تراثهم يعني قطعهم عن تاريخهم وشريان هويّتهم ووجودهم! لطالما كان الإرث الأدبي والفكري والعلمي لأمة من الأمم ثروةً عظيمة تتفاخر الأمم فيما بينها بها، فكيف بإرث زاخر وكنز ثمين كاللغة العربية والتراث الإسلامي؟! وإن لم يستطِع أهل الأمة نفسها أن يفهموا تراثهم فإنه قد يضيع ويندثر غير عابئٍ به أحد، أو سيتبرّع بهذا الأمر غيرُهم حين يدركوا عظمته وحاجة الإنسانية إليه؛ كالمستشرقون وغيرهم، وإذا أُسند الأمر إلى غير أهله؛ فإنك واجدٌ فيه غضاضةً لا محالة!
٥- لطالما كانت كُتب التراث في الأدب والتاريخ وغيرها من أهم المكونات الأدبية والمعرفية لأدبائنا حتى عصرنا الحاضر؛ فلا ترى أديبًا فارعًا يشار له بالبنان إلا ولشعر المعلّقات وكتب التراث نصيبٌ في قراءاته وأثرٌ في أدبه، حتى النصارى منهم؛ كجبران خليل جبران وبشارة الخوري ومارون عبود، بل إن النصارى العرب أنفسهم كان لهم اهتمام خاص بالتراث العربي والإسلامي ومساهمات كبرى فيه، لما عرفوا من أهميته وفضله على اللسان والبيان؛ كناصيف اليازجي وغيره، فهل ترى في كتب هؤلاء تعقيدًا أو اعتياصًا لا يُفهم ؟ بل كان أدبهم في غالبه سهلًا ممتنعًا ممتعُا يُضمّن بشيء من الكلام الفصيح الغريب الذي لا يزيده إلا قوةً وجزالةً واستواءً، فهل منعت القراءةُ في كتب التراث هؤلاء الأدباء من أن يخاطبوا الناس بلغةٍ متوسطة لا تنزل إلى السهل المباشر ولا تصعد إلى الغريب الغامض؟ لقد أثبت هؤلاء الأدباء وغيرهم أنه الجمع بين الأمرين ممكن، وأن القراءة في التراث أمرٌ لا غنى عنه لأديبٍ فصيح قويم.
٦-الواقعية هي فحوى دعوى هؤلاء، فهم يدْعون إلى التعبير بلغة يفهمها الناس ويتداولونها فيما بينهم وفي مصادر التأثير لديهم؛ كالإعلام والمناهج الدراسية وغيرها، لكن العلّامة د.محمود الطناحي يوضح لهؤلاء وغيرهم أن "للّغة جانبًا تاريخيًا يجب الحرص عليه ومعرفته، ثم إن اللغة ممتدة مع أصحابها لا تموت ولا تفنى، وليست اللغة للتفاهم وقضاء المصالح فقط، وإلا لكان القدر اللازم لنا منها محدودًا جدًا..."(مقالات محمود الطناحي، دار البشائر الإسلامية، ط3، ص284)؛ فاللغة هي الأفكار والمعاني الغير محدودة، هي الثقافة والإرث اللغوي والحضاري الذي تشكّل ولا يزال يتشكّل منذ مئات السنين، هي الهويّة الممتدة منذ القدم؛ فبخسٌ لهذه اللغة وظلمٌ لأنفسنا وملَكَتنا اللغوية ومخزوننا الثقافي أن نقص هذا الخيط الطويل من نهايته فلا نبقي لنا منه إلا الطرَف والذَيل!
٧- الغالب على هؤلاء أنهم في الوقت الذي يشجعون فيه تيسير اللغة ويستهجنون الأدب الجاهلي والمعلّقات والغريب من الألفاظ؛ يُشجّعون على قراءة الأدب المترجم والروايات الكلاسيكية الأجنبية والانفتاح على ثقافة الآخر ! أوَليس أدب أُمّتهم وتراثها أحق بالقراءة وأنفع وأجدى ؟! أوَليس الانفتاح على تاريخهم ودراسته أولى وأليَق؟! وإن كان حجتهم صعوبة القراءة في التراث العربي وسهولتها في الأدب المترجم إذ يُترجم الكلام من لغته الأصلية إلى لغة عربية سهلة فقد أوقعوا أنفسهم في تناقضٍ لا واعي ! فالمترجم يترجم، أي ينقل معنى الكلمة إلى لغة أخرى، وكذلك الغريب من العربية يحتاج القارئ معه إلى الرجوع للمعجم وقراءة معناه بكلمات أقرب؛ أي أن مضمون الفعل هو نفسه في الحالتين: وهو النقل والتحويل، مع فارق أن من يقوم بالترجمة هو المترجم وليس القارئ، والذي يقوم بالرجوع للمعاجم في غريب الكلمات هو القارئ نفسه، أي أن هذا التناقض اللاواعي الذي وقع فيه هؤلاء يدل على أمرين: إما أنهم كسالى ذهنيًا لا يطيقون البحث في المعجم والتعرف على معنى الكلمة، أو أنهم تبهرهم الثقافة الغربية وأجواؤها وآدابها وأساليبها ويَروْن فيها غناءً معرفيًا عن تراث أُمّتهم؛ وكالذي ترك بيتَ أهله قبل أوانه وراح يسكن في بيت غرباء آخرين، وحين سُئل عن ذلك راح ينتقص من بيت أهله ويمدح بيت الغريب بأنه أوسع وأرحب ويقدّمون له فيه مآكل ومشارب ألذّ وأطيب؛ يُخفّف هؤلاء من تقريع ضمائرهم بأن يلمزوا تراث أُمتهم بالغرابة والتعقيد ! العجيب أن بعضهم لا يستنكفُ عن تعلم لغة أجنبية لحاجة أو لغير حاجة ويكابد في ذلك أضعاف ما يكابد في قراءة التراث، ثم إذا قرأ في التراث الذي هو لغةٌ من جنس لغته ونظمٌ من جنس نظمه راح يتأفف ويتضجّر من كلمات يستطيع تخمين معناها لو امتلك طبعًا عربيًا فصيحًا وحسًا تعبيريًا وأدبيًا! ولكنه الاستلاب الثقافي والكَسَل الفكري والمعرفي! 
٨- النقطة السابعة والأخيرة والمهمة، والتي أجّلت الحديث عنها إلى النهاية لأنها تحصيل للحاصل قبلها، أو هي الحاصلُ نفسه؛ أن تيسير اللغة يضر بقراءتنا للقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وفهمهما، فالقرآن أُنزل بلسان عربي مبين وتحدّى قريشًا والجاهليين بفصاحته وبيانه؛ فهو بطبيعة الحال يحتوي على كلمات صعبة وغريبة بالنسبة للغة عصرنا، وكذلك الأحاديث، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان أفصح العرب؛ فكيف سنقرأ الوحي ونفهمه إذا كنا تعوّدنا ألا نقرأ إلا كلامًا يشبه كلامنا.. كلماتٌ ميسّرة ومعانٍ قريبة؟ سنقرأ القرآن قراءة لا تجاوز حناجرنا.. نمرّ على آياته مرورًا بلا حرصٍ على تعلم معانيها وتفسيرها.. سنقرؤه لأجل القراءة ونوالِ أجرها فحسب؛ بلا تفكّر فعلي وتدبّر مثمر، بلا مدارسةٍ لأفصح بيان وأجلى لسان ذلك الذي سحرَ قريشًا وفصحاء العرب حتى اعترف قائلهم فقال عنه ":إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمرٌ أعلاه، مغدقٌ أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته"؛ لم يُنزّل الله في كتابه الآية الكريمة: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبينٍ﴾ لكي نقرأها فحسب، أو لكي نفاخر بها فحسب؛ بل لكي تستفزّ فينا الرغبة بمدارسةِ هذه اللغة وسُبل الإبانة فيها لكي نعلم لماذا حظَيتْ وشُرّفتْ أن يُنزّل كتاب الله العزيز بها .. وكيف جلّاها هذا الكتاب وأنصعَ بيانها فيه، ويكفيك أهميةً للمعلّقات وكلام العرب عمومًا أنه لا بد للمفسّر من معرفته والرجوع إليه في تفسير الكتاب العزيز؛ قال مجاهد: "لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالمًا بلغات العرب".
وكذلك الأمر بالنسبة للحديث النبوي، وإذا كان بعضنا يولي عناية خاصة بالقرآن لأنه كلام الله ويحرص على دوام قراءته وتتبع بعض تفسيره ومعانيه، فإنه لا يولي تلك الرعاية لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنه يعتبر القرآن يكفي ويُغني، وهذا غير صحيح؛ فالحديث بالنسبة للقرآن ثاني اثنين، والعناية به مؤكّدة.. وكم يحزّ في الخاطر أن بعضنا يتعثّر في قراءة حديث من أحاديث النبي المشهورة ولا يعرف معناه، ولو عُرض هذا الحديث على صبي من صبيان السلف ومن بعدهم قديمًا لقرأه سلسًا سهلًا ولفسّره لك تفسيرًا مبينًا ! 
إن ضعف اهتمامنا بلُغتنا نشأ أولًا من بعدنا عن ديننا ومصادر شريعتنا، وهو أيضًا ناشئٌ عن استلاب غيرنا لنا وانصرافنا عن طريقة أجدادنا وتراث أمتنا؛ فأدى ذلك أيضًا لتهاوننا في تعلم كلام ربنا وحديث نبينا.. وهذا والله أخطر ما يمكن أن تؤول إليه دعوات تيسير اللغة وتقريبها. 

وأختم حديثي بما رويَ أن رجلًا قال للشاعر أبي تمّام: "يا أبا تمّام، لم تقول من الشعر ما لا يُفهم؟" فقال له: "وأنت لم لا تَفهم من الشِعر ما يُقال؟!" ورويَ عن رجلٍ أنه أنشد شعرًا فاستغربه الناس، فقال لهم: "والله ما هو بغريب، ولكنكم في الأدب غُرباء!"
هذه النقاط ليست تكليفًا للناس بما لا يطيقون أو تحكّمًا في قراءاتهم وأساليب كتاباتهم؛ بل صدحًا بالحقيقة، ووزنًا للأمور بالقسطاس المستقيم، وعرضًا للقول الآخر، ثم الناس بعد ذلك أحرارٌ فيما يقرّرونه.. فمن شاء أخذ، ومن شاء ترَك؛ ومع هذا فإن معراج الحق واحد، ولن يضرّه أن لم يتصعّد فيه الناس !

الثلاثاء، 24 مارس 2020

"خذني لأندلـسِ الغيـاب"

أنعم الله عليّ هذا العام بزيارة دولة كم حلمت بزيارتها: أسبانيـا/الأندلـس.. جنة المسلمين المفقودة، وللنفس فيما تشتاقه من أماكن عجائب وغرائب؛ حتى أنها تنفق الأموال الغالية، وتقطع القفار الشاسعة والبلاد العديدة، وتضني جسمها وتقض راحتها لأجل رؤية طلولٍ خربة، وعروشٍ خاوية ! ولو قيسَ فعلها بمقياس العقل والمنطق لعُدّ حماقةً وجنونًا، ولكنها النفس وما تهوى، والقلب وما يريد! ذهبتُ إلى الأندلس وزرتُ أبرز المدن والمعالم الإسلامية هناك: إشبيلية، قرطبة، غرناطة، وحين أسميها "الأندلس" وأقول أني زرت هذه المدن فأنا لا أقفز على الواقع وأعاند الحاضر، فـ"أندلوسيا" هو إقليم من أكبر أقاليم أسبانيا حاليًا، ويضم أهم المدن الأندلسية القديمة، منها هذه المدن الثلاث.. المهم أني ذهبت هناك وعانقت التاريخ عناق الصبّ المشتاق، وأنا هنا لست بصدد سرد هذه الرحلة وتفاصيلها، ولا الحنين الغارق والانتحاب الطويل أمام الأطلال، فقد أفاض السابقون واللاحقون في هذين النوعين الأدبيَين وعبّروا عنهما بشتى ألوان التعابير، مما صار تعبير الواحد منا عندهم تكرارًا، أو حشوًا، أو استرسالًا باردًا؛ وإن كان لكل إنسانٍ تجربته الأدبية الخاصة، ولكنني بعيدًا عن هذا أحببتُ هنا أن أنشر تفاريق خواطر لا علاقة لها بقصّ الرحلة ولا سيرها ولا أطباعها العامة، وإنما هي مشاعر وأفكار منثورة لا تصلح لنظم.

(1)



أول المدن التي زرناها إشبيلية، وهي عاصمة إقليم "أندلوسيا"، وكنتُ قد أصبتُ قبل زيارتي لها بإنفلونزا تعالت ذروتها حين وصلنا إليها، فقضيتُ أغلب وقتي طريحةً في الفراش، وما استمتعت جيدًا بالمدينة، إلا أنها كانت مدينة جميلة يُعلّلك هدوؤها وجوّها الرائق ويخمد حرارة جبينك وجسدك، كأني بها يتهادى في أثيرها أنغام شعر المعتمد ابن عباد وغزله لزوجته اعتماد الرميكية.. فيزيد هواءها نقاءً وزهرها طيبًا وأهلها وقصورها سكينة! 

(2)

ثم ذهبنا من إشبيلية إلى غرناطة بالقطار، واستغرقت رحلتنا قرابة الخمس ساعات أو أكثر.. كانت طبيعة الطريق والسهول التي تحوطنا والأشجار التي تملأ نواظرنا تذكرني بشدة بسهول فلسطين وفيافيها التي شاهدتها من خلال الصور؛ فوجدتني بلا وعي أردد أغانٍ شعبية فلسطينية: عتابا، ميجانا.. وأتخيل أمامي فلاحين فلسطينيين يمشون حاملي فؤوسهم على أكتافهم وقد تعمّموا بالكوفيّات على رؤوسهم.. تتعبهم فلاحة الأرض لكن تُحفّزهم، يُضجرهم الفقرُ لكن يرضيهم؛ كأنهم بدأَبهم هذا في جهادٍ صامت وكفاحٍ حثيث أمام الدهر ليخبروه أنهم باقون في أرضهم ملتصقين بها في سرّائها وضرّائها، في عطائها وإمساكها، في غنيمتها وغُرمها! 
ولا أدري ما تفسير هذا الانتقال السريع في ذاكرتي نحو فلسطين وهذه الصور التي تقاطرت أمام عيني منها! أهو التشابه الطبيعي الجغرافي؟ أم تشابه القصة بشخوصها وأحداثها؟ غير أن جرح الأندلس قد اندمل وطُوي في الزمان وجرح فلسطين ما زال دمه يسيل أمامنا يأبى التجمد والوقوف! أم أن جرح الأندلس لم يندمل وعاد أخرى مُبدلًا مكانه وسال في فلسطين؟ فروحُ المأساة واحدة، وكأن روح فلسطين حلّت هنا، وروح الأندلس قد حلّت هناك!:
إنما أنت أنا لكنّمــا 
وُضعت أرواحنا في جسدَين! 




وصلنا غرناطة، وفي اليوم التالي زرنا درّتها المتوهجة؛ قصر الحمراء، الذي بناه بنو الأحمر آخر ملوك غرناطة والعهد الإسلامي في الأندلس، وإليهم نُسبت، ويقصده الآن كثيرون من بلدان وأديان مختلفة ليروا هذه العجيبة الإسلامية المذهلة.. تراهم يتجولون فيه مسمّرين أعينهم منبهرين من روعة النقوش والنوافذ والتماثيل والأقواس والقباب، ومن روعة الحدائق والأشجار والسواقي والنوافير؛ يحادث بعضهم بعضًا وهم يتأملون الزخارف والنقوش، ولا أدري هل ينظر بعضهم إليها كلوحة فنيّة مجردة عن الفنان لا تُنسب إلا إلى عالم الفن والإنسان؟ أم ينظرون إليها آخذين باعتبارهم من أبدعها والخلفية الإسلامية التي جاءت منها، متأملين دلالاتها ومعطياتها الدينية والتاريخية؟ أم ينظرون إليها وقد أجبرهم علو قيمتها وانتشار صيتها واحتفاء الفنّ بها على التظاهر بالانبهار والذهول بها جريانًا على سلوك الغربيين الذين يُقدّرون الفن والآثار الفنية الثمينة كيفما كانت، ولو كانت لوحة فيها أضغاث خطوط من ألوانٍ متنافرة؛ لا يُعرف معناها ولا قصد راسمها.. سوى أنه فنان عظيم! 
ثم كيف ينظر هؤلاء إليّ أنا المرأة المسلمة المتجلببة أمامهم؟! هل ينظرون فيّ إلى ذلك القديم الذي خرج من كهف الزمان ونبت من شقوق الأرض وطلُع من جُبٍ سحيق ! هل يرَوْن شبح الماضي يسير في ظلّي ونظرة الثأر تبرق من عيني ومشاعر اللوعة والحنين تطوف حولي كلما نظرت إلى النقوش والجدران التي تركها آبائي؟ هل إذا أفسحوا لي الطريق وابتعدوا عن خطواتي يتحاشون ذلك الجريح الذي أقسم على الانتقام.. فكأنهم بتحاشيهم هذا يعتذرون ويفسحون لمشاعري المقهورة أن تتحرّر، ولسان حالهم يقول: "دعوها، فلا تزال حزينة!"، أم أنهم ينظرون إلي كعدوٍ لا يُبالى بحياته أو موته.. بعزه أو ذلّه، فقد حُسم كل شيء؛ فالأرض أرضهم والزمان زمانهم؟!
أم أنهم لا يهمهم أصلًا من أنت ولا من تكون.. أنت واحد من هؤلاء  الناس.. يُمحى اسمك ويُنسى لونك وملامحك، ويُشطب على كل شيء إلا أن تُشبههم فيما يفكرون أو يقولون.. أدلجَ الدهرُ فطُوي زمانُك، وتصالح المدُ والجزر فسكنت شطآنُك، وعفى التاريخُ فانطفأ بركانُك ! تهاوت الجُدر فتلاقت الأزمنة، وبتّ في زمن العولمة والحضارة والفكر الواحد، والإنسانية المُدّعاة والسلام المنافق والخبث المضمر ! .. أنا لا أنكأ جرحًا قد التأم، ولا أمسك ماضيًا قد عبَر، أنا فقط أحنّ إلى أطلال قومي، وأتردد على متحف التاريخ أُعرّف كل قطعة وزخرفةٍ بأهلها، وأقلّب صفحات الماضي أتذاكر وإياها الحكاية.. والذين يرون القديم مجرد فنٍّ أو أثرٍ أو حكاية ويقفون أمامه على منطقة محايدة يربّون فيهم -بلا شعور - لا مبالاةٍ تورِث التبعية والخَوَر؛ وكأنهم يعترفون بلا وعي أن الأمجاد ودعاوى الهوية والاستقلال الفكري ما هي إلا ضلال قديم يمسخها التاريخ فلا يبقَ منها إلا تحفًا وصور، فلا يضحكُ عليهم ولا يستفيد منهم إلا الدول العظمى ومنطق القوة والسيطرة الذي هو نفسه قد نصب لهم ذلك المتحف وجلب لهم تلك القطع! من ينسَ ماضيه أو يتناساه لا يبقى له من الحاضر إلا خيوطٍ متهتكة من لباس سُحل وتقطع.. وهل لَعمري يستره أو يدفئه ؟! 

(3)



قرطبة كانت محطتنا الأخيرة، وكانت كذلك مدينة ساكنة تضارع إشبيلية في الهدوء؛ كأنهما ما خاضتا يومًا حربًا طالت الإنسان والدين والتاريخ! ولا أدري سر هدوئهما بالنسبة لصخب غرناطة رغم أنهن جميعًا تشتركن في الماضي ذاته.. لعل تقدمهما عن غرناطة في السقوط بيد الإسبان أنهكَ قواهما عن مقاومة الحاضر الجديد فسكنت أجواؤهما سكون اليأس، أما غرناطة فما زالت تحاول، وما زال صخب المحاولة ينبعث في غيرِ مكان فيها!


(4)


لعلّ أرواحنا قد تندّت من قطرات المسارب في مغاور التاريخ واشتاقت إلى نسماتٍ تهوّي الألم، ونورٍ كاشف يجلّي عن نفسه بلا اختلافات أو تناقضات أو تساؤلات.. وهكذا خلّفنا إقليم أندلوسيا وراءَنا متوجّهين إلى تاريخ مختلف وعالم آخر، إلى إقليم كتالونيا وتحديدًا عاصمته برشلونة، كانت برشلونة مدينة منطلقة حرة يموج فيها الناس يمنة ويسرة، تسير بهم ويسيرون بها في طريق واحد يؤدي إلى مصير واحد، وتحاكي فيهم ويحاكون فيها شكلها الواحد؛ فالماضي واحد والحاضر واحد والهوية واحدة، اطمئنان والتئام لا انقسام يُفرّقه ولا صراعات تُشوّشه.. ربما لأجل ذلك شعرتُ فيها بالوئام رغم غياب الآثار والمعالم الإسلامية وطُغيان الحداثة وكثرة المظاهر المسيحية! فنحن أحيانًا نكره في المدن أن تكون ذات وجهين كما نكره في البشر ! 
أما المدن الأندلسية فتبدو كمدن معتَقَلةٍ مستوفِزة؛ لا هي تقدر على الوثوب، ولا هي ترضى بالقعود! يتنازعها ماضٍ لا تزال أنفاسه المحتضرة تنبعث تحت الأحجار وبين الجدران والحصون وفوق المآذن والقناطر والجسور، وحاضرٌ نزقٌ عنيد يراوغ الزمان فيهرب، فيصطدم بجدران المكان، وكلما اصطدم يُنفض غبارٌ كثيف.. ويتردد صدًى بعيد.. وتتراءى له صور قديمة تثبت نسب الأبناء إلى الأجداد والمكان إلى التاريخ وترفض التنازل عن ثأر وحقٍ وأرض!

(5)

هذه الرحلة الشجيّة المليئة بالوجد والألم، بالدهشة والنغم.. الغائرة في أعماق الماضي وأسراره؛ جعلتني أتفكر في معنى التاريخ، وأنه وبكل وضوح ماضٍ وحاضرٌ ومستقبل.. وليس ماضٍ فقط، وأنك مهما تمردت لن تستطيع محوه؛ كالكرة تضربها بقوة بباطن يدك نحو الأسفل فترتد إلى يدك مرة أخرى بفعل الجاذبية الأرضية! لا تنعتق الأمم منه إلا لتعود إليه، ولا تُنكره إلا وتتلبّسها آثاره لتفضحها؛ وهل محاولة أمةٍ طمس جرائمها والاعتذار عن أفعالها والتعبير عن حسن نواياها لأمة عدوة لها سابقًا إلا تقليبٌ للتاريخ واستحضار آخر للماضي على مسرح الحاضر؟!